هناك رحلات تُقاس بالكيلومترات، وأخرى تُقاس باللقاءات. والرحلة الأخيرة التي قام بها إسماعيل دياديه حيدرة إلى إيطاليا تنتمي، دون شك، إلى النوع الثاني. فلم تكن مجرد انتقال بين مدينة وأخرى، بل كانت حجًا عبر الجغرافيا الحية للشعر والفلسفة والصداقة، حيث يحمل كل مكان ذاكرة حضارة، وتتحول كل محادثة إلى امتداد للأدب ذاته.
استقبلته نابولي أولًا، لا بوصفه سائحًا، بل رفيقًا في حراسة الكلمة.
فعند ضريح فيرجيل، أحد الآباء المؤسسين للشعر الغربي، شهد حيدرة طقسًا عريقًا ما يزال نابضًا بالحياة. كان الزائرون يصعدون الدرجات المئة والإحدى والثلاثين المؤدية إلى قبر الشاعر، لا كسياح، بل كمؤمنين. فكما يقصد بعض الناس أضرحة القديسين طلبًا للبركة، يأتي آخرون إلى هنا ليودعوا أحلامهم عند ضريح شاعر. وقد رأى حيدرة في ذلك أحد أجمل أسرار إيطاليا؛ بلدًا ما زال يمنح الأدب مكانة الإيمان وقداسته.
وعلى مقربة من هناك يرقد جياكومو ليوباردي، الشاعر الخالد الذي حوّل الوحدة إلى موسيقى كونية. وأمام ضريحه، وجد حيدرة نفسه داخل حوار خفي يمتد عبر القرون، حيث يواصل الشعراء الحديث حتى بعد أن يصمت التاريخ.
ثم جاء دانتي.
فالوقوف عند قدمي صاحب الكوميديا الإلهية، والكاميرا في اليد، بدا أشبه بمغامرة جريئة. فهناك آثار تستدعي الإعجاب، أما دانتي فيستدعي التواضع. ولم تعد الصورة مجرد تذكار، بل غدت رسالة امتنان من شاعر إلى شاعر.
غير أن إيطاليا لم تكشف عن نفسها من خلال آثارها وحدها، بل من خلال أهلها أيضًا.
برفقة مترجميه الإيطاليين جيانكارلو كافالو وروسيلّا نيكولو، وبدعوة كريمة من ناشريه رافاييلا مارزانو وسيرجيو ياجولي، اكتشف حيدرة وطنًا آخر، ليس وطن الميلاد، بل وطن المودة. وأصبحت الصداقة اللغة الحقيقية للرحلة.
وقال متأملًا:
«تعيسٌ هو من لا يجد في حياته ما يستحق أن يشكر عليه.»
ولم تعد الإيطالية مجرد لغة تُترجم إليها أعماله، بل غدت لغةً للضيافة والاحتواء. وأثبتت دار الشعر (Casa della Poesia) في بارونيسي أنها تستحق اسمها بحق؛ فلم تكن مجرد مؤسسة ثقافية، بل بيتًا يشعر فيه كل شاعر بأنه بين أهله. وبفضل الرؤية المخلصة لسيرجيو ياجولي، الذي أسهم في تشكيل مشهد الشعر الإيطالي المعاصر على مدى عقود، تحولت الثقافة من مؤسسة إلى عائلة.
أما القلب الفكري للرحلة، فكان في المعهد الإيطالي للدراسات الفلسفية، حيث ألقى حيدرة محاضرته «الاعتدال بوصفه فن الحياة». ولم يكن هناك مكان أكثر ملاءمة لذلك. فقد وصف الفيلسوف هانس جورج غادامير هذا المعهد بأنه مؤسسة نادرة قادرة على بعث الروح الثقافية الأوروبية بعيدًا عن البيروقراطية ومنطق الربح الاقتصادي، نحو حضارة تقوم على التضامن والسلام. وجاءت كلمات حيدرة متناغمة مع تلك الرؤية، مؤكدة أن الحكمة الحقيقية لا تولد من الوفرة، بل من الاعتدال.
ثم واصل رحلته إلى أحد المزارات المنسية للفلسفة.
فعلى تلة بوسيليبو المطلة على خليج نابولي، زار المدرسة الأبيقورية القديمة التي أسسها سيرون وفيلوديموس الغاداري. ويحمل المكان اسمه اليوناني «باوسيليبون»، أي «حيث ينتهي الألم». وهناك، بعيدًا عن صخب السياسة وضجيج العالم، كان الفلاسفة يكرسون حياتهم للصداقة والسكينة والسعي المنضبط نحو السعادة.
وهنا درس فيرجيل في شبابه.
وهنا أيضًا ورث، بعد وفاة أستاذه، الفيلا التي يُعتقد أنه ألّف فيها أجزاءً من رائعته «الجورجيات».
وعلى مقربة من ذلك، حفظت رماديات هيركولانيوم لفائف البردي المتفحمة التي ما تزال، بعد ألفي عام، تكشف أصوات الفلسفة الأبيقورية. وفي هذا المشهد، لم تعد الفلسفة والشعر وعلم الآثار علومًا متجاورة، بل غدت حوارًا واحدًا متصلًا عبر الزمن.
امتدت الرحلة جنوبًا إلى بايستوم، حيث لا تزال عظمة اليونان الكبرى ترتفع شامخة تحت سماء البحر الأبيض المتوسط. وبين الأعمدة الدورية والأحجار الصامتة، وجّه إسماعيل دياديه حيدرة شكره إلى روسيلّا نيكولو وجيانكارلو كافالو اللذين رافقاه في اكتشاف ما أسماه «العالم اليوناني في إيطاليا»، في تذكير بأن الحضارات لا تموت، بل تواصل حياتها بلغات جديدة.
وظل الأدب الرفيق الدائم لكل محطة من محطات الرحلة.

وفي نابولي، داخل حدائق قصر آل بوربون، قدّم حيدرة الطبعة الإيطالية الجديدة من كتابه «تيبراي» (Tebrae)، المترجم عن الفرنسية بقلم روسيلّا نيكولو وجيانكارلو كافالو، والصادر عن دار Multimedia Edizione عام 2026. وإلى جانب سيرجيو ياجولي ورافاييلا مارزانو والناقد الأدبي سيلفيو بيريلّا، لم يكن الاحتفال مجرد إطلاق كتاب جديد، بل احتفاءً بالرحلة التي تقطعها النصوص بين اللغات والثقافات والقراء.
وتبع ذلك تقديم ثانٍ للكتاب بعد الاحتفال بالذكرى الثلاثين لتأسيس دار الشعر (Casa della Poesia)، حيث شارك حيدرة المنصة مع رافاييلا مارزانو تكريمًا لمؤسسة أصبحت أحد أبرز البيوت التي تحتضن الشعر العالمي في إيطاليا.
وكانت هناك صورة واحدة اختزلت روح الرحلة بأكملها.
التقطها سيرجيو ياجولي داخل دار الشعر، وظهر فيها إسماعيل دياديه حيدرة واقفًا أمام صورة صديقه العزيز، الشاعر البوسني إيزيت سارايليتش. وهناك، بدا أن الشعراء يواصلون مرافقة بعضهم بعضًا عبر الأجيال، بل وحتى بعد الموت، ليس من خلال الكتب وحدها، بل عبر الذاكرة أيضًا.
ومع اقتراب الرحلة من نهايتها، لم تعد إيطاليا مجرد وجهة.
بل غدت بلدًا ما يزال فيه الفلاسفة يتحاورون عبر مؤسساتهم العريقة، وما يزال أبيقور يهمس من فوق التلال المطلة على البحر، وما يزال فيرجيل يتلقى الأمنيات عند ضريحه، وما يزال دانتي يفرض هيبته، وما يزال ليوباردي يعلّم معنى الصمت، فيما يبقى الشعر منسوجًا في تفاصيل الحياة اليومية ببداهة مدهشة.
أما بالنسبة إلى إسماعيل دياديه حيدرة، فقد تجاوزت هذه الرحلة حدود السفر الأدبي.
لقد أصبحت تذكيرًا بأن الثقافة لا تعيش في المتاحف والمكتبات وحدها، بل في الصداقة، والترجمة، والامتنان، وفي استعداد حضارة لأن تفتح ذراعيها لحضارة أخرى.
ولعل ذلك هو أجمل قصائد إيطاليا: أرضٌ لا يصبح فيها الماضي ماضيًا تمامًا، لأن كل مسافر جديد يُدعى إلى أن يواصل كتابة حكايتها الأبدية.
زهرة الجينيسترا… ذاكرة حيّة لليوباردي
خلال رحلته الأدبية في إيطاليا، توقف إسماعيل دياديه حيدرة أمام ضريح جياكومو ليوباردي، حيث لا تزال زهرة الجينيسترا، أو زهرة الصحراء، التي خلّدها الشاعر في رائعته الأخيرة «الجينيسترا»، تتفتح على السفوح التي ظلّلها بركان فيزوف يومًا.
وقد تأثر حيدرة بهذا المشهد تأثرًا بالغًا، فاحتفظ بإحدى تلك الزهرات الرقيقة بين صفحات نسخته من ديوان «الأناشيد» (Canti)، لتغدو أثرًا عزيزًا من آثار الرحلة. ولم تعد تلك الزهرة مجرد نبات، بل أصبحت رمزًا لقدرة الشعر على مقاومة الزمن، يحمل عبير الذاكرة من شاعر إلى شاعر، ومن جيل إلى جيل.
ويقول ليوباردي في مطلع قصيدته «الجينيسترا»:
«هنا، على السفح القاحل
لفيزوف المهيب،
حيث لا شجرة ولا زهرة
تجرؤ على أن تُبهج الأرض،
وحدكِ تنثرين شجيراتكِ المتواضعة،
أيتها الجينيسترا العطرة،
راضيةً بأن تُقيمي في قلب الصحراء.»
وفي هذه الأبيات يجعل ليوباردي من الجينيسترا رمزًا للصمود الهادئ؛ فهي تزهر فوق الأرض البركانية، لا بدافع الكبرياء أو الوهم، بل من خلال القبول المتواضع بقوة الطبيعة الهائلة، لتصبح صورةً للإنسان الذي يواجه قسوة الوجود بالكرامة والسكينة.






