من دراسة للأستاذ الدكتور خالد فهمي. كلية الآداب جامعة المنوفية
مدخل :
قسوة الحياة .. طريق استعادة الوجدانية !
تشكلت الرومانسية فى النسخة العربية، أوما أطلق عليه الناقد والأكاديمي المرموق الدكتور عبد القادر القط ( ت 2002) الاتجاه الوجداني فى الشعر العربي المعاصر، لأسباب ضاغطة على الإنسان المصري والعربي فى حقب قريبة ممتدة، ترفع لافتة تقول إن الحياة فى نسختها المعاصرة والراهنة قاسية جدًا. وهي الآن ، ولأسباب متعددة ومتراكمة، تزداد قسوة بصورة ربما لاتكون مسبوقة فى التاريخ الإنساني على امتداده الطويل، لدرجة يمكن أن أقررفيها أن التعبير الشفاف الذى صاغه الشاعر فى هذا الديوان وهو : ( ص12) الفجر قريب.
————————- (1)
بحثًا عن الرحمة والراحة
خطاب النهاية فى ديوان الظل والنور. تدور قصائد هذا الديوان وهى سبع عشرة قصيدة حول فكرة محورية هى السعي إلى تنزيل الرحمة الإنسانية، وطلب الراحة. والحقيقة أن هذا المطلب مرهون بأفعال صانعة للرحمة والراحة، وهي أفعال دائرة حول ثلاث قضايا أو محاور أساسية هي:
أولاً : محور المعرفة بكل ما يدور فى فلكها، يقول الشاعر : ” فى غسق الظلمة نتلاشى .. ما لم نقرأ / ما لم نعرف / ما لم نعقل. فهذه أفعال ثلاثة تدور حول استنزال الرحمة والراحة من طريق أساسية هى تحقيق المعرفة.
ثانيًا: محور الإيمان وما يدور في فلكه ويدل عليه قول الشاعر: فى غسق الظلمة نتلاشى / ما لم نؤمن / ما لم يعرف كل منا .. كيف سَيلقَى .. وجه الله. ففى هذا المقطع يظهر استعمال الفعل المضارع الدال على محورية قضية الإيمان وارتباطها بالبحث عن كيفية لقاء الله سبحانه، وهو طريق أخرى ينضم إلى سابقتها فى رحلة السعى نحو الرحمة وطلب الراحة من عناء الحياة وقسوتها.
ثالثًا: محور العمل والحركة والإيجابية: يقول الشاعر: فى غسق الظلمة نتلاشى ما لم نعمل . والحقيقة أن تأمل فكرة الديوان الأساسية لايمكن تصور إنتاجها من غير تضافر هذه المحاور الجزئية الثلاثة المنتجة لها.

———————— (2)
نحو الرحمة والراحة : خطاب التشكيل الفني،
ثمة محددات متنوعة تعاونت علي النهوض بخطاب التشكيل الفني في هذا الديوان الذي ينتمي الي الاتجاه الوجداني بالأساس وسوف نتوقف في هذا المطلب أمام حزمة من عناصر خطاب التشكيل الفني فهي:
اولا: المعجم الشعري الوجداني:
ثمة حضور لمجموعة من الحقول بصورة واضحة تبرهن علي انتمائه للاتجاه الوجداني ، وجاءت الحقول العالية النسبة كما يأتى:
أ- حقل الايمان وأفعال التدين ،
وكما جاء في الديوان ما يؤكد ذالك :
وصلاة/ المغرب قد حانت / فشرعت أصلي / فأخذت أهرول نحو المسجد / لأصلي الأن/ سنصلي أربع تكبيرات / يرحمه الله / يرحمنا الله / يا طرداء الرحمة مثلي / أحد أحد /
وكما نري فإن هذه المقطوعات تبرهن علي الحضور الطاغي لمعجم الإيمان و التدين بصورة واضحة .
ب – حقل الأمل و العدالة:
ومما جاء في الديوان من ألفاظ هذا المعجم :
كلمة الأمل بوصفها كلمة مفتاحية ، يقول الشاعر :
هيا يا أجنجة الأمل
جـ – حقل الريف المصري هو حقل يتحرك بدلالات البساطة و الطهر و النقاء و العطاء و الفطرة ،
ومما جاء في الديوان من ألفاظ هذا الحقل ما يأتي:
يقول الشاعر :
التوت / لنعود لفطرتنا الأولي / الورد/ الفلاح/ أبو قردان/ العصافير .
وهذا حقل يعزز الانتماء إلي الاتجاه الوجداني بكل تأكيد، وهو حقل يستفيض فيه شعر الشعراء الوجدانيين المصريين تعيينا ، وهو ما يعني أن الشاعر أحمد نصر حريص علي هذا التكوين الأصيل .
د – حقل السماحة والبشاشة و المحبة و الإنصاف و السعادة .
ه – حقل الألوان و الظلال ، وهو انعكاس لثقافة وتكون علمي و مهني ممتاز .
ثانيا – التناص و تكامل النصوص :
تنهض القصيدة : المعاصرة علي توظيف الأخذ من نصوص سابقة بغرض بناء معمار أشعاره ،
وهو ما يعرف في مدونة النقد الحديث بالتناص والتكافل بين النصوص .
ويسهم هذا البعد فى تعميق عراقة القصيدة ، وصناعة نسب حضارية يصلها بتاريخ عريق للشعرية العربية ذات التاريخ الممتد وهو أمر يعين علي استعادت المجد العريق للامة:
ومن صور ذلك أن استدعاء شخصيات دينية آثرة تملك تعاطفًا في الوجدان العام ، يقول الشاعر: (ص – 75 ) صدق بلالا وتحمل .. صدق بلال وتجمل / وعلا صوت الحق بداخله / أحدٌ أحدٌ / ما أعذب صوت الإيمان ، واستدعاء شخصية بلال بكل حمولتها تؤكد أن المعاناة أعقبتها النجاة.
ب – توظيف نصوص دينية:
وقد وظف الشاعر عددًا من النصوص الدينية التى تدعم توجهات الديوان.
يقول الشاعر:
. أحد أحد
. الله لطيف
. المشكاة ،
هذه عبارات تنتمى إلى نصوص دينية.
جـ – التناص مع أعمال فنية معاصرة تعزز منحى الديوان منها . ولعل ورود عبارة من مثل: سيلقى وجه الله
وأتذكر أن عبارة ( وجه الله ) استعمل لعنوان رواية لمصطفى مستور .
استثمار قصيدة المديح النبوى فى الديوان، إذ تحقق هذه القصيدة نمطا من الشفافية تدور مع محبة النبي صلى الله عليه وسلم، فى مثل قصيدة ” لاح الصباح “
ثالثًا – ملامح عصرية القصيدة فى ديوان : الظل والنور من أصرح ما تتمتع به القصيدة فى ديوان أحمد نصر هو حرصه على الانتماء للعصر الراهن، وتتمثل علامات عصرية القصيدة عنده فيما يأتى:
أ- حضور عبارات ذات معنى عصرى فى الشائع من مثل : “ارفع رأسك ” صحيح أن هذه العبارة وردت فى حديث للبخارى ( رقم 7510) عن الشفاعة الذى جاء فيه: ” يا محمد ! ارفع رأسك، وقل يسمع لك”، ولكن الشائع هو شيوعها من مواريث الحقبة الاشتراكية المعاصرة.
بـ – حضور توظيف العتبات النصية من مثل: عنوان الديوان / وعناوين القصائد / وإهداء الديوان/ والتاريخ لعدد من القصائد .
***
لقد استطاع أحمد نصر بشاعرية حقيقية أن يمد يدا نحو أرض الرحمة فى صحراء القسوة.

“نشر الشاعر أحمد نصر على صفحته هذا الفصل من الدراسة واتبعها بهذه الكلمات
رحم الله العالم الجليل الأستاذ الدكتور خالد فهمى وجزاه عنى وعن علمه وطلابه خير الجزاء. لقد استقطع من (عمره المبارك) زمن القراءة والمجىء لمناقشتي، يوم ٢٠٢٦/٤/٣/٢٨ بقصر ثقافة العمال بشبرا الخيمة، وكذا زمن هذه الدراسة المعمقة لجوانب من قصائد ديوانى الظل والنور وقد أرسل إلى بها تكرمًا منه وفضلاً. أدعو الله أن ينفعه بعلمه الذى أبقى وأن يرفع درجته فى جنان الخلد فى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.”




