طارق العمراوي
صدر مؤخرا نص قصصي للأطفال تحت عنوان “حكاية خيط ” للكاتبة حنان سليمان الحمادي وأضافت للمتن السردي العديد من المعلومات اللوحات الفنية عالية الجودة والدقة والتي أمنتها ريشة وألوان الفنانة التشكيلية يسر العبايجي ومنها المباني القديمة والأبواب الخشبية والشبابيك والجرار الفخارية والزرابي والسرو والخيوط والخيام والألبسة التقليدية.
العنوان كعتبة نصية يستوقف الطفل أ ولا ثم الناقد أما عن الطفل فكل قصة هي حكاية وكل حكاية لها القائم ببطولتها ومحرك أحداثها في أزمنة وأمكنة معينة وغالبا ما يكون بطل خارق أو بطلة أو حيوان لكن أن تكون حكاية خيط ربما تحتمله تصوراته و خياله إلى حكاية من عالم الخيال طارحا عدة أسئلة منها خيط وله حكاية مع من؟ وفي أي الأزمنة.
والقارئ للقصة سيتعرف على تفاصيل الحكاية وأهمية الخيط في هذه السردية الجميلة ومن هنا توجب تحديد المعجم التراثي المميز الذي قدم احدى أهم التقاليد التي تلامس حياة المرأة في بيتها و الفضاء العائلي وهنا كانت الحياكة التقليدية والكلمات المفاتيح هي الخيوط والسدو و والنول والنسج إذ تقول الجدة” السدو يا بنات فن من فنون الحياة عند أهل البادية قديما ننسج الخيوط باستخدام النول“ومادة العمل “صوف الغنم أو شعر الماعزأو وبر الإبل ويستعمل في نسج الخيام والسجاد والمخاد والأغطية” وحتى الخيول والهجن كان لها نصيب من زينته” .
ومن الأعمال التابعة للحياكة تحويل الصوف إلى خيوط وكيف يحزون الصوف و يغسلونه ثم يغزلزنه مع عالم النقوش التي تحمل دلالات ورموز مستمدة من حياة الصحراء.
ومما يستوقفك في هذه السردية الجميلة عدة فواصل علائقية وتربوية وأخلاقية ومنها أهمية زيارة الجدة كتقليد يفرح به الأحفاد ويصعد الجدة التي وجدت نكهة خاصة وجميله في حديثها عن السدو بل و تملك الجدة ثقافة التعليم المنهجي عبر تشجيع المبادرة رغم صعوبة البدايات قالت الجدة هنا بعد أن ربتت على يد إحدى الحفيدات ” لا تقلقي كل شيء جديد يبدو صعبا في البداية“مذكرة الفتيات أنها تعلمت في هذه السن مع جدتها وكان اليوم درس تطبيقي و معرفي لهذه المهنة التقليدية وبالعودة إلى الخيوط العديدة والملونة والتي تمثل المادة الأساسية .
لكن الجدة وخلفها الكاتبة أرادت أن تقول إن تراثنا وميراثنا الثقافي والحضاري هو الخط الرابط بين الماضي والحاضر وأن الحياكة تتجاوز الوظيفة عبر تواجدها وتعداد استعمالاتها في الخيام والبيوت إد تقول الجدة” هكذا يا بناتي السدو ليس مجرد خيوط تحاك بل هو حكايات تعكس عراقة الماضي وصبر الأجداد واليوم أنتن تكتبن حكاية تمتد من عبق الماضي لتضئ دروب الغد.”
وهذه الحكاية تنسج هوية الغد ينهل من الماضي القريب والبعيد إذ الهوية هي تراكم كمي وكيفي لحياة البشر في رقعة أرضية محددة.
ومن الدروس التي أوصلتها الجدة لحفيداتها أن تمكنت منهم هذه الحرفة واستعمالاتها بل أرادوا أ ن تكون المادة موجودة في غرفهم كغطاء للمصحف ومفرش للمكتب وقاعدة لفنجان الوالد الكريم وفاصل كتاب .
وبهذه الصورة يلتقي الماضي بالحاضر وبتعدد الاستعمالات تتطور هذه الحرفة التقليدية لتواكب العصر في الألوان والتوظيف وهكذا تتواصل هذه الحرفة متحدية الزمن والتكنولوجيا الحديثة التي تقدم نفس المواد لكن بدون روح.
إن نص ” حكاية خيط” سفر في الماضي وامتداد في الحاضر والمستقبل قدم حرفة تقليدية ذاكرا كل الجزئيات من المادة والأدوات والألوان والاستعمالات ومع الجدة حضر الحنان والعطف وتقديم المعلومة والمعرفة ورسومات قدمت الكثير إلى جانب المتعة البصرية لكل اللوحات.





