
د. حمزة مولخنيف
ليس من قبيل المصادفة أن تختار الشاعرة رفيقة التعلي لعنوان ديوانها صيغةً تركيبية تحمل في طيّاتها أكثر من إحالة دلالية؛ فـ“تنهيدة بين السطور” ليست مجرد استعارة شعريّة عابرة، وإنما هي بيان شعريّ مكثّف يُعلن منذ العتبة الأولى عن هويّة النصّ وجوهر مشروعه الإبداعي. فالتنهيدة في عمقها الأنطولوجي ليست صرخةً مدوّية ولا بكاءً جهيراً بل هي زفرةٌ خافتة تتسرّب من الجسد حين يعجز اللسان عن البوح وحين يضيق المعنى عن أن يُقال بالكلمات المباشرة. وإذ تضع الشاعرة هذه الزفرة “بين السطور” فإنها تؤسّس لتمييز إبستمولوجي بين مستويين من الكتابة: مستوى الظاهر الذي يقرأه الجميع ومستوى المضمر الذي لا يُدركه إلا من يتقن قراءة الفراغات البيضاء والصمت الممتدّ بين الكلمات. ويتحوّل العنوان من مجرد تسمية جمالية إلى عتبة منهجية تفتح أفق التلقي وتوجه القارئ نحو تأويل يقوم على اكتشاف المكنون في ثنايا النص لا على استهلاك سطحه البلاغي فحسب.
وإذا كان النقد السيميائي المعاصر تماشياً مع تنظيرات جيرار جينيت في كتابه “عتبات“، يولي النصوص الموازية أهمية محوريّة في بناء الدلالة الكلية للعمل الأدبي، فإن ديوان “تنهيدة بين السطور” يقدم نموذجاً بالغ الإتقان في هندسة هذه العتبات. فالغلاف الأسود بتقابله اللوني الحاد مع الدخان الأبيض المتصاعد من فم الفتاة المتنهّدة لا يشكّل اختياراً تشكيلياً اعتباطياً بل يترجم بصريا الصراع الجدلي الذي ينهض عليه الديوان بأسره، الأسود المطبق يرمز إلى الألم الصامت المحتجز في الصدر والأبيض المتصاعد يعبّر عن الكلمة التي تتحرّر من هذا الألم لتغدو تنهيدة مرئية وشعراً متجسّداً في فضاء العتمة. والإهداء بنبرته الاعتذاريّة–الاحتفاليّة يكشف عن دافع وجودي يقود الفعل الشعريّ برمّته؛ فقولها إنها “لطالما رغبت أن يلاحظ الآخرون حضورها ويحتفى بما تحمله من مشاعر وأفكار” يُحيل إلى حاجة الذات إلى الاعتراف والرؤية، وهي حاجة تأخذ أبعادها الفلسفية في فلسفة هيغل حيث لا يكتمل الوعي بالذات إلا عبر وعي آخر يعترف به. وهذا ما تُعمّقه قصيدة “هديتي لكم!” التي تلي الإهداء مباشرة حيث تتحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة للتهميش ومحاولة لانتزاع مكانة رمزيّة في عالم يتنكر لحضور الذات الأنثوية المبدعة.
من أبرز السمات البنيويّة التي يمتاز بها هذا الديوان وتستحقّ وقفة نقدية متأنية، ذلك التركيب الثنائي الذي تسير عليه كل وحدة نصية تقريباً، قصيدة قصيرة تتلوها في الصفحة المقابلة عبارة حكمية مُقتبسة تُصاغ بلغة مأثورية مكثّفة. وهذا الاختيار البنيويّ لا يمكن حصره في كونه زخرفاً شكليّاً بل هو استراتيجية جماليّة–معرفيّة تستدعي تأويلاً مزدوجاً: من جهة تُستكمل القصيدة بوصفها خطاباً انفعاليّاً يقوم على الصورة والإيقاع والانزياح بخطاب عقلي مكثّف يُعيد صياغة التجربة الشعريّة في قالب حِكمي عامّ، ومن ثم ينتقل النصّ من الخاص الذاتي إلى العام الإنساني الكلي. وهذا يذكّر بمنطق الأدب الحكمي العربي القديم حيث كان الشاعر–الحكيم يختم قصيدته بأبيات الحكمة كما في المعلّقات وشعر أبي العتاهية، إلا أنّ التعليّ تُحدث هنا انزياحاً شكليا بجعل الحكمة نصّاً مستقلّاً بصريّاً في صفحة قائمة بذاتها بما يمنحها وقفة تأمليّة خاصّة تشبه ما تصفه المقدمة بـ“صفحات تتنفّس“. ومن جهة فلسفيّة يُعيد هذا البناء المزدوج بين التجربة والحكمة إنتاج الجدل الكلاسيكي بين البعدين الوجداني والعقلي في الفعل الإبداعي، وهو الجدل الذي تُخصّص له الشاعرة قصيدة “بين العقل والفؤاد!” حيث يتصادم المنطق بالانفعال، لتنتهي الحكمة المرافقة إلى تركيب معرفي ثالث يتجاوز الثنائيّة الديكارتيّة الحادّة نحو رؤية توفيقية تضع “النجاة في أن تُبصر بقلب عقلك“. وهذه العبارة الأخيرة تختزل في جملة واحدة مشروعاً فلسفيّاً كاملاً يقوم على بناء إبستيمولوجيا وجدانيّة يكون فيها الألم ذاته أداة معرفة لا مجرّد موضوع للبكاء.

يتأسّس المعجم الشعري في هذا الديوان على حقلين دلاليين متقابلين ومتداخلين في آنٍ: حقل النار والاحتراق والجراح والدماء، وحقل النور والفجر والانبعاث والأمل. غير أن هذه الثنائيّة رغم قوّتها الرمزيّة لا تؤدّي إلى مانويّة بسيطة بل تتوتّر في علاقة جدليّة يمهّد فيها الاحتراق للانبعاث كما في صورة طائر العنقاء التي تتوسّط الديوان في قصيدة “أنا العنقاء!” حيث تقول: “لما أردتُ أن أُحلّق عكس مسار رياحي/ سقطتُ من رُبى العلياء.. وانكسر جناحي/ … فأنا كالعنقاء، ومن رمادي يولد نجاحي“. وهذه الاستعارة الأسطوريّة المستعارة من الميثولوجيا الإغريقيّة والمصريّة القديمة والتي دخلت التراث الرمزيّ العربيّ أيضاً تعمل بوصفها استعارة كبرى تُنظّم حولها بقية صور الديوان، فالاحتراق ليس نهاية بل شرطاً ضرورياً للتجدد، والرماد ليس عدميّاً بل مادّة أوليّة للولادة. وهذا المنطق الاستعاري يتقاطع مع فلسفات المعاناة البنّاءة من نيتشه في تمجيده لإرادة القوّة المنبثقة من تجاوز الألم إلى الرواقيّة التي ترى في الشدائد مادّة لتهذيب النفس وصولاً إلى التصوّف الذي جعل من الفناء شرطاً للبقاء. بيد أن هذا المعجم على ثرائه الرمزي يعاني في مواضع متفرّقة من تكرار الصور ذاتها بصياغات متقاربة –الجراح والجمر والرماد والفجر والظلام– بما يُضعف أحياناً مفعول المفاجأة الشعريّة ويُكسِب النصّ نزعةً تنميطيّة تخفف من حدّة الصدمة الجماليّة التي يفترض أن تُحدثها القصيدة.
تفتتح الشاعرة متنها الشعريّ الفعلي بقصيدة “رحليك!” التي ترثي فيها والدها الغائب، غير أن هذا الرثاء يتحوّل بسرعة من البكاء على الفقيد إلى سؤال معرفي–وجودي حول من يقوم مقام الأب في وظائفه الرمزيّة: “قل لي من يكون بين شظايا آلامي مُنجدي؟/ ومن يدق بابي في هذه الدنيا ليكون مرشدي؟“. ويتحول الأب من كائن بيولوجي راحل إلى دال رمزي على الحماية والإرشاد والسند ويصبح غيابه منتجا لفراغ وظيفي لا عاطفي فحسب. وتُختتم القصيدة بوعد أخلاقي: “سأوفي بالوعد يا أبي فهذا وعد مني لك خالد“، ممّا يحوّلها من مرثيّة إلى عهد وجودي يمنح الفقد معنى ويحوّله من نهاية عابثة إلى نقطة انطلاق لمشروع حياة. والحكمة المرافقة لهذه القصيدة تُلخّص هذا التحوّل بدقّة: “أوفى أنواع البرّ بعد الغياب أن نصل إلى المقصد الذي تمناه لنا الراحلون“، وهي صيغة تُقارب ما نجده في الفلسفة الأخلاقية حول الوفاء بالأمانة بوصفه استمراراً للعلاقة مع الغائب عبر تحقيق إرادته لا عبر البكاء عليه فقط، وهذا يُقارب أيضاً مفهوم الحداد الإيجابي في التحليل النفسي الذي يميّز بحسب التمييز الفرويدي بين الحداد الذي يُثمر فعلاً والحداد المرضي الذي يتقوقع حول الفقد.
تحتل قصيدة “هل المال؟” موقعاً محوريّاً في بنية الديوان إذ تفتح مساراً فلسفيّاً تأمليّاً حول مفهوم السعادة وعلاقته بالثروة الماديّة. تتساءل الشاعرة عبر سلسلة من الاستفهامات البلاغية المتراكمة: “المال يشتري السعادة، ما هذا الهذيان؟/ فهل يشتري حرية مسجون وينقذه من خلف القضبان؟/ أم يشتري صحةً لعليل وينير نور العينان؟/ أم أنه يعيد من الأجداث روح إنسان؟“. وهذا التتابع الاستفهامي القائم على بنية أنافوريّة استفهاميّة يُفكّك المسلّمة الرأسماليّة القائلة بأن المال يشتري كل شيء عبر مقارنته بأمور جوهرية يستحيل شراؤها ماديّاً. غير أن القصيدة لا تكتفي بالإنكار المطلق لقيمة المال بل تنتهي إلى موقف نقدي متوازن يُقارب الأطروحة الرواقيّة الكلاسيكيّة التي ميّزت بين الخيرات الظاهريّة وخيرات النفس الحقيقيّة، “فالمال لن يشتري ما هو أغلى من الوجدان/ لا الحرية ولا الحبَّ ولا سلام القلب والإيمان“. وهذا الموقف يتقاطع مع فلسفة إبكتيتوس ومارك أوريليوس اللذين ميّزا بين ما بأيدينا من الفضيلة والإرادة والسلام الداخلي وما ليس بأيدينا من المال والجاه والظروف الخارجيّة ويتقاطع أيضاً مع النقد الوجودي الحديث لمنطق التسليع الذي يختزل الإنسان إلى قيمته الشرائية.
وفي قصيدتي “أيها الخائن!” و“ترنيمة!” تنفتح تجربة أخرى مركزية هي تجربة الخيانة العاطفيّة أو الصداقيّة وما يترتب عليها من صدمة معرفيّة تتعلق بموثوقيّة الإدراك نفسه. تقول في الأولى: “ألم خيانتك أوجعني كطعنات السيف/ وخيالك أصبح يراودني كالطيف“، فيما تُذيّل الحكمة المرافقة هذا المعنى بعبارة عميقة الدلالة: “أشدُّ طعنات السيف إيلاماً ليست تلك التي تأتي من الأعداء بل التي يغرسها في ضلوعنا من أسميناهم يوماً ضيوف القلب“. وهذه العبارة تُعيد صياغة فكرة فلسفيّة قديمة نجدها عند شيشرون وابن حزم في “طوق الحمامة” مؤداها أن الغدر من الحبيب أو الصديق أشد إيلاماً من عداوة الغريب، لأن الثقة الممنوحة سلفاً تجعل الجرح يخترق منطقة الأمان الداخلي للذات لا سطحها الخارجي فحسب. غير أن قصيدة “ترنيمة!” تتخذ منحىً مغايراً إذ تتحوّل من الشكوى إلى الشكر المفارق: “يا من وثقتُ فيه وبادر بالخذلان/ أشكرك من كل جوارحي، وأقدم لك امتناني/ فلولاك أنت ما كنت لا زلت أتألم وأعاني“. وهذا التحوّل من إدانة الخائن إلى شكره يحمل بعداً فلسفيّاً لافتاً يُقارب فكرة التحويل الإيجابي للألم التي تطرحها بعض مدارس علم النفس الإيجابي كما يتقاطع مع الحكمة الصوفية القائلة بأن الابتلاءات وسيلة للتطهير والنضج لتنتهي القصيدة إلى استنتاج معرفي عام حول حدود الثقة الإنسانيّة.
وتشكّل قصيدتا “الرجوع إلى الطفولة!” و“تلك السنين!” محوراً استرجاعيّاً يستدعي مفهوم الذاكرة بوصفها أداة تعرية للجرح الأصلي. ففي الأولى تتكرر جملة “أنا الطفلة التي…” أربع مرات في بنية تناصية داخليّة تشبه تقنية التكرار الاستهلالي منتجةً إيقاعاً نفسيّاً يحاكي آلية التذكر القسري في التحليل النفسي حيث تعود الذات مراراً إلى المشهد الجريح بوصفه نقطة ثابتة في الذاكرة يستحيل تجاوزها إلا بإعادة سردها. والحكمة المرافقة “لم نكبر بل تعلّمنا كيف نُضمّد جراح الطفلة فينا” تحمل بعداً نفسيّاً–فلسفيّاً عميقاً يتقاطع مع مفهوم الطفل الداخلي في علم النفس التحليلي الحديث عند يونغ والذي يرى أن النضج ليس تجاوزاً للطفولة بل تعلّماً لكيفية احتواء جراحها والتصالح معها.
وتنفتح تجربة الديوان في قصيدتي “حمامة فلسطين!” و“اغتراب!” على البعد الجمعي والسياسي في تحوّل لافت من الغنائيّة الذاتيّة إلى الخطاب الجماهيري المباشر. ففي الأولى تستدعي الشاعرة رمز الحمامة البيضاء الملطخة بالدماء في نداء خطابي حادّ: “قولي بكل قوة لأولئك الأعداء إن أرض فلسطين أرض المسلمين والشهداء“. وهذا التحوّل الأسلوبي من التأمل الفلسفي الهادئ إلى الخطابة الحماسيّة المباشرة يطرح سؤالاً نقديّاً مشروعاً حول التوازن الجمالي داخل الديوان إذ يبدو هذا المقطع أقرب إلى الشعر الالتزامي المباشر منه إلى الأسلوب التأملي الذي ميّز باقي النص. أما “اغتراب!” فتُعيد تعريف الاغتراب من بعده المكاني إلى بعده القيمي في عبارة تختصر فلسفة الديوان النقديّة للواقع المعاصر: “في زمنِ الزيف لا تكون الغربة في المكان… بل في القيم التي لم يعد لها موطن“. وهذا التعريف للاغتراب يتجاوز المفهوم الكلاسيكي بمعناه الماركسي (اغتراب العامل عن نتاج عمله) أو الوجودي (اغتراب الإنسان عن جوهره الحر بحسب سارتر)، لينحته في صيغة أخلاقيّة–قيميّة خاصّة، الاغتراب هو غياب أرضية أخلاقية مشتركة يستقر عليها الإنسان المعاصر، وهو تشخيص يتقاطع مع نقد ما بعد الحداثة لتفكك السرديّات الكبرى الأخلاقية في العالم المعاصر.
ويُخصّص الديوان قصيدتين صريحتين للتأمل في فعل الكتابة ذاتها: “لماذا أكتب؟” و“فنانة الكتاب!”، وهما نموذجان للشعر الميتاشعري الذي يتخذ من الكتابة موضوعاً لنفسها. تقول في الأولى: “أكتب لأتنفّس/ لأفتح نافذة في روحي/ لأعيش خيالاً واسعاً لا يعرف الحدود“، فتُصوّر الكتابة بوصفها فعلاً حيويّاً أساسيّاً كالتنفّس، لا ترفاً جماليّاً. وتذهب أبعد من ذلك في وصف علاقتها الجدليّة بالنص: “فأنا ضائعة بين حروفي… ضائعة بين طيات كتبي/ أنا أتجدد بالكتابة“، في مفارقة بديعة بين الضياع والتجدد تذكّر بجدليّة الفناء والبقاء الصوفيّة حيث لا يتحقق الوجود الحقيقي للذات إلا عبر ذوبانها المؤقت في فعل الكتابة. والحكمة المرافقة “نكتب لنعبر عما عجز اللسان عن قوله” تختزل نظرية أدبية كاملة حول وظيفة الكتابة بوصفها تعويضاً عن قصور اللغة المنطوقة وهي فكرة تتقاطع مع ما ذهب إليه بارت ودريدا حول أسبقية الكتابة على الكلام المنطوق بوصفها فضاءً أرحب للمعنى المؤجل وغير المكتمل.
وبعد هذا المسح الموضوعاتي يتبيّن أن الديوان يبني تدريجيّاً ما يمكن تسميته بفلسفة الصمود التي تتشكّل من ثلاث ركائز متكاملة: الأولى الاعتراف الكامل بالألم دون إنكاره أو التستّر عليه، وهذا واضح في اللغة الصريحة التي تصف بها الشاعرة معاناتها دون مواربة أو تجميل زائف. والثانية تحويل الألم إلى معرفة عبر آلية التذييل الحكمي حيث لا تبقى التجربة حبيسة خصوصيتها الذاتيّة بل تُصعّد إلى مستوى الحكمة الكليّة القابلة للتعميم. والثالثة الإيمان بإمكان التجاوز دون وعد ساذج بالنجاة السهلة، وهذا يظهر في قصيدة “لا مستحيل!” حيث تقول: “ربما يأتي الفجر بعد ليل طويل… وبالثبات نحقق المستحيل“، والحكمة المرافقة تُدقّق هذا المعنى: “المستحيل ليس نهاية الطريق بل بداية حين نؤمن أن في داخلنا فجراً لا ينطفئ“. فالتفاؤل هنا ليس تفاؤلاً ساذجاً بل ما يمكن تسميته تفاؤلاً تراجيديّاً بالمعنى الذي طرحه فيكتور فرانكل في فلسفته العلاجيّة حيث يظل المعنى ممكناً حتى في قلب المعاناة القصوى لا بإنكارها بل بتجاوزها الواعي.
من الناحية الشكلية يتموضع الديوان في منطقة وسيطة بين الشعر الحر وشعر التفعيلة والقصيدة النثريّة مع بعض المقاطع التي تحافظ على قافية جزئية متقطعة كما في “أنا العنقاء!” حيث تتكرر القافية على حرف الحاء. وهذا التماوج بين الالتزام العروضي الجزئي والانفلات النثري يمنح النص مرونة تعبيرية لكنه في المقابل يُضعف الوحدة الإيقاعية للديوان ككل، إذ ينتقل القارئ بين نصوص شديدة الإيقاع وأخرى أقرب إلى النثر المسجوع دون مسوغ جمالي واضح لهذا التفاوت. وتتكرر عبر الديوان تقنيات بلاغية محددة تشكل بصمة أسلوبية للشاعرة: النداء الاستهلالي الذي يمنح كل قصيدة طابعاً خطابيّاً مباشراً والاستفهام البلاغي المتراكم كأداة تفكيكيّة للمسلّمات والتكرار الأناقوري الذي يمنح النص إيقاعاً طقسيّاً.
غير أن هذه المنجزات الجماليّة والفكريّة لا تحجب عن القراءة النقديّة الرصينة ضرورة الإشارة إلى جملة من المآخذ. فثمة نزوع نحو التعميم الحكمي المتكرر الذي قد يُفضي إلى نبرة وعظيّة–خطابيّة تُقلّص المساحة التأويليّة المتروكة للقارئ، إذ تميل بعض القصائد إلى تلخيص معناها الخاص في خاتمتها بشكل مباشر ممّا يحدّ من الغموض الشعري المنتج. ويلاحظ تفاوت أسلوبي بين مجموعة القصائد التأمليّة العميقة والقصيدة السياسيّة المباشرة “حمامة فلسطين!” التي تنحو نحو الخطابة الحماسية بلغة أقرب إلى الشعارات منها إلى الكثافة الاستعاريّة التي طبعَت بقية الديوان، ممّا يحدث نوعاً من الانقطاع الأسلوبي في البنية الكليّة للديوان. ويتكرر المعجم الاستعاري –الجراح والجمر والرماد والسيف والظلام والفجر– بصياغات متقاربة عبر عدة قصائد بما قد يُشعر القارئ المتمرس بشيء من التنميط الصوري رغم التنويع الموضوعاتي. كما أن بعض الأمثال الحكمية المذيلة تُكرر المعنى الذي انتهت إليه القصيدة نفسها دون إضافة دلاليّة حقيقيّة مما يجعل وظيفتها التذكيريّة تطغى على وظيفتها التوليدية في بعض المواضع.
يقدّم ديوان “تنهيدة بين السطور” محاولة جادة لبناء أرشيف وجداني توثق فيه الشاعرة تجربتها الذاتية مع الفقد بمختلف وجوهه: فقد الأب والخذلان وخيانة القريب والاغتراب عن القيم والمكان، بلغة تتراوح بين البوح الحميمي والتأمل الفلسفي المكثّف. وقد نجح الديوان عبر بنيته المزدوجة بين القصيدة والحكمة في تحويل التجربة الفردية إلى معرفة إنسانية عامة وفي صياغة فلسفة للصمود لا تنكر الألم بل تحوله إلى أداة للنضج والتجدد، تماماً كما تتحول العنقاء من رمادها. وإذ تعلن خاتمة الديوان أن الكلمات لا تموت وأن كل قصيدة كانت تنهيدة وكل تنهيدة كانت مرآة لروح تبحث عن صدى لنفسها، فإن هذه القراءة المتواضعة تمنحنا المفتاح الأخير لفهم مشروع الشاعرة، الكتابة هنا ليست وسيلة للتعبير عن الذات فحسب بل هي فعل بحث وجودي عن معنى يتجاوز الألم الفردي إلى أفق إنساني أرحب، حيث في كل سطر حياة وفي كل صمت قصيدة. وهذا لعمري هو أقصى ما يمكن أن يطمح إليه الشعر الغنائي المعاصر حين يتصالح مع جراحه دون أن يستسلم لها ويحولها إلى مادة للتفكير لا إلى مجرد باعث على البكاء.





