د. دينا عبد الرحمن تكتب: شهادة بصرية حية على مأساة إنسانية معاصرة

وأنا أشاهد الإبادة تُبثّ على الهواء، سقطت دمعةٌ في اللون؛ تركتُها كما هي، شاهدةً على اللحظة، ومضيتُ في الرسم حتى اكتمل المعرض…
كلمات الفنان الشغوف عبد الرازق عكاشه
أتي معرض «غزة في القلب» للفنان عبد الرازق عكاشة، الذى أقيم بقاعة آدم حنين في مركز الهناجر للفنون داخل دار الأوبرا المصرية، بوصفه تجربة فنية تتجاوز حدود العرض التشكيلي التقليدي، لتتحول إلى شهادة بصرية حية على مأساة إنسانية معاصرة.
منذ الوهلة الأولى، تفرض الجدارية الضخمة، الممتدة على ثلاثين مترًا، حضورها الطاغي، ليس فقط بحجمها الفيزيائي، بل بثقلها الرمزي. اختيار الفنان اللونين الأبيض والأسود لا يبدو خيارًا جماليًا محضًا، بل هو اختزال حاد لعالم منقسم بين نقيضين: الحرب والسلام. هذا التقشف اللوني يخلق حالة من التوتر البصري، حيث تغيب التفاصيل اللونية لتحضر الحقيقة عارية، قاسية، بلا مواربة.
يُعرف عكاشة بانشغاله الدائم بقضايا مجتمعه، إلا أن هذا المعرض يكشف عن مستوى أعمق من التماهي مع القضية الفلسطينية. فهو لا يكتفي بالتعاطف، بل ينخرط وجدانيًا في تفاصيل الألم، كما يتجلى في لوحة «على باب مستشفى المعمداني»، التي توثق لحظة ما بعد الانفجار. هنا، لا يسعى الفنان إلى إعادة تمثيل الحدث بقدر ما يحاول استحضار أثره النفسي؛ الفراغ، الصدمة، والذهول، كلها تتسلل عبر التكوين، لتجعل المشاهد شريكًا في التجربة لا مجرد متلقٍ.
أما لوحة «أم الشهيد»، فتنتقل بالمتلقي من فضاء الحدث العام إلى عمق التجربة الإنسانية الفردية. الأم هنا ليست مجرد رمز، بل كيان مثقل بالفقد، تتجسد فيه معاناة شعب بأكمله. ينجح الفنان في تفادي المباشرة الخطابية، معتمدًا على قوة التعبير الإنساني الصامت، حيث تصبح النظرة أو الانحناءة أكثر بلاغة من أي شعار.
ورغم أن المعرض ينطلق من مأساة، إلا أنه لا يغرق في السوداوية المطلقة. فثمة خيط دقيق من الأمل يمر عبر الأعمال، يؤكد أن الفن—كما يطرحه عكاشة—ليس فقط وسيلة لتوثيق الألم، بل أداة للمقاومة الرمزية، ولإعادة تأكيد قيم الحق والجمال. من هنا، يتحول المعرض إلى خطاب إنساني مفتوح، يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، ليخاطب الضمير الجمعي.
في المحصلة، ينجح معرض «غزة في القلب» في تحقيق معادلة صعبة: الجمع بين القيمة الجمالية والرسالة الإنسانية، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. إنه نموذج للفن حين يكون موقفًا، وللإبداع حين يصبح شاهدًا على عصره، مؤكدًا أن الريشة قد تكون أحيانًا أبلغ من الكلمات، وأكثر قدرة على البقاء.
كل عام وانت بخير وملىء بالشغف والعطاء والطاقه والفن الصادق
عيد ميلاد سعيد
واعتقد بعد النجاح المدوى للجداريه انه عيد ميلاد سعيد جدا
  • Related Posts

    تكريم الكاتب الأذربيجاني ميخوش عبد الله في مقال نقدي منشور بمجلة «شفق»

    لانكاران، أذربيجان — يحتفي الوسطان الأدبي والثقافي بإنجاز بارز في مجال التبادل الثقافي، حيث أصبح كاتب القصة القصيرة الأذربيجاني ميخوش عبد الله موضوعًا لمقال نقدي متميز بعنوان «قصة مؤلمة عن…

     Azerbaijani Writer Meyxoş Abdullah Honored in Literary Feature Published in “Shafaq” Magazine

    Lankaran, Azerbaijan — The literary and cultural community celebrates a notable cross-cultural achievement as Azerbaijani short story writer Meyxoş Abdullah is the subject of a distinguished critical article titled “Painful…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *