جدارية غزة: حين يكتب الألم الإنساني تاريخه بالألوان

د. حسين عبد البصير

في قلب القاهرة، حيث تتكثف طبقات التاريخ وتتماهى الأزمنة في نسيج بصري وروحي واحد، ينهض الفن بوصفه لغة موازية للتاريخ، قادرة على التقاط ما تعجز عنه الوثيقة، وعلى تسجيل ما يفلت من قبضة السرد التقليدي. من هنا، تأتي «جدارية غزة» للفنان عبد الرازق عكاشة، لا كعمل تشكيلي فحسب، بل كوثيقة إنسانية كبرى، تُكتب بالألوان كما تُكتب الملاحم بالدموع.

في مركز الهناجر للفنون، داخل الفضاء الرمزي لـدار الأوبرا المصرية، تتجسد هذه الجدارية الممتدة، لا بوصفها امتدادًا بصريًا على جدار، بل باعتبارها أفقًا مفتوحًا للتأمل في معنى الإنسان حين يُحاصر بالألم، وحين يصبح البقاء ذاته فعل مقاومة. ثلاثون مترًا من اللون، لكنها في حقيقتها ثلاثون طبقة من الذاكرة، وثلاثون صرخة مكتومة في وجه عالم اعتاد أن يرى ولا يرى.

إن «غزة» هنا ليست جغرافيا محاصرة، ولا عنوانًا سياسيًا عابرًا، بل بنية رمزية عميقة تستدعي تاريخًا طويلًا من التراكم الحضاري والإنساني، حيث تتجاور آثار الكنعانيين والآشوريين مع ملامح الإنسان المعاصر. في هذا السياق، تتحول الجدارية إلى نص حضاري، يربط بين الموروث والراهن، ويؤكد أن الألم الإنساني، مهما اختلفت أزمنته، يظل واحدًا في جوهره.

تتوزع المشاهد داخل العمل كما تتوزع الفصول في ملحمة بصرية: جنازات تتكرر حتى تكاد تفقد فرادتها، لكنها تكتسب، في كل مرة، دلالة جديدة؛ ووجوه تنظر من عمق اللوحة، لا إلى الخارج فقط، بل إلى داخل المتلقي ذاته؛ ومشاهد حياة مبتورة، مثل زفاف ينتهي إلى موت، في مفارقة تختزل عبثية الحرب وقسوتها.

ومن الناحية التشكيلية، يقترب العمل من التعبيرية الحرة، حيث تتكسر الحدود بين الشكل والمعنى، وتتحرر الألوان من وظيفتها الوصفية لتغدو حاملة لشحنة وجدانية كثيفة. الأسود ليس مجرد ظل، بل كثافة وجودية؛ والأحمر ليس لون الدم فقط، بل رمز للفقد والاحتراق الداخلي؛ أما الأزرق، حين يمتزج بهما، فيولد ذلك البنفسجي الحزين، الذي يشبه حالة إنسانية معلقة بين اليأس والرجاء.

ولعل أحد أبرز ملامح هذا العمل هو صدقه العاطفي. فالفنان لا يقف خارج التجربة، بل ينغمس فيها حتى الذوبان. دموعه، التي سقطت على علب الألوان، ليست تفصيلًا عابرًا، بل جزء من بنية العمل ذاته، وكأن اللوحة قد رُسمت بمواد مزدوجة: صبغات اللون، وملح الدمع.

هنا، يتجاوز الفن وظيفته الجمالية ليصبح أداة معرفة، بل أداة مقاومة. إنه لا يكتفي بتجميل الواقع، بل يكشف قسوته، ويعيد صياغته داخل إطار يمنحه معنى. وفي هذا السياق، لا يبدو الفن «قوة ناعمة» بالمعنى التقليدي، بل قوة موازية، تمتلك قدرتها الخاصة على التأثير، وعلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي.

إن «جدارية غزة» تطرح، في عمقها، سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للإنسان أن يظل إنسانًا في ظل هذا الكم من الفقد؟ والإجابة لا تأتي مباشرة، بل تتسلل عبر تفاصيل اللوحة، عبر عين طفل تلمع في العتمة، أو عبر شعاع نور يتسلل من جنازة، أو عبر لون يرفض أن ينطفئ.

وفي هذا كله، تتجلى قيمة العمل الحقيقية: أنه لا يوثق المأساة فحسب، بل يمنحها صوتًا، ويعيد للإنسان مكانته في قلب الحكاية. وهنا، يصبح الفن—كما كان دائمًا في لحظاته الكبرى—ضميرًا حيًا، يقف في مواجهة النسيان، ويعلن، بصمت الألوان، أن ما يحدث ليس عابرًا، بل جرح في جسد الإنسانية كلها.

  • Related Posts

    الفنان الذي بعث غزة في قلب القاهرة… لأن غزة ستظل في القلب

    في مساءٍ مشحونٍ بالوجدان، احتضنت قاعة الهناجر بدار الأوبرا المصرية في القاهرة، مساء يوم 16 أبريل 2026، معرض «غزة في القلب» للفنان التشكيلي والروائي عبد الرازق عكاشة، في حضور لافت…

    الموضوع وتنويعاته – الفن الإفريقي والهندسة الكسيرية (الفراكتال) – II

      بقلم إسماعيل دياديه حيدرة  على خلاف السونيتات، حيث نجد عددًا ثابتًا من التفعيلات، نلاحظ هنا اختلاف عدد الأبيات في المقاطع وعدد الكلمات في كل بيت: با حَدّو (النص كما…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *