قراءة نقديّة_أدبيّة ، الدكتورة الأميرة مُنى رسلان (في ذكرى مولد الكاتب المناضل غسّان كنفاني الـ ٩٠ )
أفق عين الشمس أنتَ غسّان كنفاني، المؤمن الأزليّ بالحريّة المُتجدّدة، تلك المُنغرسة في شِغاف فاعليتك الذّاتيّة، ومُنطلقاتك الثقافيّة، وجذورِك الفلسطينيّة، وبيروتك الأبيّة، وشرايينك العروبيّة. إنّها ذّاتك المُنتفضة على تجويع الأرض وتجويف النِّضال وتمييع القضية.
غسّان المُنبلج في كلّ قضيّة إنسانيّة، كتبتُ فلسطين من وجدِك
في قصيدتي: “وهّاجة القمر فلسطين” : “رسَمَتكِ بالتين وزهر الليمون والعوسج
رسمتُك ببوح العود والصندل
والمنتور المنثور بخوراً .
رسمتُكِ مِسكاً ، قمحاً نورانياً يرتشفه السُهاد، و دُنى الطفولة فيك المُتطايرات غبطةً.
أراكِ تتسلّلين والضُحى الوهّاج ، تخترقين القلب ، بـ غُمرة انبلاج” (مُنى رسلان).

غسّان الثائر نسّاج “أرض البُرتُقال الحزين” “كان يتنفّس، وكانت أكوام التراب المتراكمة فوقه وحوله غير قادرة على قتله..”، بقيتَ في الروح: “كانت أُمك تنظر إلى البرتقالة بصمت وتلتمع في عيني أبيك كل أشجار البرتقال التي تركها
لليهود والتي اشتراها شجرة شجرة، كانت
ترتسم في وجهه كلها وترتسم لمّاعة في دموع
لم يتمالكها وعندما وصلنا صيدا في العصر
أصبحنا لاجئين“. إنَّ “الأشجار تغيِّرُ أوراقها لا جذورها”.
وممّا لا شكّ فيه أنّ جذوة لميس الحُبّ، تستولي بلطفها على كيانك الكنفاني، وأساريرك تفضفض: “عالم بعيد مطوق بشيء اسمه حُبّ حقيقي.. حُبّ لا إلزام فيه ولا جزاء .. حُبّ لذاته، بلا تعويض، بلا ثمن، بلا خوف، حُبّ صافٍ لم أحس به أبداً من قبل، أبداً أبداً، حُبّ لذلك الطفل الذي ولد مني، بسببي، ومن أجلي”.
ألا يتعانق حُب الطفل مع جذوة الروح! تلك الغنائيّة المُتعالية عن الحُلم واليقظة، عن قلق المجهول والمعيوش، حتّى عن الحُب في ذاته الأرضيّة، يترقى … و يسمو رهيفاً .. رهيف الأبوّة الصافية.
ومن رِحاب فلسطين أمومة العطاء تمتزج بجماليّاتها في تكاوين أنشودة الحرّية بيروت-العروبة، إذ شكّلتَ في ما شكّلته من وجودِك النَضِر حريّة للإنسان، فـ “كان علينا أن نقتطع من فرح الطفولة زادًا لبقية الطريق” (كنفاني).
ومن زمن دهريّ إلى خلود أزلي، تُبحر فلسطين شعشعانيّة في الوجدان الإنسانيّ؛ كتبتُ لكَ عن فلسطين أقول:
“رسَمَتكِ بالتين وزهر الليمون والعنبر،
بـ زبد خمر الطيب والانبعاث جنّة القدر ،
يتلحّف تُرابك.
سجّل يا فجر التأريخ، سجِّل :
أنا
عربية
وهّاجة القمر”.
(” وهّاجة القمر فلسطين ” قصيدتي).
أُخبِرُك يا غسّان في تسعينكَ أنّ “خالد” في “عائد إلى حيفا” احتضن المزهرية والصور، وانتقى خميرته “عن الرجال والبنادق”، وأينعتَ أنتَ غسّان في كُلٍّ مِنّا وطناً لن يموت.
فما العمر، إن لم تجد ترابًا يحنُّ عليكَ في يومك الجلل.
وما الحُب، إن لم تنغرس روحكَ في ذاكرة الأرض.
وما الحياة أيّها الحبيب غسّان، إن لم تكن يوماً شُهُباً للحريّة.

الدكتورة الأميرة مُنى رسلان
****
* أُسْتَاذةُ النَّقْد الأَدَبِيّ المعاصر وأدب ما بعد الحداثة، والأدب المُقارن، ومنهجيّة البحثِ فِي كليَّة الآدابِ والعُلومِ الإنسانيَّة في الجامعة اللبنانيَّة _ الفرع الأوّل








