تفجّرت أزمة جديدة داخل أوساط النشر والثقافة في مصر بعد تداول شكاوى من عدد كبير من الناشرين بشأن مطالبة إدارة الإيداع بـدار الكتب والوثائق القومية تسليم نسخة إلكترونية بصيغة ملف كتابي “Word” من الكتب والأعمال المقدَّمة للحصول على رقم إيداع، وهو ما اعتبره ناشرون وكتّاب “سابقة خطيرة” تمسّ حقوق الملكية الفكرية وتفتح أبواب القلق حول حماية المحتوى الإبداعي.
القضية بدأت مع بيان رسمي صادر عن اتحاد الناشرين المصريين، وقّعه رئيس مجلس الإدارة فريد زهران، أكد فيه أن الاتحاد لم يكن على علم مسبق بالإجراء الجديد، وأنه تحرك فور تلقيه الشكاوى بالتواصل مع وزيرة الثقافة الأستاذة الدكتورة جيهان زكي، وكذلك مع السيد الأستاذ الدكتور رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية أسامة طلعت، لمعرفة خلفيات القرار وتداعياته القانونية والثقافية.
ويكتسب الجدل حساسية أكبر لأن الحصول على رقم الإيداع في مصر يتم بالفعل عبر إجراءات واضحة؛ إذ يلتزم الناشر بتقديم خمس نسخ مطبوعة من العمل، إضافة إلى أسطوانة مدمجة تحتوي على الملف والغلاف، فضلًا عن المستندات الرسمية الخاصة بالمؤلف والمترجم والناشر. لذلك يتساءل كثيرون: لماذا تُطلب نسخة “Word” قابلة للتعديل والتداول، في حين أن النسخ الورقية والملفات النهائية المؤمنة متوافرة بالفعل ضمن إجراءات الإيداع التقليدية؟
مخاوف من “ثغرة” تهدد حقوق المؤلفين
الشاعر والناشر مجدي أبو الخير كان من أبرز الأصوات التي انتقدت الإجراء، واصفًا ما يحدث بأنه “غريب ومخالف لكل حقوق الملكية الفكرية المعمول بها”. وقال إن إدارة الإيداع أبلغت الناشرين بضرورة تقديم نسخة “Word” عند استخراج رقم الإيداع، ثم تقديم نسخة أخرى بعد التنسيق ولكن بالصيغة نفسها عند تسليم النسخ النهائية.
ويرى أبو الخير أن المشكلة لا تتعلق بمجرد إجراء إداري، بل بجوهر حماية الإبداع نفسه، متسائلًا: “كيف يحق لدار الكتب، التي يقتصر دورها على استخراج أرقام الإيداع، أن تحتفظ بنسخ وورد من الأعمال المقدمة؟”.
هذا التساؤل فتح بابًا واسعًا للنقاش داخل الأوساط الثقافية، خصوصًا أن ملفات “Word” تختلف عن ملفات الـPDF أو النسخ المطبوعة؛ فهي قابلة للتعديل والنسخ وإعادة الاستخدام بسهولة، ما يثير مخاوف من تسرب المحتوى أو إساءة استغلاله أو حتى وقوعه فريسة للقرصنة والسرقات الأدبية.
بين التطوير الرقمي والقلق المشروع
في المقابل، يرى بعض المتابعين أن الخطوة قد تكون جزءًا من مشروع رقمنة أرشيف النشر المصري وتحديث قواعد البيانات داخل دار الكتب والوثائق القومية، خاصة مع التحول الرقمي الذي تشهده المؤسسات الثقافية عالميًا. لكن هؤلاء يؤكدون في الوقت نفسه أن أي تطوير إداري يجب أن يتم وفق ضوابط قانونية واضحة تضمن حماية حقوق الناشرين والمؤلفين، مع إعلان أسباب جمع الملفات الرقمية وآليات تأمينها وحفظها.
ويشير قانونيون إلى أن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في طلب الملف الإلكتروني، بل في غياب الشفافية حول كيفية حفظه، ومن يملك حق الوصول إليه، وما إذا كانت هناك ضمانات تقنية وقانونية تمنع نسخه أو تداوله خارج نطاق الاستخدام المؤسسي.
الوسط الثقافي ينتظر الرد الرسمي
حتى الآن، لم تصدر توضيحات رسمية مفصلة من دار الكتب والوثائق القومية بشأن أسباب طلب ملفات “Word”، وهو ما يزيد حالة الجدل والقلق داخل سوق النشر المصري، خاصة بين الناشرين المستقلين والكتّاب الشباب الذين يعتبرون أعمالهم الفكرية رأس مالهم الوحيد. وفي انتظار رد رسمي تبقى الأسئلة معلّقة: هل نحن أمام خطوة تنظيمية غير موضحة؟ أم أمام سابقة قد تعيد فتح ملف حماية الملكية الفكرية في مصر من جديد؟





