قصة قصيرة بقلم: عليق ناغي أوغلو (أذربيجان)

عليق ناغي أوغلو (عليق محمدوف ناغي أوغلو) كاتب وصحفي ومترجم ومحرر، وُلد في 12 سبتمبر 1957 في قرية بيرينجي يدي أويماق التابعة لمنطقة ماساللي في أذربيجان.
تخرج عام 1980 من معهد كراسنودار البوليتكنيكي، كما أكمل دورة مهنية في فنون الصحافة استمرت عامين. عمل لسنوات طويلة في عدد من المؤسسات الصناعية في أذربيجان، متقلدًا مناصب مختلفة.
ينشر أعماله في الصحافة الدورية منذ عام 1981، وقد صدر له عشرة كتب في مجال السرد الأدبي، كما شارك في تحرير عدد كبير من الكتب وكتب مقدماتها وأشرف على إعدادها.
نُشرت أعمال عليق ناغي أوغلو في مختارات أدبية صدرت في روسيا وتركيا وأوكرانيا وإيران وجمهورية التشيك وإيطاليا والأرجنتين وغيرها من الدول، كما ظهرت أعماله في العديد من المواقع الأدبية المرموقة على الإنترنت، وفي المجلات والصحف الأدبية والفنية والألمنكات والبوابات الثقافية العاملة في أذربيجان.
ويُعد كذلك من المشاركين والفائزين في العديد من المسابقات الأدبية المعروفة. ففي الموسمين الثاني والثالث من جائزة الكتاب الوطنية الأذربيجانية (2012–2013)، تم اختياره ضمن القائمة الطويلة التي ضمت أفضل عشرين كاتبًا من بين 241 مشاركًا. كما تميز باستمرار في مسابقات القصة القصيرة “الحرية الأدبية”، وأُدرجت قصصه في الكتب التي صدرت بناءً على نتائج تلك المسابقات.
وفي البوابة الأدبية الشهيرة Proza.ru ذات الملايين من المتابعين، نال لقب “كاتب العام” لعامين متتاليين، 2014 و2015. وخلال الأعوام 2021–2023، كان أحد الفائزين في النسختين الثالثة والرابعة من المسابقة الدولية للقصة القصيرة باسم مير جلال التي أُقيمت في أذربيجان، حيث حصل على جائزة مالية وشهادة تكريم.
وهو عضو في اتحاد كتاب أذربيجان منذ عام 1998، وعضو في اتحاد كتاب روسيا منذ عام 2016. كما شارك مندوبًا في المؤتمرين الثاني عشر (يونيو 2014) والثالث عشر (أكتوبر 2022) لاتحاد كتاب أذربيجان، وهو أيضًا من الحاصلين على منحة رئيس الجمهورية منذ عام 2015.

الخطيئة
كان الرجل جالسًا على الرصيف، بينما كان ابنه واقفًا إلى جانبه. كانت الشمس قد ارتفعت بمقدار طول شجرتي دلب، وكان الجو خانقًا. وعلى مسافة قصيرة كانت طفلتان تلعبان معًا في ودٍّ وانسجام.
قال الرجل بعتب واضح:
- كنت أقول إننا اليوم سنأخذ ابن ياور أيضًا ونذهب إلى المقبرة. نقرأ سورة يس، وننزع الأعشاب التي نبتت فوق القبر ثم نعود. لم تأتِ حتى في ذكرى وفاتها السنوية. كان روحها ستسعد بذلك… وبعد أن أوصيتَ بصنع شاهدة القبر، وضعها الحرفي بسرعة. حتى الطقس كان مناسبًا، وكأن ذلك ببركة وجه الراحلة…
أجاب الابن:
- أنت تعرف… عندما أذهب إلى هناك تضطرب أحلامي. لقد ذهبت مرتين العام الماضي، وصدقني أنني بقيت مدة طويلة في المدينة حتى استعدت توازني. أشعر وكأن رهبة الموتى تطبق عليّ… والآن أصبحت مسؤولياتي أكبر، ويجب أن أكون أكثر انتباهًا في عملي.
ثم عدّل ربطة عنقه بيده، ومرر يده الأخرى على شعره الممشط بعناية وربّت على حاجبيه.
- لقد حصلت على إجازة ليومين فقط. وغدًا يجب أن أعود إلى العمل. سأحاول أن أقضي إجازتي السنوية هذا العام في القرية.
لم يكن الرجل قد تحدث مع ابنه يومًا بصراحة كاملة. وربما لن يجرؤ بعد اليوم أيضًا على مصارحة ابنه صاحب المنصب الرفيع والاسم المعروف. فعندما كان الابن يزور القرية على فترات متباعدة، كان يتحدث دائمًا عن عمله وصعوباته ويشكو من ضيق الوقت.
تذكر الرجل كيف تأخر ابنه يومًا كاملًا عندما توفيت أخته المتزوجة فجأة في العام الماضي. وحين دخل البيت وسمع نحيب أمه المكلومة، وقف صامتًا. لم تسقط من عينيه دمعة واحدة. وبعد ذلك كان يشعر بالحرج كلما أثار المقربون هذه المسألة.
كان الرجل يعبث بيديه المتشققتين بخيوط سرواله القديم المتدلية.
- افعل ما تراه مناسبًا.
ثم أشار بيده نحو الطفلتين:
- إذا لم تُظهر لهما الحنان فسيحسبه الله عليك ذنبًا. إنهما ليستا غريبتين، إنهما ابنتا أختك. صحيح أنك تساعدهما وتنفق عليهما، لكنهما لا تعرفانك بعد على أنك خالهما. ما يرسخ في ذاكرة الطفل وهو صغير يبقى معه عندما يكبر. ونحن أيضًا لن نبقى في هذه الدنيا إلى الأبد، ومن يدري ماذا سيحدث غدًا…
قال الابن:
- أفهمك يا أبي. لقد كنت دائمًا تلومني على برودي وانطوائي.
- لا تأخذ كلامي على قلبك يا بني. الخير والشر يرافقان الإنسان طوال حياته، وهكذا كُتب لنا. لكن مخاطبة الأطفال بلغتهم ليست بالأمر الصعب. والله لقد كنت في حاجة إلى كلمة طيبة وإلى شيء من الحنان أكثر مما تتصور…
ثم أضاف وهو يحدق فيه بعينيه الضيقتين:
- لا أفهم لماذا تهرب منهما؟
حافظ الابن على هدوئه وقال:
- إذا أردت الحقيقة، فسأقولها لك: أنا لا أحب البنات، بل ربما أخاف منهن في مكان ما داخل نفسي. أريد أن أمسح على رؤوسهن، وأن أقبلهن، وأن أحملهن بين ذراعي، لكنني لا أستطيع.
ارتفع صوته هذه المرة، فرفعت الطفلتان رؤوسهما ونظرتا بقلق إلى خالهما الوسيم الذي كانتا تناديانه باسمه.
- أنا هكذا، ولا أستطيع أن أغير نفسي. ولا أرى في ذلك شيئًا غير طبيعي. مشكلتي أنني أحتفظ بكل شيء بداخلي، ولا أظهره للناس. حاول أن تفهمني. قد لا يكون هذا مدعاة للإعجاب، لكنه الواقع.
أخرج الابن منديلًا ومسح عرق وجهه وجبهته.
أما الرجل فقد كانت عيناه معلقتين بحذائه القديم. كان طنين رأسه يزداد، وشعر بفراغ غريب يلف قلبه.
قال بصوت مبحوح:
- ما أقصده أنك قد تبتعد أكثر فأكثر في المستقبل. فكر في الأمر. ستأتي يومًا فتجد أن كثيرين منا قد رحلوا. أولئك الذين تعرفهم وتعتبرهم من أهلك وأحبابك إما لن يكونوا موجودين أو سيصبح عددهم قليلًا. وعندما لا تجد من تشاركه همومك سيصبح الأمر ثقيلًا عليك. يجب أن يألف الإنسان الناس، الصغير منهم والكبير…
قاطعه الابن:
- كلامك غريب. هناك ثلاثمائة وخمسون شخصًا يعملون تحت إمرتي، ولكل واحد منهم طباعه ورؤيته للحياة.
كان يتحدث بثقة وفخر. وخُيل للأب أن هذه الحدة في شخصيته لم تظهر إلا بعد ترقيته الأخيرة.
أشعل الرجل سيجارة وسحب دخانها المر إلى رئتيه بشراهة.
قال الابن:
- لقد أقلعت عن هذه السموم بشكل جيد.
- لم يُكتب لنا أن نتركها يا بني.
وقف وسعل مرتين، ثم ألقى السيجارة تحت قدمه وسحقها بحذائه.
وأضاف:
- كنت قد أقلعت عنها قبل وفاة أختك بثلاثة أشهر، لكنني كنت أشعر بأن شيئًا سيئًا سيحدث. وكأن قلبي كان يستشعر ذلك… وقد حدث بالفعل.
كان يتحدث بصعوبة.
- لا تظن أنني أتدخل فيما لا يعنيني، لكنها كانت تحبك كثيرًا. قد تقول إن أباك يكثر الكلام، لكنني أتكلم لمصلحتك. لقد اعتدت في الفترة الأخيرة ألا تزورها ولا تذهب إليها. لم أكن أجبرك، ولا أعرف السبب. ربما لا تعلم، لكن أحوالهم المعيشية لم تكن سيئة، فقد كانت الراحلة امرأة نشيطة. كانت تعمل في الأرض باستمرار، ثم احتضنتها الأرض في النهاية وأخذتها إليها…
تنهد بعمق ثم تابع:
- وهناك أمر آخر أريد أن أستشيرك فيه. ربما ستقول إن أبي لا يكف عن الحديث المحزن. لكن الهم يختنق في صدري، وأشعر بالراحة عندما أتكلم. لا أعرف إن كنت قد لاحظت أم لا، لكن الابنة الكبرى تشبه أمها الراحلة كثيرًا. أفكر في أن آخذها لتعيش معنا. حتى والدها لا يعارض ذلك. وليس لدينا طفل صغير في البيت.
حاول الابن أن يتذكر أخته في طفولتها وأن يجد الشبه بينها وبين ابنتها الكبرى، لكنه لم يستطع.
بلل شفتيه الجافتين بلسانه وقال:
- أنا عاجز عن اتخاذ مثل هذه القرارات. لطالما حسدت قدرتك على الحسم. ومع ذلك، لا أظن أن رعاية طفلة في هذا العمر أمر سهل. هناك التربية والنفقة…
كان الرجل يدفع الحصى الصغيرة بطرف حذائه. ورغم أن ابنه كان يقف أمامه مباشرة، فإنه لم يستطع رفع رأسه والنظر إليه. لم يكن يشعر بالاشمئزاز منه بقدر ما كان يشعر بالأسى والحزن. وكأنه لو نظر إليه مباشرة لانكشفت هشاشته وضعفه.
كان يدرك في قرارة نفسه أنه لن يستطيع يومًا أن يؤنب ابنه أو يحاسبه أو يسأله بصراحة عن سبب هذه اللامبالاة والبرود. كما أن الابن لن يفهم أبدًا ما القوة التي كانت تمنع أباه من ذلك.
بدا أن الابن يستعد للمغادرة. كانت السيارة الجديدة المتوقفة في الظل وبابها الأمامي مفتوحًا.
استدار نحو أبيه للمرة الأخيرة وقال بصوت خافت:
- هل لديك أي وصية أو طلب؟
وكأن الحياة دبت فجأة في الرجل. راح يتأمل قوام ابنه الوسيم لبعض الوقت، لكنه لم يقل شيئًا.
نظر الابن إلى تفاحة آدم في عنق أبيه وهي ترتفع وتنخفض، وتأمل ملامحه، فتذكر فجأة طفولته؛ تذكر كيف كان يقف أمام أبيه عندما يرتكب خطأ، تمامًا كما كان أبوه يقف الآن أمامه.
لكن الذكرى لم تدم سوى لحظات قليلة.
فلم يكن لديه الآن وقت ليستغرق في الذكريات.
ولأن الذكريات ربما كانت ستقوده إلى الاعتراف بأنه هو أيضًا صاحب خطيئة.
…
ركضت الطفلتان خلف السيارة اللامعة تحت أشعة الشمس، ثم توقفتا ولوحتا بأيديهما حتى اختفت عن الأنظار.






