يشكّل العدد (19) لشهر مايو 2026 من مجلة “سلاف الثقافية” – التي تصدر في العاصمة اليمنية صنعاء – إصدارًا ثريًا ومتعدد الروافد، يجمع بين الاستطلاع المصور، والأدب بروافده من الشعر والقصة والدراسات الأدبية والنقد والترجمة والحوارات الفكرية، في إطار رؤية ثقافية تسعى إلى تقديم مادة متنوعة تخاطب القارئ العربي المهتم بالإبداع والمعرفة.
تصدّر العدد تعريف بالمجلة بوصفها “مجلة شهرية ثقافية فنية متنوعة”، ويشارك في إدارته وتحريره نخبة من الأدباء والمثقفين، فيما يتوزع المحتوى على أبواب ثابتة تغطي مجالات الشعر والسرد والفكر والفنون.
نصوص إبداعية وأبواب ثابتة متنوعة
تحضر النصوص الابداعية بوصفها مكوّنا بارزا في المجلة، إذ يشارك فيه عدد من المبدعين من تجارب وأجيال مختلفة. ومن خلال فهرس المحتويات نطالع نصوصًا تكشف عن رغبة هيئة التحرير في تقديم مشهد متعدد الأصوات والأساليب، يجمع بين التجارب الراسخة والأصوات الجديدة.
أبواب ثابتة متنوعة
يتضمن العدد مجموعة من الأبواب الثابتة التي تمنح المجلة طابعها الدوري المنتظم، ومن أبرزها: بوصلة لرئيس التحرير الأديب بلال قايد، وزاوية مشوشة، وبواكير، ومفاتيحي إلى عوالمهم، ، وثقافة صحية، وبروفايل، وتأملات، والموروث الشعبي، وشوية شغف، وواحة الأطفال، ولقطة ضوء، وسلاف القول
وتشير هذه الأبواب إلى اهتمام المجلة بالتنوع الموضوعي؛ فهي لا تكتفي بالنصوص الأدبية، بل تفسح المجال للتراث الشعبي والطفل والقراءات التأملية والملفات الشخصية والموضوعات الثقافية العامة.
وفي استطلاعه لهذا الشهر يسافر د. أشرف أبو اليزيد بقراء (سلاف) شاهدا على أيام جمعية شعوب العالم في ربوع الجمهورية التونسية:
“ لم يكن نشاط وفد جمعية شعوب العالم كله منخرطا في الحاضر وحسب، أو التخطيط للمستقبل فقط، بل كان، بالمثل، استدعاء للماضي، وهو ما جاءت تفاصيه في الانتقال إلى مدينة (منزل بورقيبة)، في بنزرت الهادئة الخلابة الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
كانت بنزرت المحطة الأخيرة للأسطول الروسي الذي غادر سيفاستوبول وفيودوسيا وكيرتش في خريف عام 1920. خرج أسطول البحر الأسود من شبه جزيرة القرم في نهاية الحرب الأهلية. بالنسبة للبحارة وعائلاتهم، أصبحت بنزرت وطنًا ثانيًا لهم؛ فقد احتضنت المدينة الميناء آلاف الذين فقدوا الاتصال بذويهم، ولم يكن بإمكانهم حتى أن يأملوا في رؤية وطنهم مجددًا. واجه كل منهم تحديات صعبة للتكيف مع عالم مختلف، ومناخ جديد، ووضع اجتماعي مغاير، لكنهم رغم تلك الظروف تمكنوا من الحفاظ على قيمهم الثقافية وتقاليدهم. عاشوا، وعملوا، وربّوا أبناءهم، وكتبوا الشعر، ورحلوا تاركين أثرهم.
يتناول الفيلم الوثائقي “أناستاسيا من بنزرت” للمخرج التونسي محمود بن محمود، صورة إنسانية وتاريخية لواحدة من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بتاريخ الجالية الروسية في تونس. ويصف برتران ديلانويه، أحد تلامذتها السابقين، أناستاسيا شيرينسكي بأنها شخصية استثنائية و”عبقرية الحياة”، ويؤكد أن مسيرتها كانت أشبه برواية إنسانية غنية بالتاريخ والثقافة والفضول والإبداع، ولكن قبل كل شيء بالحب الذي منحته لعائلتها وأصدقائها وتلامذتها ولتونس التي اختارت أن تعيش فيها.
الفيلم يروي سيرة أناستاسيا مانشتاين- شيرينسكي التي ارتبط مصيرها بمصير الجالية الروسية المنفية في تونس وفرنسا. وُلدت أناستاسيا سنة 1912 في ضيعة عائلية كبيرة في روسيا، حيث قضت طفولتها الأولى. وكان والدها ألكسندر مانشتاين ضابطًا في البحرية الروسية وقائدًا للمدمرة «جاركي»، التي كانت ضمن الأسطول الروسي الذي وصل لاحقًا إلى بنزرت.
كانت أناستاسيا شاهدة على إجلاء الروس من شبه جزيرة القرم عام 1920 خلال الحرب الأهلية الروسية، وهي واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في التاريخ الروسي الحديث. وفي الثاني والعشرين من ديسمبر 1920 وصلت إلى الميناء التونسي، حيث عاشت سنواتها الأولى على متن مدمرة والدها، ثم على متن البارجة “سان جورج” الراسية في خليج بنزرت.
بعد إتمام دراستها، أصبحت معلمة لمادة الرياضيات، وكان من بين تلامذتها برتران ديلانويه الذي أصبح لاحقًا عمدة باريس. وقد تحدث عنها بحب بالغ، مؤكدًا أنها لم تكن مجرد معلمة، بل شخصية إنسانية نادرة تجمع بين الثقافة والخيال والدفء الإنساني.
كرّست أناستاسيا جزءًا كبيرًا من حياتها للحفاظ على ذاكرة الروس في تونس، فعملت متطوعة في رعاية الكنيسة الأرثوذكسية ألكسندر نيفسكي، وكنيسة القيامة، إضافة إلى قبور البحارة الروس في بنزرت وتونس ومنزل بورقيبة. وبفضل هذا الدور أصبحت الذاكرة الحية لفصل طويل ظل مجهولًا من التاريخ المشترك بين روسيا وتونس.
في عام 2000 أصدرت أنستاسيا كتابًا يروي سيرتها الذاتية بعنوان “المحطة الأخيرة.. قرن من حياة روسية منفاة في بنزرت”، خصصته لذكرى الروس الذين عاشوا على الأرض التونسية. كُتب الكتاب باللغة الفرنسية ونُشر في تونس، ثم أعيد طبعه عدة مرات. كما كتبت بالروسية كتابًا آخر عن ذكرياتها، حاز جائزة ألكسندر نيفسكي الأدبية الروسية، وتسلمته من السفير الروسي في تونس.
في سنواتها الأخيرة أصبحت محطة لا غنى عنها للسياح الروس الذين يزورون تونس. فبعد زيارتهم لقرطاج ومتحف باردو والمدينة العتيقة، كانوا يتوجهون إلى منزلها في بنزرت. ويقول المخرج محمود بن محمود إن بيتها أصبح أشبه بمكان للحج الثقافي، وكان البحارة الروس الذين ترسو سفنهم في بنزرت يحرصون على زيارتها، كما كانت تتلقى رسائل من أفراد الجالية الروسية المنتشرين في أنحاء العالم.
ويؤكد محمود بن محمود، مخرج الفيلم الوثائقي “أناستاسيا من بنزرت” الذي أُنجز سنة 1996، أن أناستاسيا كانت تحمل في ذاكرتها تاريخ روسيا القيصرية وتاريخ تونس طوال معظم القرن العشرين. ومع مرور الزمن أصبحت شخصيتها مرتبطة ارتباطًا لا ينفصل بمدينة بنزرت نفسها.
وقد عبّر منصف بن غربية، رئيس بلدية بنزرت، عن هذا الارتباط بقوله للمخرج الروسي نيكولاي سولوغوبوفسكي، الذي أنجز فيلمًا جديدًا عنها سنة 2007: “بين السيدة شيرينسكي وبنزرت حب مستمر منذ ما يقارب قرنًا كاملًا”.
سرنا لنضع الورود على شاهد مقبرة أناستاسيا شيرينسكي وهي التي دفنت في المقبرة المسيحية بمدينة بنزرت إلى جوار قبر والدها، لتبقى سيرتها جزءًا حيًا من ذاكرة المدينة وتاريخها الإنساني.
زرنا أيضا المقبرة العسكرية الصربية في منزل بورقيبة، واستدعت الزيارة ذكرى موقع تاريخي مهم يجمع بين الذاكرة والمنفى والتضحية، حيث يرقد مئات الجنود الصرب الذين توفوا خلال الحرب العالمية الأولى بعيدًا عن أوطانهم. وتحوّل المكان إلى فضاء للتأمل الإنساني، يجسّد معنى التضامن بين الشعوب. كما أعادت الزيارة إبراز قيمة هذا الموقع الذي يحفظ ذاكرة مشتركة بين تونس وصربيا وفرنسا، ويؤكد أن التاريخ الإنساني يُكتب أيضًا في أماكن الصمت والوفاء والذكرى.
قبل أن نودع بنزرت نزور بيت أناستاسيا الذي أصبح وثيقة متحفية، نتجول بين طابقيه اللذين يحتفظان بأنفاسها بين أروقته وأوراقه وصوره ومقتنياته التي تحيي ذاكرة لجوء الجيش الأبيض الروسي إلى بنزرت التونسية قبل أكثر من قرن، تستقبلنا السيدة بوجدانوفا لتطوف بابتسامتها صفحات تاريخه، وترضى بصورة جماعية وهي التي تقول لنا أن صور المتحف، ولوحاته، تكفي. كانت عدسة المصورة الفنانة كاتيا تتابع خطواتنا وتوثقها بالفوتوغرافيا والفيديو معا. ”
وهكذا يقدم العدد الجديد من مجلة سلاف الثقافية نموذجًا لمجلة عربية تسعى إلى بناء جسر بين الإبداع والمعرفة، وبين الشعر والدراسة، وبين التراث والتقنية. وتؤكد موضوعاته المتنوعة، إلى جانب المشاركة الواسعة للشعراء والكتاب والأكاديميين، حرص هيئة التحرير على تقديم محتوى ثقافي متوازن يثري القارئ ويواكب الأسئلة الفكرية والجمالية الراهنة. ومن ثمّ يمكن النظر إلى هذا العدد بوصفه مساحة حوار مفتوحة بين الأصوات الأدبية المختلفة والاتجاهات الثقافية المتعددة في المشهد العربي المعاصر.





