متابعة: خالد سليمان – طريق الحرير اليوم ـ تونس
ـ رحلة في الماضي من عالم الترف والجمال القريب من الكمال إلى عالم الملاحم والأساطير، من رحلة الأندلسيين حيث فردوس الحضارة العربية الإسلامية المفقود، ليلوذوا بتونس بعد ما سمي لدى الأوروبيين بـ”حروب الاسترداد”، إلى عالم الملاحم والأساطير في عصر الرومان ونوميديا، قررتها وزارة الشؤون الثقافية التونسية للاحتفال بشهر التراث.
بدأت الرحلة من المدينة الأندلسية الجميلة “تستور” التي تسترها الجبال، والتي كانت محطا لرحال عدد معتبر من الأندلسيين الفارين من جحيم ما سمي بـ”حروب الاسترداد” واضطهاد القشتاليين لهم، لتتوغل بنا إلى حيث اقتحمنا عالم الملاحم والأساطير، حيث عاش الرومان والنوميديون وتجاوروا، أو بالأحرى تعاقبوا حضاريا، في “شمتو” حيث مقاطع الرخام والجبال المهيبة.
وأنت في الطريق إلى “شمتو” تمر بالمنطقة الأثرية “بيلا ريجيا” لتشاهد ما تبقى من منازل ودروب وحمامات وحوانيت. وباختصار يمكن القول إن آثار “بيلا ريجيا” تعبر عن الحياة اليومية خلال تلك العصور القديمة، لكن رؤية زائر المنطقة قد تتبدل مع ذلك الطريق الصاعد إلى المرتفع الشاهق المطل على الوهاد والوديان السحيقة، والذي تحفه جبال الرخام، بحيث تشعرك بالرهبة أمام مشهد مقاطع الرخام القديمة التي استحال لونها مع اقتراب وقت الغروب إلى اللون الأحمر القاني، وكأنها تروي لك تاريخا ملحميا للعمل الشاق بالغ الخطورة لعمال مقاطع الرخام آنذاك، وكأن هذا اللون الأحمر القاني هو آثار دماء أولئك العمال الذين تحملوا مشقة هذا العمل المضني والخطر لكي يمنحوا بلادهم، بل والإمبراطورية الرومانية كلها، جمالا نادرا بفضل رخام شمتو النوميدي الفاخر والنادر، والمميز بتدرجات ألوانه من الأصفر الداكن والذهبي مرورا بالوردي وصولا إلى البني والأحمر الأرجواني.
كان هذا النوع من الرخام في العصور القديمة دليلا على الثراء الفاحش، ولا يستطيع الحصول عليه إلا الأباطرة والملوك والأمراء والوجهاء وكبار الأثرياء.
ويمكنك مشاهدة هذا الرخام في تونس في معالم “شمتو” الأثرية، وحمامات أنطونيوس في قرطاج، كما عبر هذا الرخام إلى الساحل الآخر من المتوسط، إلى حاضرة الإمبراطورية “روما”، ليزين “البانثيون” و”ساحة تراجان” و”الكوليزيوم” و”البالاتين”.
ومن الماضي البعيد والحياة اليومية في “بيلا ريجيا” إلى الحياة الملحمية في “شمتو”، واللتين تقعان في أقصى الشمال الغربي التونسي بولاية “جندوبة”، نعود إلى شهر التراث الذي بدأ من “رحلة الأندلسيين” حتى وصلنا إلى محطة ختامه في “شمتو” النوميدية الرومانية.
ـ احتضنت ساحة متحف “شمتو” جمهورا غفيرا ملأ المسرح المكشوف الذي أعد لاحتفالية اختتام شهر التراث في وقت مبكر جدا سبق الحفل الساهر، فيما استقبل الفضاء الذي أعدته “وكالة إحياء التراث” ممثلي الميديا الدولية والمحلية بكل روافدها.
ومع وصول السيدة أمينة الصرارفي، وزيرة الشؤون الثقافية، والوفد المرافق لها، صحبة والي “جندوبة” السيد الطيب الدريدي ومسؤولي الولاية، تفقد الجميع أقسام المتحف بدءا من استعراض الأزياء التونسية التراثية من مختلف الأزمنة والجهات، ثم استعراض القطع الأثرية من محتويات المتحف في العصرين النوميدي والروماني، وكان ضمنها الآلات المستخدمة في مقاطع الرخام في تلك العصور، وآلات الرفع وغيرها، لننتقل إلى لوحة فسيفسائية نادرة وبديعة، مع الاستماع إلى الشرح عبر عرض مرئي لفنون العمارة خلال تلك العصور، تلاه عرض مرئي حول المعبد النوميدي.
ولم ينس منظمو الاحتفالية خلال الاستراحة التي سبقت الحفل الساهر تقديم بعض الأطعمة التراثية التقليدية التي تعبر عن ثقافة الطعام التونسي في الجهات المختلفة، مثل الكسرة والرشتة والكسكسي وعسل النحل وأنواع الأجبان المختلفة وغيرها.
ـ بانتهاء كلمات وزيرة الشؤون الثقافية السيدة أمينة الصرارفي، ووالي جندوبة السيد الطيب الدريدي، كنا على موعد مع محاضرة أثرية قصيرة لكنها وافية، قدمها أحد المختصين في هذا المجال، استعرض فيها تاريخ المنطقة عبر العهدين النوميدي والروماني.

لتختتم السهرة مع الفنان الشعبي التونسي نور شيبة الذي قدم فاصلا ثريا من الأغاني التراثية التونسية التي تعبر عن مختلف الجهات التونسية، إلى جانب بعض أغانيه الخاصة، وامتدت السهرة مع أنغام التراث التي كان يرقبها هلال شهر ذي الحجة من عل حتى تنفست ساعات الصباح الأولى، ليغادر الجميع الفضاء المهيب لـ”شمتو” على أمل اللقاء بشهر جديد يحتفي بالتراث التونسي العريق.




