«الترجمان» لأشرف أبو اليزيد: تصوير روائي صارخ للحرب

Runa Srivastava, Poet, writer, India

أتيحت لي مؤخرًا فرصة قراءة رواية «الترجمان» لأشرف أبو اليزيد، والتي صدرت مؤخرا عن دار نشر Penprints  في كالكوتا…  وأجد نفسي أعود إليها في ذاكرتي مرارًا، كما يعود المرء إلى مكانٍ يرفض أن يُترك خلفه.

أكثر ما أثّر فيّ هو ذلك الاطمئنان الهادئ في كتابة أشرف أبو اليزيد، تلك الطريقة التي تتيح للتعقيد أن ينكشف دون إلحاح. فهو لا يقود القارئ نحو حقيقة واحدة؛ بل يثق بنا لنقيم في فضاء الالتباس، لننصت بعناية، ولنؤوّل بتواضع.

ثمة رهافة نادرة في الطريقة التي كتبت بها شخصية فوز. حياتها، الموسومة بالفقد والتحمّل، وبعودة تكاد تكون متحدّية إلى الحب، بدت عميقة الصدق. ومن خلال اختيارها أن تحب رجلًا يقف على تخوم الحياة والموت، تتحوّل المحبة إلى ما هو أعمق من مجرد عزاء؛ إنها تصبح فعل شجاعة.

ولا يقلّ عن ذلك جاذبية تصويره للترجمان، الذي تهزّ عبقريته البُنى التي تسعى إلى الارتقاء بها. فمن خلاله، ومن خلال الأصوات المتعددة التي تحيط به، تكشف كيف يمكن للحقيقة أن تتشظّى بسهولة تحت وطأة التصورات والغيرة والسلطة.

ثم هناك تلك اللحظات التي تبقى في الذاكرة بهدوء، ولكن بعمق لا يُمحى: صورة الحياة في المنفى «المصنوعة من زجاج»، أو صورة السجناء الذين يضحكون ويبكون في آنٍ واحد. هذه ليست مجرد مشاهد؛ بل حقائق وجدانية تواصل صداها طويلًا بعد الفراغ من القراءة.

إن «الترجمان» رواية تأبى التأويل السهل، إذ تتكشف بوصفها تأملًا متعدد الطبقات في الحقيقة والذاكرة والهياكل الهشّة للعلاقات الإنسانية. فبدلًا من تقديم سردٍ واحد، تقدّم جوقة من الأصوات، كلٌّ منها جزئيّ ومقنع، لتدعو القارئ إلى الإقامة في المساحة المعلّقة بين هذه الأصوات.

وفي قلب الرواية تتجلّى حالة المنفى، مرسومةً بشجنٍ رقيق:
«بيوتنا في المنفى مصنوعة من زجاج… لا تكشفنا فحسب… بل هي أيضًا هشّة قابلة للكسر.»

تُجسّد هذه الصورة المشهد العاطفي للنص، حيث تتعرّض الحيوات للتدقيق المستمر، وتُشكَّل تحت الإلحاح الذي لا يهدأ للإشاعة.

ويبرز المترجم بوصفه محفّزًا وتناقضًا في آنٍ واحد؛ متألّقًا في إنجازاته، ومقلقًا في خلخلته للتراتبيات القائمة. فعمله، الذي ينجز في عام ما كان يستغرق عقدًا من قبل، يغدو أقلّ انتصارًا بقدر ما يصبح مصدر قلق، إذ يكشف هشاشة السلطة المؤسسية.

وبموازاة ذلك، تسير حكاية فوز المؤثرة بعمق، وقد وُسمت حياتها بتكرار الفقد والتحمّل. إن قرارها أن تحب مرة أخرى—هذه المرة رجلًا معلّقًا «بين الحياة والموت»—يحوّل الحب إلى فعل تحدٍّ هادئ، لا إلى مجرد عزاء.

كما يعمّق انخراط الرواية في التاريخ، ولا سيما تصويرها الصارخ للحرب، من نبرتها الوجدانية. فمشاهد مثل السجناء الذين «يضحكون ويبكون في الوقت نفسه» تكشف عن نفسٍ ممزّقة بفعل البقاء تحت أقسى الظروف.

وما يميّز «المترجم» في النهاية هو رفضها حسم توتراتها. فهي تترك القارئ أمام إدراك عميق مفاده أن الحقيقة ليست ثابتة، بل تتشكّل باستمرار عبر المنظور والسلطة والذاكرة. وهكذا تحوّل فعل القراءة إلى فعل تأويل، يظلّ أثره ممتدًا طويلًا بعد الصفحة الأخيرة.

 

شكرًا لك – أشرف – على كتابة رواية لا تُبسّط الحالة الإنسانية، بل تُنصف تناقضاتها. «الترجمان» ليست نصًا يُقرأ فحسب، بل عالمًا يُسكن. مع خالص الإعجاب، رونا

  • Related Posts

    الأنطولوجيا السادسة عشرة من «Live Encounters Poetry & Writing» تحتفي بـ23 مبدعًا عربيًا بترجمة د. سلوى جودة

    إصدار جديد يجمع أصواتًا شعرية وأدبية من 11 دولة عربية، ويقدم تجربة ترجمة تتجاوز نقل الكلمات إلى بناء جسور بين الثقافات والذاكرة الإنسانية صدر العدد السادس عشر من أنطولوجيا Live…

    الفنانة التشكيلية مروى حياصات:  الكتب الصامتة من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل 

    حوار أجراه : طارق العمراوي       العلاقة المثالية بين الكاتب والرسام هي علاقة شراكة إبداعية قائمة على التناغم والتكامل الكتب الصامتة (Silent Books) هي من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل فهي تعتمد كليًا على الرسام   س1كيف تُقدّمين الفنانة التشكيلية مروى حياصات ؟ مروى حياصات فنانة ومصممة متعددة المجالات بدأت من عالم المعمار.. لكنها اختارت أن تبني عوالم من نوع آخر… عوالم مليئة بالألوان، بالدهشة، وبخيال لا ينتهي فدخلت عالم كتب الأطفال، انتقلت من بناء بيوت إلى بناء عوالم صغيرة داخل صفحات, التحول ما كان مخطط لكنه كان طبيعي مليء مفاجآت وتعلّم.   س2: ما أهمية ورشات الرسم والبراعات اليدوية بمعارض الكتاب؟  تُمثّل هذه الورشات نقطة التفاعل الحي والمباشر بين القارئ الصغير وعالم الكتاب، وتكمن أهميتها في كسر الجمود بين الكتاب كمنتج جامد إلى تجربة تفاعلية ملموسة, تُطلق العنان لخيال الطفل وتطور مهاراته التعبيرية والفنية و تتيح للمربين اكتشاف شغف الأطفال وتوجيهه مبكرًا, من ناحية أخرى تتيح للفنانين الاطلاع بشكل مباشر على ردة فعل الأطفال على الكتب والرسوم و كيفية تفاعلهم معها مما ينمي ادراكهم لما يجذل الطفل والمربي و يطور مهارتهم و يصقلها. س3: كيف يتم التعامل بين صاحب النص وصاحب الريشة؟ هل تقرؤون النص وتتخيلون المشاهد أم الكاتب هو من يوجهكم أم العمل مشترك؟ العلاقة المثالية بين الكاتب والرسام هي علاقة شراكة إبداعية قائمة على التناغم والتكامل, يبدأ العمل بقراءة عميقة للنص من قبل الرسام لفهم روح النص وأبعاده ثم بناء رؤية بصرية بصرية مبدئية , ولا بد من ترك مساحة حرية للرسام  لقراءة ما بين السطور وإضافة تفاصيل بصرية لا يذكرها النص اللفظي. و يتم التواصل والتشاور حول النقاط المفصلية (مثل الملامح العامة للشخصيات أو الروح العامة للقصة) لضمان اتساق الرؤية دون تقييد الحرية الإبداعية للمصمم والرسام. س4: ما هو تقييمكم للرسومات المصاحبة للنص في قصص الأطفال؟  تطورت الرسومات في أدب الطفل المعاصر بشكل ملحوظ؛ فلم تعد مجرد توضيح حرفي للكلمات، بل أصبحت تحمل تفاصيل خفية، وأبعادًا نفسية، وظلالًا تعبيرية تتيح للطفل إسقاط خياله عليها. وأصبحت أكثر قدرة على إثارة الدهشة، ومراعاة الفئات العمرية، والابتعاد عن التكرار والنمطية التقليدية.  س5: هل هناك ملتقيات للفنانين التشكيليين الذين يتعاملون مع أدب الطفل؟ نعم، هناك اهتمام متزايد بهذه الملتقيات عربيًا ودوليًا، ومن أبرزها المهرجانات والمعارض الدولية مثل مهرجان الشارقة القرائي للطفل وما يرافقه من معارض ورش إقليمية، ومعرض بولونيا لكتب الأطفال في إيطاليا والذي يعد الملتقى العالمي الأكبر لرسامي كتب الأطفال. س 6ما هي القصص التي تستهويكم وتريدون تزويدها برسوماتكم؟ تستهويني القصص التي تحمل قيم تعكس هويتنا الإسلامية وثقافتنا العربية بطريقة إبداعية غير نمطية أو ممله , قريبة للطفل جذابة و تترك بصمة في تكوين وبناء و ربط أطفالنا بهويتنا الإسلامية والعربية . و بفضل الله توجد الأن دور نشر عربية رائدة في هذه المجالات سواء بتخصص كامل في هذه الموضوعات او من خلال بعض الإصدارات … فأطفالنا و شبابنا في هذا الزمن في أشد الحاجة إلى ما يربطهم بهويتهم و دينهم بطريقة جذابة وفعالة في ظل التنافس الشديد من التيار المعاكس س7: هل تفكرون في معارض خاصة للرسومات التي تؤثث القصص المنشورة؟  نعم، إقامة معارض خاصة للوحات الأصلية التي تُصمم لقصص الأطفال تُعد خطوة أساسية ومهمة جدًا لأنها تُسلط الضوء على قيمة “اللوحة الأصلية” كعمل فني تشكيلي مستقل قائم بحد ذاته قبل تحويله لصفحة مطبوعة .ويوجد العديد من المعارض الخاصة برسوم قصص الأطفال من أهمها معرض الرسوم في معرض الشارقة القرائي للطفل , وقد شاركت في معرض رسوم قصص الأطفال في ملتقى العويس لأدب الطفل في الإمارات , وأطمح للمشاركة في معارض أخرى. س8: تنافسكم المنصات المصورة للقصص، كيف تقرؤون المشهد وما هو تصوركم؟ المنصات الرقمية والتطبيقات التفاعلية لا تُشكل تهديدًا بقدر ما تُشكل تحديًا يُحفّز على الابتكار, يبقى الملمس الحقيقي للورق، ورائحة الطباعة، وتجربة تقليب الصفحات رفقة الأهل تجربة حية لا يمكن للمظاهر الرقمية استبدالها بالكامل. س9: هل رفضتم مرة التعامل مع كاتب لأن النص ما عجبكم؟  يرفض الرسام أحيانًا العمل على نص معين إذا كان النص يحمل أفكارًا مكررة ومباشرة (أسلوب التلقين والموعظة المباشرة) التي تحد من خيال الطفل والرسم. س10: ما تقييمكم للقصص المرسومة بلا متن وكلمات والتي بدأت في تزايد، وهذا ما يلزمكم برسومات معبرة وموجهة للطفل القارئ؟ الكتب الصامتة (Silent Books) هي من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل فهي تعتمد كليًا على الرسام تجعل الرسام هو المؤلف والمخرج والراوي الرئيسي. وتمنح الطفل حرية قراءة القصة بأسلوبه الخاص وتخيل الحوارات بنفسه، مما يكسر حاجز اللغة والعمري.  

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *