من الوثيقة إلى الدلالة: قراءة في إبستمولوجيا الكتابة التاريخية عند أحمد التوفيق

 

د. حمزة مولخنيف

يجمع كتابفي تاريخ المغربلأحمد التوفيق خمسين بحثاً كتبها صاحبها على امتداد أربعين سنة من العمل الأكاديمي وهو جمعٌ لا يُقرأ بوصفه أرشيفاً لمقالات متناثرة بل بوصفه محاولة لإعادة النظر في السؤال الأول الذي يواجه كل مؤرخ يشتغل على المغرب: من أين نبدأ وبأي أدوات نبني معرفتنا بماضٍ لا يمنح نفسه لنا إلا محجوباً خلف وثائقه وصمته وتحيزات من كتبوه؟ وحين نقرأ هذا الكتاب من موقع يجمع بين هَمّ الفيلسوف بشروط المعرفة وهَمّ المؤرخ بالوقائع، يتضح أن ما يشغل صاحبه ليس تجميع الحقائق بقدر ما يشغله السؤال عن كيفية إنتاج هذه الحقائق أصلاً: أي وثيقة تُعتمد ولماذا هذه لا تلك وبأي معايير نميز بين ما وقع فعلاً وما هو إعادة بناء لاحقة له. صاحب الكتاب ليس قادماً جديداً إلى هذا السؤال؛ فأطروحته الأولى عن المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر شكلت منذ صدورها نقطة تحول في الدراسات التاريخية المغربية، وظل منذ ذلك الحين محققاً للتراث المكتوب ومستنطقاً لوثائقه بصبر من يعرف أن التاريخ لا يُعطى بل يُنتزع انتزاعاً من مادة صامتة.

وما يميز هذا الكتاب أنه لا يقدم نفسه بوصفه سرداً للأحداث بل بوصفه تأملاً في شروط إمكان الكتابة التاريخية ذاتها؛ فهو في جوهره مشروع لمساءلة الهوية المغربية في أبعادها الدينية والثقافية والاجتماعية وفي امتدادها خارج حدود المغرب السياسية، نحو السودان الغربي والأندلس والمشرق في شبكة من التبادلات لا تسمح بعزل هذا البلد عن محيطه كما دأبت على ذلك كتابات وطنية سابقة أرادت أن تجعل من المغرب كياناً منغلقاً على ذاته مكتفياً بسرد بطولاته الداخلية دون أن يعترف بأنه نسج تاريخه في تفاعل دائم مع من حوله. هذا الخيار ليس مجرد توسيع جغرافي للموضوع بل هو موقف من طبيعة الهوية نفسها، فالهوية كما تتبدى من ثنايا الكتاب ليست جوهراً ثابتاً ننقب عنه في الماضي بل نتاج علاقات متبادلة تتشكل وتعاد صياغتها على الدوام.

وحين نتناول هذا العمل من موقع يستعير من الفلسفة أدواتها في مساءلة المعرفة قبل أن يقبل مضمونها فإن السؤال الأول الذي يفرض نفسه ليسماذا يقول التوفيق عن تاريخ المغرب؟بلكيف يعرف التوفيق ما يقوله وما الذي يسمح له وما الذي يمنعه؟“. وهذا الفارق بين مستوى القول ومستوى شروط القول هو بالضبط ما يجعل قراءة هذا الكتاب مختلفة عن قراءة كتاب سردي عادي؛ فالمرء لا يقرأه بحثاً عن معلومة يضيفها إلى رصيده وإنما بحثاً عن الطريقة التي تُبنى بها المعلومة أصلاً، وهي طريقة تكشف أكثر مما تخفي عن موقف التوفيق الضمني من سؤال أعمق، هل التاريخ اكتشاف أم بناء؟ وجوابه كما يتبدى من مجمل أبحاثه يميل بوضوح إلى الشق الثاني دون أن يسقط في نسبية متطرفة تسوّي بين كل الروايات بحجة أنها جميعاً بناءات؛ فبين موقف من يظن أن الوثيقة مرآة شفافة تعكس الماضي كما كان وموقف من يرى أن كل رواية تعادل غيرها لأن الجميع محكوم بمنظوره الخاص، يقف التوفيق في منزلة وسطى صعبة لكنها الأكثر إنصافاً، الوثيقة ليست مرآة لكنها ليست كذباً أيضاً؛ إنها أثر يحتاج إلى قراءة صبورة تميز بين ما تقوله وما تخفيه دون أن تدّعي بلوغ يقين نهائي بشأنه.

يتوزع الكتاب على أربعة محاور، إشكالية تحقيق تاريخ المغرب ومصادره ثم مسارا يذهب من الطوبونيميا إلى التاريخ، فآخر يذهب من البيوغرافيا إلى التاريخ وأخيراً محور يتناول الإسلام والتصوف والرباطات. وقد يخيّل للقارئ وهو يتنقل بين هذه المحاور أنه أمام أربعة كتب لا كتاب واحد، لكن هذا الانطباع الأول سرعان ما يتبدد؛ فما يجمع هذه الأبحاث ليس موضوعها بل السؤال الذي تطرحه جميعاً وهو سؤال عن طبيعة الوثيقة وحدودها وعن الطريقة التي يمكن بها لمؤرخ أن يستخرج من مادة صامتة ما لم يقله كاتبوها صراحة. إن التوفيق يكتب أقرب ما يكون إلى تقليد فلسفي في التاريخ منه إلى التأريخ الوصفي المحض، تقليد يذكّر ولو من بعيد بمن جعلوا من الأثر والنص مادة للتأويل لا مجرد سند للسرد.

ولا يمكن تقدير قيمة هذا الاختيار المنهجي بمعزل عن الأزمة العامة التي عرفتها الكتابة التاريخية في العالم العربي طوال القرن العشرين، وهي أزمة تتلخص في تبعية طويلة للنموذج القومي الذي جعل من التاريخ خادماً للدولة الناشئة حديثاً، فاختزل الماضي في سلسلة من الانتصارات والمقاومات تخدم شرعية الحاضر وأهمل كل ما لا يصلح مادة لهذا السرد، التحولات الاقتصادية البطيئة وتاريخ الأفكار والمفاهيم وتاريخ من لا صوت لهم في السجلات الرسمية. حين نضع التوفيق في مواجهة هذا الإرث يتضح أن اختياره الانفتاح على السودان الغربي وعلى تاريخ الأفكار وعلى الأنثروبولوجيا التاريخية ليس زخرفة منهجية بل هو مغادرة واعية لهذا القالب القومي الضيق ومحاولة لإعادة الاعتبار لتاريخ لا يُختزل في علاقة المغرب بمن حاربهم أو قاومهم بل يمتد إلى علاقته بمن تاجر معهم وتصوف بجوارهم وتزاوج معهم لغوياً وثقافياً عبر قرون.

المحور الأول من الكتاب يبدأ من حيث يجب أن يبدأ كل مؤرخ جاد، أي من مساءلة التقسيمات الزمنية التي تنظّم خطابه قبل أن يكتب سطراً واحداً. يذكّرنا التوفيق بأن المؤرخين المغاربة المعاصرين اضطروا للتخلي عن تقسيم القرن التاسع عشر إلى عهود سلاطين، وأن بعضهم،كعبد الله العروي وجرمان عياش ومحمد الهادي الشريف، اقترح تواريخ مختلفة لبدايةالمغرب الحديث“. وهنا يكمن أحد أهم أوجه جرأة الكتاب، فالمؤلف لا يكتفي بعرض هذه الاقتراحات ونقدها من موقع المتفرج بل يضع اقتراحه الخاص في مواجهتها مبيناً أن كل حد زمني من هذا النوع هو اصطلاح يستند إلى ثلاثة عناصر متداخلة: عنصر أثري هو الوثيقة ذاتها وعنصر تفسيري هو تقدير المؤرخ لأهمية واقعة بعينها وعنصر إجرائي بيداغوجي تفرضه ضرورة حصر البحث. هذا التفكيك الثلاثي ليس تمريناً منهجياً مجرداً؛ إنه اعتراف بأن التاريخ ليس معطى جاهزاً ننتظر اكتشافه بل بناء يخضع لمنطق من يكتبه بقدر ما يخضع لمنطق ما وقع فعلاً. ولعل القيمة الفلسفية لهذا التفكيك أنه يهدم الوهم الوضعي الذي طالما تصور المؤرخ ناقلاً محايداً للحقائق ليضعه في موقع الفاعل الذي يقرر بموجب معايير قابلة للنقاش أين تبدأ حكايته وأين تنتهي.

هذا الوعي بحدود الفعل التاريخي يتجسد بشكل ملموس في دراسته لتجارة المغرب في القرن التاسع عشر، حيث يطرح سؤالاً محورياً هل كانت هناك برجوازية جنينية أجهضها نظام الحماية؟ الإجابة التي يقترحها التوفيق تتجنب فخين معاً: فخ إسقاط مفهوم أوروبي جاهز، صِيغ أصلاً لوصف تحول رأسمالي أوروبي بعينه، على واقع لا يشبهه بالضرورة وفخ نفي وجود أي دينامية اقتصادية ذاتية في المغرب قبل الاستعمار. فبعد أن يحدد هوية هذه الفئة التجارية ونشاطها وعلاقتها بالمخزن، يخلص إلى أنها اندحرت بفعل التدخل الأجنبي والمنافسة الخارجية لا بفعل عجز داخلي أو ركود ذاتي. وفي هذه الخلاصة نقد ضمني لكنه فعّال، لذلك الخطاب الاستعماري الذي طالما صوّر المغرب ما قبل الحماية مجتمعاً راكداً بلا حراك اقتصادي، خطاب استُعمل تاريخياً لتبريرالمهمة الحضاريةللاستعمار ذاته. وما يميز موقف التوفيق أنه لا يرد على هذا الخطاب بخطاب مضاد يعيد إنتاج المنطق نفسه معكوساً أي بتمجيد سابق غير موثق، بل يبني رده على قراءة صبورة لوثائق تجارية دقيقة تسمح للواقع أن يتكلم بدل أن يُملى عليه ما ينبغي أن يقوله.

وحين ينتقل إلى دراسة البيعة الحفيظية الفاسية، يغادر التوفيق مجال التاريخ الاقتصادي إلى مجال أدق وأكثر حساسية، مجال الشرعية السياسية. فالبيعة في قراءته ليست مجرد وثيقة تُثبت مبايعة سلطان بل هي أرشيف لممارسة العلماء ووظيفتهم كوسطاء بين السلطة والمجتمع، يمنحون الشرعية المعنوية عبر إشهادات كتابية وإقرارات شفوية. وما يهم هنا ليس مضمون البيعة بقدر آلية إنتاجها؛ فهذه الوثيقة كما يبين المؤلف، تؤلف مع سابقاتها أغنى ملف متوفر عن ممارسة الإفتاء وتحمل شهادة على أن مبدأ الشورى كان حاضراً في الوعي السياسي المغربي قبل أن تُعاد صياغته بشكل أكثر وضوحاً في مطلع القرن العشرين. وهنا يتجاوز التوفيق النظرة الثنائية التي تصور العلاقة بين الدين والسياسة في المغرب صراعاً دائماً بين مؤسستين متنافستين، ليقترح بدلاً منها صورة تفاوض مستمر يُبنى عبر آليات رمزية ومؤسسية متعددة، وهي صورة أقرب إلى ما تقترحه أدبيات الشرعية السياسية حين تميز بين شرعية القوة وشرعية الإقناع؛ فالسلطان لا يحكم بالقوة وحدها بل يحتاج على الدوام إلى من يشهد له أمام الناس بأنه أهل لما بيده.

أما المحور الثاني، الذاهب من الطوبونيميا إلى التاريخ، فهو الذي يكشف أكثر من غيره عن أصالة التوفيق كباحث؛ إذ يحوّل ما يبدو للوهلة الأولى فضولاً لغوياً محضاً إلى أداة بحث تاريخي بكامل معناها. حين يبحث في أصل أسماء طنجة ومراكش وأسفي، عائداً إلى اللغة الأمازيغية للإمساك بدلالاتها الحقيقية، فإنه لا يفعل ذلك بحثاً عن طرافة معجمية بل لأن اسم المكان كما يفهمه طبقة رسوبية تختزن ذاكرة استقرار بشري وتحولات حضارية لا تُكتب في الوثائق المكتوبة. والتشبيه الذي يورده التوفيق نفسه حين يقارن عمله بعمل الجيولوجي الذي يفسر بنيات رسوبية تعرضت لحركات باطنية، تشبيه دقيق يلخص منهجه بأكمله، فالتاريخ عنده ليس سطحاً يُقرأ مباشرة بل طبقات متراكمة تحتاج إلى حفر صبور لبلوغ ما تخفيه. وثمة في هذا المنحى ما يذكّر بفكرةأماكن الذاكرةالتي شغلت مؤرخين معنيين بالعلاقة بين المكان والوعي الجمعي؛ فالاسم حين يصمد عبر القرون رغم تعاقب اللغات والسلطات التي حكمت المكان، يصبح شاهداً أكثر صدقاً من كثير من السرديات الرسمية التي كُتبت لتخدم غرضاً بعينه.

ولا يقف اهتمام المؤلف بالمفاهيم عند أسماء الأماكن؛ فدراسته لمفهومالطالبفي اللغة والاصطلاح المغربيين تمثل تطبيقاً لما يمكن تسميته تاريخ المفاهيم، على نحو يذكّر بما طوره المؤرخ الألماني راينهارت كوزيليك في سياق مختلف، حين بيّن أن الكلمات لا تصف الواقع من الخارج بل تشارك في صنعه وإعادة تشكيله. فتتبع تحولات دلالة كلمة واحدة عبر العصور يفتح نافذة على تحولات أعمق، مكانة طالب العلم في المجتمع وتطور المؤسسات التعليمية والعلاقة المتغيرة بين النخب الفكرية والمجتمع الشعبي. وهذا النوع من البحث الذي يبدو في ظاهره تمريناً معجمياً يخفي في باطنه سؤالاً عن كيفية تشكل الوعي الجمعي عبر الكلمات التي يستعملها الناس دون أن ينتبهوا إلى تحولاتها، وهو سؤال فلسفي بامتياز لأنه يمس العلاقة بين اللغة والفكر ذاتها لا فقط بين اللغة والتاريخ.

ويحسن بنا التوقف عند إسهام التوفيق بمعية المرحوم محمد حجي، فيمعلمة المغرب، وهو إسهام يمثل وحده ثلث صفحات الكتاب ويتراوح بين تعريفات مقتضبة بأعلام ومصطلحات كالأمناء والإيالة والدية والزربية، ودراسات موسعة عن مؤسسات وظواهر كبرى كالإقامة العامة والتعليم العالي وجامعة القرويين والخزانة العامة. هذا التنوع في مستويات الكتابة يشهد على مرونة نادرة لدى باحث واحد، إذ ينتقل بسهولة من التعريف المختصر الذي يخاطب القارئ العام إلى الدراسة المطولة التي تفترض قارئاً متخصصاً، ومن التأليف الفردي إلى المشاركة الجماعية في مشروع معرفي وطني واسع النفس. لكن هذا التنوع يطرح أيضاً مشكلة موضوعية بسيطة، فبعض هذه المواد خصوصاً المتعلقة بالتعليم العالي والجامعات، باتت اليوم متجاوزة زمنياً بحكم التطورات السريعة التي عرفها هذا القطاع خلال العقود الأخيرة. هذا ليس نقصاً في المنهج بل أثر طبيعي لطبيعة الكتاب الذي يجمع أبحاثاً أنجزت على مدى عقود؛ وهو تذكير بأن أي عمل تاريخي مهما بلغت دقته يبقى ابن لحظته وأن مراجعته مسألة وقت لا مسألة صحة أو خطأ. ولعل هذا بالضبط ما يفصل العمل الموسوعي الجاد عن الادعاء بامتلاك الحقيقة النهائية، فمن يكتب معلمة يعرف سلفاً أنه يكتب نسخة قابلة للتجاوز لا وصية أخيرة.

المحور الثالث، الذاهب من البيوغرافيا إلى التاريخ، هو الذي تتجلى فيه براعة التوفيق كمحقق نصوص وهي البراعة التي بنى عليها سمعته الأكاديمية طوال مسيرته. فهو لا يكتفي حين يحقق نصاً بتصحيح أخطائه المادية وضبط ألفاظه بل يذهب أبعد من ذلك إلى مساءلة شروط إنتاجه، من كتبه ولماذا وفي أي سياق اجتماعي وإيديولوجي كُتب. هذا المنحى الذي يقترب من الفهم التأويلي للنص أكثر مما يقترب من التحقيق الفيلولوجي الصرف، يذكّر بما ذهبت إليه بعض الفلسفات التأويلية الحديثة حين ميزت بين تفسير النص وفهمه، فالتفسير يكتفي بضبط اللفظ ومعناه المباشر، أما الفهم فيسعى إلى بلوغ أفق الكاتب نفسه، أي الشروط التي جعلت هذا النص بهذه الصيغة ممكناً في زمانه ومكانه. وهذا المنحى يتضح جلياً في دراساته مثلا لكتاب تاريخ السودان، أحد الكتب اللذين استثمرهما لفهم العلاقات بين المغرب وإفريقيا الغربية، وفي قراءته لكتابالمعسولللمختار السوسي وفي اشتغاله علىدعائم اليقين في زعامة المتقينللعزفي لدراسة كرامات الشيخ أبي يعزى. في كل هذه الحالات لا يبحث المؤلف فيما تقوله النصوص عن الأحداث فحسب بل فيما تقوله عن كاتبيها وعن الشبكة الثقافية التي أنتجتها محولاً بذلك تحقيق النص من عمل تقني ضيق إلى تحليل تاريخي بكامل معناه ومانحاً بذلك مجالاً معرفياً كان يُنظر إليه غالباً بوصفه خدمة فنية للتاريخ لا فرعاً من فروعه، أي مكانة أرفع بكثير.

ومن أجرأ ما يقترحه التوفيق في هذا المحور فرضيته حول دخول الإسلام إلى المغرب الأقصى حيث يعيد قراءة روايات مهمشة، وعلى رأسها رواية ابن عبد الحليم صاحبمفاخر البربر، ليخلص إلى الحديث عنانفتاحالمغرب على الإسلام بدلاً من التسليم بأطروحة الفتح أو الغزو العربي السائدة. ولا يصدر هذا الطرح عن موقف أيديولوجي مسبق بل عن قراءة متأنية لنصوص أُهملت لصالح رواية رسمية تكرست بفعل التراكم لا بفعل قوة أدلتها، وهو ما يذكّرنا بأن كثيراً مما نسميهحقائق تاريخية مسلّماً بهاليس في الغالب إلا رواية انتصرت على منافساتها لأسباب لا علاقة لها دائماً بصدقها. غير أن هذه الفرضية رغم جرأتها المحمودة، تحتاج في تقديري إلى مزيد من الإسناد؛ فالروايات المتاحة في هذا الباب عربيةً كانت أو أمازيغية، محدودة العدد وتعكس في الغالب وجهة نظر نخب حضرية متعلمة، وهو ما يجعل بناء رواية بديلة مكتملة عن الفتح الإسلامي أمراً لا يزال في طور الاجتهاد لا الحسم. ولعل ما ينقص هذا الطرح لا لضعف فيه بل لضيق المادة المتاحة له هو صوت الأمازيغ أنفسهم كما عاشوا تلك اللحظة لا كما رواها عنهم من كتب بلغة الفاتحين أو بلغة من تبنى روايتهم لاحقاً.

أما الذروة التي يبلغها منهج التوفيق التأويلي فتظهر في نص خرج فيه عن الإطار الكلاسيكي للكتابة التاريخية، وهو نصهعلى لسان المسجد الأعظم بسلا، حيث يمنح الصوت للمكان نفسه فيتحدث المسجد عن تاريخه وعلاقاته بالسلطة والمجتمع والحركات الصوفية في مزيج من التوثيق الدقيق والتخييل المحايث. هذا التجريب يستحق التقدير لأنه يوسع مما يمكن أن يقوله المؤرخ ويفتح إمكانية إشراك القارئ في بناء المعنى بطريقة أكثر حيوية إذ يذكّرنا بأن المكان نفسه، لا الوثيقة وحدها حامل للذاكرة وأن العمران يمكن أن يُقرأ كنص له لغته الخاصة. لكن هذا المنحى مهما كان جذاباً يحمل في طياته خطراً منهجياً حقيقياً، فحين يذوب التوثيق في الحكي يصبح من الصعب على القارئ أن يميز بين ما هو مسنود بوثيقة وما هو تخييل محض، وقد يتحول الافتراض الأدبي دون قصد من الكاتب إلى ما يشبه الحقيقة التاريخية في ذهن من يقرأ دون تدقيق. لا أظن أن هذا الإشكال يُلغي قيمة التجربة لكنه يستدعي كما يستدعي أي تجريب أولي، تأطيراً نظرياً أوضح يفصل بين لحظة البحث ولحظة الكتابة الإبداعية، ولو بحاشية صغيرة تُذكّر القارئ بأنه انتقل من أرض الوثيقة إلى أرض التخييل الموثق.

يبقى المحور الرابع، المخصص للإسلام والتصوف والرباطات شاهداً على اهتمام المؤلف بالبعد الروحي في التاريخ المغربي، وهو بُعد كثيراً ما أهملته الكتابات التاريخية الحديثة لصالح التاريخ السياسي والعسكري وكأن الدين لا يستحق أن يُدرس إلا بوصفه أداة في يد السياسة لا حياة روحية قائمة بذاتها. 

يبين التوفيق كيف انتقل التصوف المغربي من مرحلة الزهد والورع الفردي في القرون الأربعة الأولى للإسلام إلى مرحلة النضج والتنظيم المؤسسي في القرن السادس الهجري ليصبح في تقديره مكوناً أساسياً من مكونات التاريخ المغربي الروحي والاجتماعي والسياسي بل والاقتصادي وعنصراً من عناصر إشعاع المغرب نحو الشرق والجنوب بل حتى نحو أوروبا. وهذه القراءة الموسعة تتجاوز نظرتين متقابلتين: نظرة تحصر التصوف في المجال الروحي المحض وكأنه بلا أثر اجتماعي، ونظرة استشراقية تختزله في مظاهر البدعة والخرافة وكأنه ليس إلا انحرافاً عن أصل نقي، لتضعه في قلب الديناميات الاجتماعية والسياسية للمغرب حيث تتقاطع فيه الزاوية بوصفها مؤسسة اقتصادية واجتماعية والشيخ بوصفه فاعلاً سياسياً والمريد بوصفه رابطة تتجاوز القبيلة والجهة.

وفي السياق نفسه، يتناول التوفيق نشأة الرباطات مركزاً على رباط شاكر ورباط أسفي، رابطاً بينها وبين مراحل انتشار الإسلام في المغرب ومستحضراً السياق الجغرافي الذي يفسر شبكة العلاقات بين المناطق المختلفة. هذه المقاربة التي تجمع بين التاريخ الديني والجغرافيا والتاريخ الاجتماعي، تبين قدرة المؤلف على تجاوز حدود التخصص الضيق إلى نظرة تركيبية تراعي تشابك العوامل التي تصنع ظاهرة تاريخية واحدة؛ فالرباط في قراءته ليس مجرد حصن ديني على حافة القبائل بل عقدة في شبكة أوسع من العلاقات التجارية والدعوية والقبلية، ولا يمكن فهم أي طرف من أطرافها بمعزل عن البقية.

وما يلفت الانتباه في هذا المحور الرابع أن التوفيق لا يعزل التصوف المغربي عن سياقه المتوسطي والصحراوي الأوسع بل يتعامل معه بوصفه حلقة في سلسلة أطول من التفاعلات الروحية التي ربطت المغرب بالمشرق عبر رحلات الحج والعلم، وربطته بالصحراء وما وراءها عبر شبكات الزوايا التي كانت محطات للقوافل قبل أن تكون محطات للعبادة. وهذا الازدواج الوظيفي للزاوية بوصفها فضاء روحياً وفضاءً اقتصادياً في آن، هو ما يمنح قراءة التوفيق للتصوف عمقها؛ فهو لا يسأل فقطماذا كان يعتقد المتصوفة؟بلماذا كانوا يفعلون وكيف كانت زواياهم تنظم المجال وتؤمن الطرق وتحل النزاعات القبلية؟، وهو سؤال يقرب التصوف من التاريخ الاجتماعي أكثر مما يقربه من تاريخ الأفكار الدينية المحضة.

ولا يفوتنا ونحن نستعرض هذه المحاور الأربعة أن نتوقف قليلاً عند لغة الكتاب نفسها وأسلوبه، فهما جزء لا يتجزأ من منهجه لا زخرفة خارجية عنه. فالتوفيق يكتب بلغة تحقيقية دقيقة حين يتعامل مع الوثيقة، لغة تزن الكلمة وتحتاط في الحكم، لكنه ينتقل دون تكلف إلى لغة أكثر مرونة وتأملاً حين يفتح قوسا تأويلياً، وهذا التنقل بين سجلين لغويين مختلفين هو في حد ذاته ترجمة أسلوبية لموقفه المزدوج من مادته: احترام صارم لحدود ما تقوله الوثيقة ورغبة جامحة في تجاوز هذه الحدود نحو ما تصمت عنه. وقارئ الكتاب يشعر وهو يتنقل بين فصوله أنه أمام كاتب لا يفصل بين متعة الكتابة ودقة البحث وهو أمر نادر في تراث أكاديمي كثيراً ما ضحى بالأسلوب لصالح التقنية أو بالتقنية لصالح الأسلوب.

إن أهم ما يميز منهج التوفيق هو رفضه للثنائيات الجاهزة التي عطّلت طويلاً تطور الكتابة التاريخية في العالم العربي، الثنائية بين التاريخ السياسي والاجتماعي وبين المحلي والإقليمي وبين المقاربة الوثائقية والمقاربة التأويلية. فالتوفيق ينتقل بين هذه المستويات دون أن يعلن ولاءً حصرياً لأي منها مستفيداً من تقاليد محلية عريقة في تحقيق التراث ومن حساسية نقدية تستلهم دون أن تنسخ حرفياً مكتسبات مدرسة معنية بالبنى والتحولات البطيئة أكثر من اهتمامها بالحدث العابر، وهي حساسية تجعله يفضل السؤال عن كيف تتغير البنى الاجتماعية والدينية عبر قرون على السؤال عن من انتصر في معركة بعينها. ولعل من المفيد في هذا السياق أن نستحضر أن هذا الاهتمام بالبنية العميقة على حساب الحدث العابر ليس غريباً كل الغرابة عن تراث فكري مغربي أقدم، فابن خلدون نفسه حين ميز بينظاهر التاريخوباطنه، كان يشير ضمنياً إلى الفارق نفسه بين سرد الوقائع وفهم القوانين التي تحكمها. والتوفيق وإن لم يستحضر ابن خلدون صراحة في أغلب صفحات كتابه يبدو وريثاً لهذا الهمّ الخلدوني بالباطن أكثر من كونه مستورداً محضاً لمناهج أوروبية، وهو ما يمنح مشروعه عمقاً تاريخياً محليا لا يقل أهمية عن انفتاحه على المناهج الحديثة.

وإذا قارنّا مشروع التوفيق بمشاريع أقرانه من كبار مؤرخي المغرب المعاصرين، اتضح موقعه الخاص بجلاء أكبر. فحيث انصرف عبد الله العروي إلى بناء تركيب نظري كبير يسائل مفهوم الأيديولوجيا ويسعى إلى قراءة شاملة لتاريخ المغرب في ضوء إشكالية التحديث، وحيث اهتم جرمان عياش بتفكيك الخطاب الاستعماري وبيان زيفه من موقع نقدي صريح، اختار التوفيق طريقاً أكثر تواضعاً في ظاهره لكنه أكثر تأسيساً في باطنه، العودة إلى الوثيقة نفسها وتحقيقها ومساءلتها من الداخل قبل أي تنظير كبير. وليس هذا الاختيار علامة على قصور نظري بل هو رهان على أن أي تركيب كبير لا يُبنى على أساس متين من تحقيق دقيق للمصادر يظل عرضة لأن ينهار عند أول مراجعة جادة لموادّه الأولية. إن التوفيق يقدم للعروي وعياش ولمن سيأتي بعدهما تلك المادة الأولية المحققة التي بدونها يظل أي بناء نظري معلقاً في الهواء.

ومما يستحق الإشادة أيضاً وعيه الإبستمولوجي بموقعه الخاص كباحث؛ فهو لا يكتب من موقع من يدّعي الحياد المطلق بل يعرض اقتراحه الخاص في تحديد بداية التاريخ المغربي الحديث جنباً إلى جنب مع اقتراحات أقرانه قابلاً بأن يكون هو نفسه موضوعاً للنقد والمقارنة. هذا الموقف البعيد عن التقديس الأعمى للتراث والرفض المطلق له في آن يمنح الكتاب مصداقية لا تتأتى من ادعاء الموضوعية الكاملة بل من الاعتراف الصريح بأن كل مؤرخ ابن سياقه وأدواته المحدودة، يحمل معه بوعي أو بغير وعي انحيازاته الثقافية والفكرية إلى داخل كل نص يكتبه.

غير أن هذا المشروع الطموح لا يخلو من هنّات تستحق التسجيل لا لأنها تنتقص من قيمته بل لأنها تحدد أفق ما ينبغي أن يُبنى بعده. أول هذه الهنّات أن الانتقال السريع بين مستويات تحليل متعددة ومن تخصص إلى آخر يفضي أحياناً إلى نوع من التشتت في العرض، حين يفتقر القارئ إلى إطار نظري صريح يربط بين هذه المقاربات المتنوعة ويوضح منطق الانتقال بينها بحيث يجد نفسه أحياناً منتقلاً من الجيولوجيا اللغوية إلى الاقتصاد السياسي إلى الشرعية الدينية دون خيط ناظم مُعلن. وثانيها كما أشرت، أن بعض الفرضيات الجريئة وفي مقدمتها فرضيةالانفتاحعلى الإسلام تحتاج إلى إسناد وثائقي أوسع مما هو متاح حالياً، وقد تظل إلى أن تتوفر مصادر جديدة فرضية مغرية أكثر منها نتيجة مؤكدة. وثالثها أن الاهتمام بالطوبونيميا رغم أصالته، قد يُغري بعض القراء غير الحذرين باعتباره بديلاً كافياً عن المصادر التقليدية، في حين يبقى مهما بلغت قيمته أداة مساعدة لا غنى عنها لكنها لا تكفي وحدها لبناء صورة كاملة عن الماضي. ورابعها أن غياباً ملحوظاً يمس على امتداد الكتاب أصوات الفئات الأقل حضوراً في الأرشيف الرسمي، النساء والعامة ومن لم يتركوا وثيقة مكتوبة يمكن تحقيقها أو تأويلها، وهو غياب ليس عيباً خاصاً بقدر ما هو حد بنيوي يواجهه كل من يشتغل بمنهج يعتمد أساساً على النص المكتوب، لكنه يستحق أن يُذكر لأنه يرسم حدود ما يمكن لهذا المنهج مهما بلغت براعته أن يبلغه. وخامسها أن المقاربة الكمية التي أثبتت جدواها في دراسات تاريخية مقارنة حول الأسعار والسكان والإنتاج، تكاد تغيب عن الكتاب لصالح مقاربة كيفية تأويلية تركز على الوثيقة الفريدة والدلالة الرمزية؛ وهذا اختيار مشروع بحد ذاته، لكنه يترك سؤالاً مفتوحاً حول ما يمكن أن يضيفه تقاطع هذا المنهج التأويلي مع أدوات القياس الكمي، خصوصاً في دراسة موضوع كالتجارة المغربية في القرن التاسع عشر، حيث كان بالإمكان تدعيم التحليل الطبقي بسلاسل إحصائية عن حجم المبادلات وتطور الأسعار، لو توفرت مثل هذه المعطيات أو أُتيح المجال لجمعها.

ومع ذلك فإن هذه الملاحظات المتواضعة تبقى هوامش على متن نص متقدم، لا تنتقص من كونه محطة لا يمكن تجاوزها في أي مشروع مستقبلي لإعادة كتابة التاريخ المغربي. فقيمةفي تاريخ المغربلا تكمن فقط فيما يقدمه من إجابات بل وربما بالدرجة الأولى فيما يفتحه من أسئلة يترك حسمها معلقاً عن قصد لا عن قصور. وهذا بالضبط ما يجعل من أحمد التوفيق مؤرخاً لا يكتفي بإضافة معلومات جديدة إلى رصيد معرفي قائم بل يعيد صياغة الأسئلة التي نطرحها على الماضي من موقع الحاضر واهتماماته المتجددة، تماماً كما يفعل كل عمل فكري حي حين يرفض أن يقدم نفسه إجابة نهائية.

وإذا كان لكل جيل من المؤرخين أن يعيد قراءة تراثه من زاويته الخاصة، فإن ما يقدمه التوفيق في هذا الكتاب ليس مدرسة مكتملة الأركان بقدر ما هو دعوة إلى مدرسة ممكنة تجمع بين الاعتزاز بالتراث المحلي والانفتاح على أدوات عالمية وبين دقة التفصيل والقدرة على التركيب. وهي دعوة تستحق أن تُستأنف لا أن تُختزل في الثناء عليها؛ فالكتاب بما يحمله من إنجازات وثغرات في آن، يبقى شهادة حية على أن كتابة التاريخ ليست تراكماً بسيطاً للمعطيات بل بناءً مستمراً يعاد في كل مرة يطرح فيها جيل جديد أسئلته الخاصة على مادة لا تكف عن مقاومة اليقين النهائي.

وثمة أخيراً بُعد أخلاقي في هذا المشروع يستحق أن يُقال صراحة لا أن يُترك ضمنياً. فحين يختار مؤرخ أن يخصص جزءاً مهما من وقته لتحقيق وثائق منسية ولمساءلة رواية رسمية بدل التسليم بها، فإنه يمارس ولو دون أن يسميها كذلك ضرباً من العدالة تجاه الماضي؛ عدالة لا تكمن في تبرئة هذا الطرف أو إدانة ذاك بل في رفض ترك القرار النهائي بشأن من يستحق أن يُذكر وكيف يُذكر لسرديات جاهزة سبق أن انتصرت لأسباب لا علاقة لها بصدقها. وهذا في تقديري هو الدرس الأعمق الذي يقدمه أحمد التوفيق لمن سيأتون بعده أن تحقيق الوثيقة ليس عملاً تقنياً محايداً كما قد يبدو بل هو أول باب لإنصاف من أسكتهم الزمن ولا يجد فيها القارئ الصبور في نهاية المطاف إجابات جاهزة بقدر ما يجد فيها دعوة متجددة إلى مواصلة السؤال.

  • Related Posts

    لا تغضب يا نعمان …الإشكال : الملابسات والحلول 

     بقلم: طارق العمراوي   كتبت القاصة زهراء بريطع قصتها” لا تغضب يا نعمان” عن دار ميم للإنتاج الثقافي وأمنت  الرسومات الفنانة التشكيلية فاطمة هاني قصير.  تتنزل هذه القصة في التثقيف المجتمعي…

    وكانت البداية عبوراً (قصيدة للشاعرة اللبنانية ريتا نجيب نفاع)

    لحظة انفجار انبثقت من فراغ من رحلة فقدت معناها ، من خرابٍ وغياب  وبحثٍ خارج الزمن . خوفٌ كشفَ جرح الذات  ذاكرةٌ تتعرى لتُطلق هشاشتها طيرٌ مكسورٌ لا يملك أجنحة…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *