الدكتورة مُنى رسلان: أزمةُ المُثقَّف والتحوُّلات في البُنية الدلاليَّة للنَّقد الماركسيِّ

دراسةٌ نقديَّةٌ لكتاب د. عبد الحُسين شعبان

الماركسيِّة و التمركُس والماركسلوجيا 

(الصادر عن دار النهار العريقة بأصالتها)

إنَّ سعيَ الإنسان هو فِعلُ تأسيسٍ لفاعليَّتهِ الشخصيَّةِ عبر تثقيفِ ذاتِه. ويقومُ التركيزُ من هذه المحطة التثاقفيَّة في كتاب الدكتور عبد الحُسين شعبان “الماركسيَّة والتمركُس والماركسلوجيا” ، التعرُّفِ على العوامِلِ الفاعلةِ في توجيهِ مسارات الثقافةِ العربيَّةِ، كما على علاقةِ الوُجودِ بالثقافةِ، عبر جُهود المُثاقفةِ الَّتي يقومُ بها المُفكِّرون في سعيهِم المُتواصل والمُستمرِّ لتحقيق فاعليَّةِ وجودهم. 

فأن تستنهضَ المُفكِّرين والكُّتَّاب والمؤرِّخين والنُّقَّاد والشُعراء وعُلماء الإجتماع الإنسانيِّ – الانتروبولوجيا، وعُلماء الإجتماع السياسيِّ والاقتصاديِّ، فإنَّما أنتَ تحتاجُ إلى مشروعٍ فكريّ وفلسفيِّ حق، يقوم في ما يقوم عليه من نقدٍ للتجارب والأفكار والأطروحات المعمول بها رهطاً من زمن، والَّتي أثبتت من خلال تقادُمِها الزَّمنيّ ومساراتِها السلوكيَّةِ والعمليِّة التطبيقيَّةِ، أنَّها تحتاجُ إلى إعادةِ قراءةٍ، وإلى نقد النّقد، ناهيك عن ترسيخ بلاغة الخِطاب النقديّ الَّذي ينفتِحُ على التيَّاراتِ المُختلفة بتكامُلها وحتَّى تعارُضها؛ وما كان لوجود كل تيَّار فاعليَّة على ناسهِ والبيئة العربيَّة، ضمن صُعدٍ مُتنوِّعة ومُتعدِّدةٍ، منها ما هو سياسيّ فكريّ، وما هو اجتماعيّ، أو إقتصاديّ، وما هو أدبيٌّ وجماليّ؛ كُلُّ ذاك تحقيقاً لانشاء بُنيةٍ فكريَّة وإجتماعيَّة وثقافيَّة مواكبة لعصر التكنولوجيا وما بعده. 

ويكون “هؤلاء القلائل الَّذين جمعوا بين الكلمة والفِعل وحقَّقوا من القولِ ما يبقى في قِمَّة الإبداع الإنساني“، يسعون إلى التماهي الكُلِّي مع الفِكرة والأرض كامتدادٍ طبيعي لمرحلة عيشه. فالكاتبُ / الأديب الّذي لا يُمسِكُ بخيوط المآسي والأفكار والتيَّارات كلَّها، ويُحيكها نسيجاً شامِلاً، فإنَّهُ لا يُرضي أولئك مِمَّن لا يرون في إبداعِهِ بلسماً شافياً لجِراح الأُمَّة، في مسعاه التطوُري لترسيخِ تجرُبتهِ الفعليَّة نفسها، وليس مُجرَّد الحديث عنها.

فكيف بِك بنقد التمركُس وتحنيط الماركسيَّة في كتاب الدكتور عبد الحُسين شعبان، الآتي من تجرُبة بلاد الرَّافدين، والَّذي يحمٍلُ إرثاً تاريخيَّاً عربيَّاً من أرض جيكور، وهو المُلمُّ بالحركيَّةِ الثقافيَّة بعد عام النكبة 1948 ، ومرحلة تفتُح الهويَّة العربيَّة. “وكان العراق – زمنذاك_ من أكثر الأقطار العربيَّة مجالاً للتفاعُل الثقافيِّ والحضاريِّ، وحتَّى الجيشان الفكريِّ والسياسيِّ والإجتماعي“؛ وذاك الفوران الثقافي المُتصاعد في بغداد والباحث عن الأفكار التغييريَّة والأحلام التجديديَّة، تتَّخذُ فيه الجدالات والحماسات مسارات سياسيَّةٍ مُحتدمة وإجتماعيَّة مُثيرة، حيث أثًررت الأجواء السياسيَّة – ثورة 1958 ، في العِراق، وثورة “عبد الكريم قاسم“، على حركة المُثقَّفين العرب، فكانوا منقسمين بين: التيَّار القومي، والتيَّار الماركسي. 

فباستعراض حركيَّة الثقافة العربيَّة عبر العصور التاريخيَّة للعرب والمُسلمين، وعلى اختلاف الأقطار والبُلدان والأقاليم، نجِدُها ثقافةً حداثويَّة. والحداثةُ تنطوي على الهَدمِ ثُمَّ البِناء، أي هدم الموروث الثابت وبُنيان الجديد المُتحوِّل، بموضوعيَّة ومن دون خوف.

يتجلَّى أنَّ التيَّارات الفكريَّة العربيَّة في العراق قد تأثَّرت أيما تأثَّر بالتيَّارات الفكريَّةِ الغربيَّة، كما أسلفت، وبعد الخيبات والإحباطات من النكبةِ إلى الثورات، تأتي المُحصِّلة بتلقُّفٍ لتيارات وأفكارٍ لكُتَّاب غربيين ومدارسهم النقديَّةِ والفكريَّة الحديثة آنذاك، وتلك النظريات الإجتماعيَّة والسياسيَّة والثقافيَّة الجديدة، تلك الَّتي ساهمت في إدخال المؤثرات الفوكنريَّة والسارتريَّة والكامويَّة والماركسيّة، على الرؤى العربيَّة، وما تنضوي تحت راية التنوير والتثقيف ولربُّما أيضاً “التغريب“؛ وشكَّلت في ما شكَّلته من كونها مرجِعاً أساسيَّاً للبحث والتعمُّق الدراسي، كنموذج فكريٍّ في إطارهِ المعرفيّ، والَّذي من خلاله يتوجَّه تفكير الإنسان بتفسيره للواقع المعيوش وطريقة رؤيته للمظاهر والأشياء. 

ولا ريب أن ينفتح هذا المُبتدأ من النقدِ، على مُعطى أزمة المُثقَّفُ العربيُّ، في متون الحداثة وتجلِّياتها. 

الأُفقُ المعرفيُّ المُنفتح، خيارُ المُثقَّف العربيّ 

تُطالعنا في هذا المبحث علاقة الوجود بالثقافةِ. “إنَّ الثقافة، سِمةٌ إنسانيَّةٌ أساس في وجودِ الإنسان، وكُلَّما مارس الإنسان الفِعل الثقافيّ، صار أشدَّ قُدرةً على عيشِ وجودِهِ الإنسانيِّ“. 

ولا مندوحة من أنَّ لسعي الإنساني فينا إلى التطوّر والنماء، التمايز بتلك القدرة الشخصية لدى المُثقف العربي على تلقُّف التيارات والشعارات والنداءات العربيّة والغربيَّة على السواء، كما تُؤكِّد على أهمية الخيار الثقافيّ عنده، وهو ما تُحدِّدهُ طبيعة المرحلة الحضاريَّة والثقافيَّة التي يختبِرُها، كما يُشير إلى مداراتِ وعيه الفرديّ أو المجتمعيّ، صوناً لهويته العربية. 

كما تستعرضُ إحدى أوجه أزمة المُثقَّف العربي، وتدليلاً نسترشدُ “من النماذج الشاهدة على أزمة المُثقَّف العربي، أنَّ “عرب” الفرنكوفونيَّة  قد وجدوا أنفسهم _ ضد أو على خصومة مريرة، مع “عرب” الأنكلوسكسونيَّة، والعكس صحيح؛ وكما هو الحال على المستوى الحضاريّ، فهو كذلك على المستوى السياسيّ؛ فــ “عرب” الاتِّحاد السوفيياتي يُخوِّنون “عرب” الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة“، والعكس صحيح“_ وفقاً للدكتور وجيه فانوس. 

يتمظهرُ ذاك في ما بعد الحرب العالميَّة الثانية وحتى انهيار الاتِّحاد السوفياتي، إذ وجد ناس المنطقة العربيَّة بعد استقلال دول المنطقة، وتوحيد البلاد، حتَّى النصف الثاني من القرن العشرين، موزَّعين، مرغمين أو راضين، ضمن ولاءين أساسيين: فإمَّا أن يكون الواحد منهم ضُدّ السياسة الإمبرياليّة الأميركيّة، مع السياسة الماركسيّة والإشتراكيَّة للاتِّحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكيّة، والعكس صحيح. 

بيد أنَّ العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، وعلى الصعيد الثقافي، قد شهد عالمنا العربي لمشاريع ثقافية عربيَّة مُبشِّرة، (الرابطة القلمية)، (جماعة أبولو)؛ و(جماعة الديوان)؛ وبعض الصالونات الثقافيّة والأدبيَّةِ في العراق، وفي لبنان، ممَّن واجهوا مظاهر الفوضى الفكريَّة والتجريب والعبثية في كثير من الرؤى الفكريَّة والأدبيَّة التي عرفوها. غير أنَّ هذه التجارب سُرعان ما آلت إلى كثير من اضمحلالِ الفاعليَّةِ الحقيقيَّة لبعضِ المُفكِّرين والمُثقَّفين العرب، والاعتماد شبه الكُلِّي على تجارب ثقافيَّةٍ مُستقاة من الغرب. 

إنَّ أزمة المُثقَّف العربيِّ تكمن، في اللحظة الَّتي ينتهج فيها المُثقَّف منهجاً خطيَّاً في التفكير لا الشبكي، ويُصبح التثقيف تثقيفاً مُتقلِّباً، وتراه مُنغمِساً بموروثات التيَّارات الغربيَّة ومدارسها وموضوعاتها المُتشعِّبة، من دون فهم لأُطرها أو التعمُّق فيها أو حتَّى نقدِها بمنطلقٍ موضوعي بحت. ولعلَّ هذه إحدى أوجه التغريب عن العروبة. 

يقول د.عبد الحُسين شعبان” “إنَّ مهمة التغيير تقضي نقد الفكر السائد، والكشف عن عيوبه ومثالبه في إطارِ فهمٍ جدليٍّ، بالانفتاح على “الإرث” الماركسي الإبداعي الَّذي هو مساهمةٌ جليلةٌ على صعيد تفسير تاريخ الأفكار والمجتمعات ونقده“.

و بذا تتشكَّل دراستي النقديَّة حول محورين أساسيين: يتمظهر أوَّلهما في: أزمة المُثقَّف؛ وثانيهما في: تلك التحوُّلات الَّتي طرأت على الفكر الماركسي والتحوُّلات في البُنية الدلاليَّة للنَّقد الماركسيِّ. 

ولا ضير أن يستعرض د. شعبان في انتاجه هذا “مصطلح / مفهوم الماركسلوجيا” والماركسلوجي كُلٌّ في مضماره، وتعارُضه وتشابُكِه، وفقاً لمُنطلقاتهِ المعرفيَّةِ.

بيد أنَّ في اصطلاح المعنى الدَّلالي، إنَّما يشي “مصطلح / مفهوم الماركسلوجيا” بتلك الدراسة الأكاديميَّة والعلميَّة والتوثيقيّة الدقيقة لنصوص وأفكار الفيلسوف الألماني كارل ماركس ورفيقه فريدريك إنغلز؛ ويتبدَّى أنَّ الماركسلوجي (Marxology)  يدرس ويفهم مقولات كارل ماركس في سياقها التاريخيِّ والفكريِّ، ويشتغل على تطهيرِ نصوص ماركس من التفسيرات الإيديولوجيَّة الَّتي أُسقِطت عليها وأضافت عليها الأنظمة اللاحقة (المرحلة الستالينيَّة)؛ كما تطهير نصوص ماركس من التحريفات الحزبيّة، وتلك التأويلات السياسيَّةِ المُتعالقة في بدنها. إذن يُعدُّ الماركسلوجي، الباحث والمُحقِّق الأكاديميّ الَّذي يدرس نصوص ماركس وأفكار المدارس الماركسيَّة، مُحقِّقاً فيها بشكلٍ منهجيٍّ ومُحايد، يتناول في دراساتهِ وقراءتِه النقديَّة أيضاً مرحلة “لما بعد ماركس“، مُتوغِّلاً في أعماق “تحنيط الماركسيَّة” بتوسُّل دراسةٍ وتحليلٍ موضوعيّ تاريخيّ لمسارها. 

 التثاقف في الفكر الماركسي

يُشير الدكتور عبد الحسين شعبان في هذا المجال، ومن خلال أطروحاته حول الفكر الإنساني التقدُّمي، إلى المضامير التساؤلية التالية: هل تمكَّنت نظريَّات ماركس بعبقريته، من المعارف الَّتي سبقت عصره، مواجهاً من عاصره أو سبقه؟ هل تمكَّن من تكوين أفكار توليديَّة مُعاصرة، من الاجابة على أطروحات الفكر الإنساني التقدُّمي؟ 

ويستعرض د. شعبان في كتابه “الماركسية والتمركس..”، أنَّ نظريَّة ماركس إنّما غَرفت من معين مصادر فكريَّة رئيسة؛ وهي كما يُحدِّدُها بتيَّارات ثلاث ويضيف إليها مُعطى رابع، كنتيجةٍ حتميَّةٍ لـ “أفضل ما أنتجهُ الفكر الأوروبيِّ في القرن التاسع عشر، بحسب تقديم فلاديمير لينين“. 

 أوَّلها: الفلسفة الألمانيَّة الكلاسيكيَّة لما تقوم عليه من منهج الديالكتيكي عند جورج فيلهلم فريديريك – هيغل، والمَّاديّ وفقاً لـ لودفيغ فيورباخ؛ إذ عمد ماركس إلى المُزاوجة بينهما ووسَّع أُفق نظريَّته من الطبيعة (الماديَّة الديالكتيكيَّةِ) إلى المُجتمع البشري، أي ما يُسمَّى تلك المادِيَّة التَّاريخيَّة التَّي إنَّما تعكِسُ معرفة الإنسان الإجتماعيَّةِ، “عن طريق نظام المُجتمع الإقتصاديِّ والبِناء الفوقي” وفقاً لشعبان.

ثانيها: الاقتصادُ السياسيّ الإنكليزي الكلاسيكيّ، وفق أفكار آدم سميث و ديفيد ريكاردو، “اللذان سجَّلا نظريَّة ” قيمة العمل” الَّتي طوَّرها ماركس.

ثالثها: الاشتراكيَّةُ الفرنسيَّةُ الطوباويَّة، إذ استقى ماركس من معارف سان سيمون وشارل فورييه و بيير جوزيف برودون؛ تلك النظريات الاشتراكيَّة المُنتقدة للمُجتمع الرأسمالي. يستفيض د. شعبان بالشرح، والَّتي “تتخيَّل نظاماً أفضل منه عبر إقناع الأغنياء بنظامٍ أخلاقي جديد أشدُّ عدلاً، في حين أنَّ ماركس تحدَّث عن إزاحة النظام الرأسمالي الاستغلالي، وبيَّن بوضوح أنَّ النضال الطبقيِّ هو أساس كلّ تطوُّر وقوَّته المُحرِّكة. وكان هذا الاستنتاج الثاني الّذي بنى عليه اشتراكيته “الواقعيَّة“، أي القابلةِ للتحقٌّق في مُقابل الاشتراكيَّة الفرنسيَّةِ الطوباويَّة والمثاليَّة“. 

ويتلخَّص معين الماركسيَّة برُكنٍ رابع، المُستقاة من الأفكار الحقوقيَّة والقانونيَّة من كتاب “روح القوانين” للفيلسوف الفرنسي مونتسكيو.

  مِّمَّا يتبيَّن فإنَّ أفكار الماركسيَّة لم تكن إنعزاليَّة، لا بل من وجهة النظر تمثَّلت قابليتها على التوليد، لاَّنها “الوريث الشرعي” _ وفقاً لقول لينين_ لخير ما أبدعتهُ الإنسانيَّة“؛ فقد تثاقف ماركس مع جُملة التيَّارات الفلسفيَّة والنقديَّة خلال القرن التاسع عشر لمذهبه، ليُشكِّل امتداداً لأبلغ ممثلي الفلسفة الألمانيَّة والاقتصاد السياسي الانكليزي، والاشتراكيَّة الفرنسيَّة.  

المُثقَّفُ الماركسي : نهضوي كان أم هو في أزمة !

يقول د.شعبان: “وبحسب الماركسيَّة، الإنسان في جوهرهِ ذو واعية فاعلة قادرة على تغيير واقعها وذاتها، لكنَّ هذه الذَّات تضعُ التاريخ تحت ظروفٍ لا تختارها وهي لا تتحكَّم بها. فكيف يُصبحُ التاريخ رهناً بفرادة البشر الواعية؟ هذا الأمر يحتاجُ إلى تغيير البناء الاجتماعيِّ في أُطر من العلاقات الموضعيَّة“. 

يشرح د. شعبان في إحدى مقالاته: “من يريد استعادة صورة ماركس فعليه اجتراح الواقع، فقد كان ماركس الحلقة الأولى في التمركس، ولا بدّ من الاستفادة من منهجه الاجتماعي، أما تعليماته والعديد من استنتاجاته، فهي تصلح لعصره وليس لعصرنا، وقد تجاوزها الزمن، حتى وإن كانت صحيحة في حينها، وعلينا قراءة الواقع واستنباط الأحكام المنسجمة مع الحاضر والمتطلعة إلى المستقبل، لأن المرجعية هي للواقع وليست للنصوص، ولا قيمة لنظرية دون الواقع، والممارسة جزء لا يتجزأ من النظرية”.

لم يقف د.عبد الحُسين شعبان عند حدود الماركسيَّة، كما يبدو للقارئ أو السامع، لا بل هو انتهج آليات تفكيك الخطاب الماركسي المنغلق، و“أدار عمليَّة تركيبه وافتئاته مُحصَّناً بقوَّةِ الأخلاق النظريَّة الماركسيَّة، في بُعديها التأسيسيِّ والتداوليّ. كان قارئاً  نهما لأساطين هذا التوجه في أوروبا وآسيا، وعلى وجه الخصوص ذوي التوجه الفلسفي الأخلاقي، كـ : سان سيمون، وشارل فورييه، وبيير جوزيف برودون، وقبلهم هيغل وموزس هس وبرونو باور المتأثرين بأعمال الفيلسوف المادي لودفيغ فيورباخ” .

المُثقَّفُ الكونيُّ

(حركيَّة إدوار سعيد ، أنموذجاً)

يولي المُفكِّر والكاتب إدوار سعيد – الذي لم يكن ماركسيَّاً ابدأً – وٍفقاً لما صرّح بنفسه غير مرّة–  عناية لمكانيّة الفكر أو الفعل السياسيّ والثقافيّ؛ وقد انتقد، ماركس والنظرية الماركسية؛ واتَّخذ موقفاً ضدَّ الماركسيين السابقين والمُثقَّفين الذين خرجوا من الاتِّحاد السوفياتي وذهبوا إلى أميركا، تملَّقوا الأندية والصحافة ومحطات التلفزيون، مُحرِّضين على النظام السوفيتي، تأليباً للعالم ضدَّه، أو لتكسُّبٍ مالي أو منصبٍ ما.

  بالنسبة إلى إدوار سعيد، يُعدُّ هذا الموقف موقفاً وجوديَّاً ومن منطلق “مسؤولية المثقف” ومكانيّة الثقافة؛ مُحافظاً على استقلاليَّته الفكريَّة والعمليَّة، وهذه هي مسؤوليته كمثقف يبنغي له أن يقف حُكماً على مسافة نقديّة من الأنظمة.

الأمر الذَّي يؤكِّد عليه د. شعبان في توصيفِه لانهيار الماركسيَّة، يشرح: “وإذا كانت الأنظمةُ الاشتراكيَّة والماركسيَّة المُطبَّقة قد انهارت، فلأنَّها لم تكن حارسة أمينةً للفِكر الماركسيّ، نظراً لما جلبته معها من التشويهات له، الأمر الَّذي يُمكن بناءُ استنتاجاتٍ خطيرةٍ عليه. وهو ما ينطبقُ على فكرة انقطاع التاريخ الَّذي يصلُ إلى ذروتهِ، حسبما ذهب إليه فرانسيس فوكوياما في كِتابه “نهاية التاريخ الأخير“، القائل بحتميَّةِ تاريخيَّةٍ شكَّلت الوجه الآخر للحتميَّاتِ التاريخيَّة الماركسيَّة“.

ويُتابع إدوارد سعيد: “أعتقد أنَّ كلاً من ميشال فوكو وتشومسكي يتمتّع بحسٍّ استراتيجيّ بالمعرفة، بحسٍّ استراتيجي وجغرافي مُقابل الحسِّ الزمنيّ الذي ميّز أسلوب هيغل والأساليب التفكيكيَّةِ في ما بعد. أسلوب فوكو وتشومسكي أكثر مكانيّة، وأعتقد أن غرامشي مهمٌ جدًا أيضًا في هذا الإطار باعتباره وسيطًا للاثنين. كنت أبحث عن وسيلة لأقوم بذلك بصورة فعالة وبليغة.. . لم أرِد لأسلوب فوكو أو أسلوب أي شخص آخر أن يطغى على ما كنتُ أحاول تقديمه. فكرة المعرفة غير القسرية التي أنهيت بها الكتاب [الاستشراق] قُصد لها أن تكون مخالفة لفوكو“.

المدارس النقديَّة الأوروبيَّة: فاعليَُّة التأثُّر والتأثير

يتبحَّر د. شعبان في متن روافد المدارس النقديَّةِ الغربيَّة من جورج لوكاش (أطروحاته في الأدب “البنيوية التكوينية“)؛ إلى سارتر (الوجوديَّة)  إلى جاك دريدا (التفكيكية / التقويضية)؛ إلى أنطونيو غرامشي (تنظيراته عن المُثقَّف والزمن)، مُعتبراً أنَّ روجيه غارودي، هو أحد المُنظِّرين الماركسيين، ومن قادة الحزب الشيوعيِّ الفرنسيِّ، وقد تأثَّر بالأخلاقيَّة المسيحيَّة، ثُمَّ بالأخلاقيَّة الإسلاميَّة؛ “فقد تعمَّق في دراسة الماركسيَّة ومدارسها وتيَّاراتها مثلما قرأ الوجوديَّة والبُنيويَّةِ، وقد أدخل على التنظير الماركسي نزعةً إنسانيَّةً كان يفتقر إليها، وهو ما أطلق عليه دوبشيك “الاشتراكيَّة ذات الوجه الإنسانيِّ“. 

يستفيض د. شعبان، حول المسؤوليَّة الأخلاقيَّة للنَّاقد والمُفكِّر وصدماته مع الأنظمة القمعيَّة: “لعلَّ أفكار غارودي وغيره في شأن الاشتراكيَّة المُطبَّقةِ التي غالوا في “انسانيّتها“، لم تكن سوى وهم. فالسِتار الحديديِّ المضروب راح ينهار بعد تقرير خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعيِّ السوفيتيِّ، كاشِفاً مُعسكرات سخرة واستعباد ومسالخ بشريَّة، بدلاً من الاصلاح المُبهج والتمنيات الشفيفة والفردوس المنتظر؛ مُتابعاً: “كانت الطبعة الستالينيَّة من الماركسيّة ضدَّ ماركس والجدل الماركسيِّ، بحيثُ تحوَّلت الماركسيَّة عنده إلى ماركسلوجيا “أي ماركسيَّة ضدّ الماركسيَّة“، خصوصاً عندما تنغلق في دائرة نسقيَّة إرادويَّة فوقيَّة جامدة وممارسات تعسفيَّة شاملة“. 

وقد ” دافع ماركس وانجليز _ خلال حياتهما النِّضاليَّة والعلميَّة والفلسفيَّة – عن الماديَّة الفلسفيَّة، وتصدَّيا لكلِّ انحرافٍ عن هذا الاتِّجاه. وكتابَي انجليز “لودينغ فيورباخ” و “ضد دوهرينغ” أشهر من نار على علم، وقد وضعهما لينين على نفس درجة التفضيل من “البيان الشيوعي” لدى كل عامل واعي“. 

الوضعيَّةُ النّقديَّةُ ونقد النّقد

يُعطي المنهج النقديّ الماركسيّ، تفسيراً موضوعياً للعلاقة بين الأدب والمُجتمع، و عدّ الأدب واقعة اجتماعية.

ويُفرِّق تزيفتان تودوروف بين العمليَّةِ الإبداعيَّة والعمليَّةِ النقديَّةِ، ويرى أنَّ النقد هو حوار بالتقاء صورتين : الكاتب والناقد، ليس لأيٍّ منهما أي امتيازٍ عن الآخر. فالكاتب (ونصَّه المُغلق) والناقد (برؤاه النقديَّة المُحفِّزة والحوارية المنفتحة على أفقٍ مُتنامٍ). 

وفي سياق مُتِّصلٍ، فقد برز، خلال القرن العشرين، مُصطلح نقد النقد، وتنوَّعت تعاريفه، فهو حجاجيَّة اقناعيَّة تُخاطب الابداع، ونقد النقد قراءة على قراءة تتوسَّل الحجاج والاقناع. وتتلخّص الخطوات الإجرائيَّة لعمل نقد النقد بالقضايا التالية: تحديد هدف ومتن الدراسة؛ ويعمل ناقد النقد، على تبيُّن مدى مُطابقة خطوات التحليل مع الاقتراحات النظرية، مُركِّزاً على ابداء الخطأ والانحراف والتقصير. ناهيك عن التأويل والتقويم الجمالي والثقافي. 

لقد تواصلت قراءتي المُعمَّقة والنقديَّة هذه مع قراءات د. شعبان لتلك النظريات وآراء آباء النقد والثقافة، وشُرَّاحها، في هذا الكتاب، لما ينتهجُهُ د. شعبان من مُقاربات منهجية في استقرائهِ للمناهج والتيارات الفكريَّة والفلسفيَّة والأدبيَّة على اختلاف اتجاهاتها، تلك التي احتشدت في متنون الماركسيَّةِ وذهنه، فهو لم يُهمل، في عمله التحليلي، المُقاربات الدلالية والشكليَّة الجمَّة تلك التي تُعدُّ روافد مهمة للفكر الماركسي، وقدَّم تناصاً معها. كما لم يقم د. عبد الحُسين شعبان بتعداد مثالب أفكار ماركس ونظريَّته فقط، لا بل هو درسها وفنَّد توجُّهاتها، خاصة تلك الَّتي اقرَّ ماركس بلسانه بـعُنصرية ما أو حتَّى غضبه من بعض المجتمعات الأوروبيَّة زمنذاك. 

وعليه تكون هذه المرجعيات المقولية للماركسية والتمركُس والماركسلوجيا، مُتوافرةٌ في الكتاب، وهي إلى ذاك ، تستضيءُ كذلك من خلال “الجزء غير المقروء من الماركسية في : كتاب المسألة اليهوديَّة“، المبحث المتوافر في كتاب د. شعبان، ولنا في هذا مبحثُ مختلف مُستقبلاً.

وبذا لم تكن الماركسية ببُناها الاجتماعيَّة، وبُعدها الوظيفيّ السياسيّ والاقتصاديّ، مجالاً إيديولوجيَّاً على المستوى الخَطابي، بقدر ما حاولت أن تُنتِج أُفقاً معرفيَّاً مفتوحاً استهلَّت من الهيغليَّة وسواها مقولات لتُنتِج نظريَّة تكامليَّة بمقاربات تاريخية واجتماعية، بقابلية تتفتَّح على أفقِ نقدي مُتجدِّد؛ يُصوِّرها د.شعبان وكأنَّها دوائر كوكبية مكوَّنة في تيَّارات وروافد متغايرة أو مُتعانقة أو متعارضة، مُشكِّلةً من ذاتها وجوداً لا ينضب ولا ينتهي، بقابليَّة النُّقَّاد والمُثقَّفين على صياغات تكثيفيَّة، لا من خيال بل من خلال حقول معرفية وعيش حقيقي لتجربة المجتمعات التي تُنتٍجُها وتتلقاها وتستهلكها وتعتصرها، بنقد الفكر السائد والكشف عن مثالبه وعيوبه في إطارِ فهم جدليِّ، من خلال مسار الانفتاح على “الإرث” الماركسي الإبداعيِّ الَّذي هو مُساهمة جليلةٌ على صعيد تفسير تاريخ المُجتمعات والأفكار ونقدها بمنهج تفكير شبكي موضوعيّ.

ههُنا تصيرُ الثقافة فِعل خيار ذاتي وشخصي واعٍ، بما تُمليه من تثاقُفِ الإنسان العربي، و تَفتحُ أُفقاً معرفيَّاً على مروحةٍ لا نهائيَّةٍ من الإمكانيَّاتِ والخيارات الثقافيَّة، بتنوُّعِها وتباعُدها وتناقُضها وحتَّى اختلافها، كبُرهانٍ تماثُلي في المُقارباتِ النَّقديَّةِ، الفكريَّة والفلسفيّة. 

وممَّا لا شكَّ فيه يمكن اعتبار الماركسيُة مُمارسة نقدية تحمل نقدها من داخلها، في مسار التجربة النقديَّة الفكرية والثقافيَّة؛ ويُعدُّ كتاب د. شعبان “الماركسية والتمركس والماركسلوجيا“، الصادر عن دار النهار اللُّبنانيَّة الأصيلة بعراقتها، مرجِعاً مُتخَّصِّصاً في شموليَّة الرؤى وتشعُّب المحاور فيه، ما يستدعي قراءات مُتتاليَّة مستقبلاً. تلك التجربة النقديَّة تُشكِّل في ما تُشكِّله من مجالات رحبة للإتِّجاهات الفكريَّة والثقافيَّةِ والسياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والنقديَّة التوافقيّة والتعارضيّة، ومِداد نبض تفاعُلي للنُقَّاد من جميع الأقطار العربيَّة. 

د. مُنى رسلان

أستاذة باحثة في النقد الأدبي الحديث والأدب المقارن، 

أدب ما بعد الحداثة، والمنهجية، 

في كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة _ الجامعة اللبنانية

Related Posts

Andrew Parsons Becomes an Honoured Guest at Governor Hideaki Ohmura’s Distinguished Gathering in Japan

NAGOYA, JAPAN — 17 OCTOBER 2026 — A distinguished reception hosted by Hideaki Ohmura, Governor of Aichi Prefecture and President of the Aichi-Nagoya Asian Games Organising Committee (AINAGOC), brought together…

Pokhrelian Stanzas: A Paradigm Shift in the Poetry World 

  By Santosh Kumar Pokharel   pokharel.santosh@gmail.com How the Knot Was Tied  As an instant poet, I had long dreamed of introducing a poetry structure that could express a poet’s say clearly in a compact stanza with brevity. I wanted to bring something morphosemantically new into the craft. While creating a new poem, I found that a short stanza of three lines could carry a full message—and I was certain this three-liner should not imitate the haiku in any way. I began with a syllabic pattern of 1-2-1, rhyming the last line with the first. The structure looked good. This style was first named #pokhreliknots. I then extended the poem to 1-2-3-2-1 in the same manner, and kept going until I reached a twenty-five-line stanza, nominating the longer forms Vingtet and Vint-e-Cinque. The rule everywhere remained unchanged—the first and last lines mirrored each other in rhyme. This was the first triangular structure to begin from a monosyllabic line and stretch to twenty, then twenty-five lines. During composition, I discovered that repeating the central line produced a peculiar resonance across the whole stanza. I adopted this as the Morphosemantic Trapezium, with patterns such as 1-2-3-3-2-1, 1-2-3-4-4-3-2-1, and 1-2-3-4-5-5-4-3-2-1. The fundamental rule of mirroring first and last lines was now firmly in place. Then came an opportunity to present a workshop for the master’s degree students of Tribhuvan University. There I felt the need for stanzas flexible enough to carry a poet’s entire say while keeping the rhyming rule unaltered. I began forming shorter stanzas for poems and lyrics—starting from polysyllabic counts and ending each stanza on the same rhyme as its opener. It was at this stage, when the polysyllabic opener came into use, that the form became known as Pokhrelian Stanzas. These shorter stanzas looked even more aesthetic and meaningful, which led me to name the complete form Pokhrelian Stanzas: Morphosemantic Triangulum and Morphosemantic Trapezium. I was overwhelmed with joy when beautiful lyrics and poems with grave meanings could emerge from this structure. Today, poets across continents are practicing this style. The Architecture of the Knot  What began as a three-line experiment grew into a complete architecture. The Pokhrelian Stanza rests on a single, unalterable principle: the first and last lines of every stanza mirror each other in rhyme. Upon this foundation, the form unfolds in two complementary movements. The first is the Morphosemantic Triangulum—the triangular stanza that begins with a monosyllabic line, expands syllabically to an apex, and contracts back to a monosyllabic line rhyming with the opening one. From the briefest Trimetric Knot or Trentet (1-2-1) to the Pentametric Knot or Pentet (1-2-3-2-1), the Heptametric Knot or Heptet (1-2-3-4-3-2-1), and onward to the extended Vingtet and Vint-e-Cinque, each stanza forms a visual and rhythmic triangle whose central line marks the summit of the thought. The expansion and contraction of syllables is not decorative; it is morphosemantic—the shape of the stanza carries the shape of the meaning. The second is the Morphosemantic Trapezium, born from the discovery that repeating the central line produces a peculiar resonance, an echo that deepens the stanza’s emotional and semantic field. Here the pattern becomes Quadret (1-2-2-3), Hexametric Knot or Hexet (1-2-3-3-2-1), Octet (1-2-3-4-4-3-2-1), and so on. The mirrored rhyme of first and last lines remains inviolate, but the doubled centre gives the poem a lingering, reflective quality—the knot tightened twice. As the form travelled from the page to the workshop, a further need arose: stanzas flexible enough to carry a poet’s entire say while preserving the rhyming rule. Thus emerged the polysyllabic stanzas—shorter and more numerous, beginning not with a monosyllable but with a longer line, and closing each stanza on the same rhyme as its opener. Patterns such as 3-4-5-5-4-3 and 5-6-7-8-8-7-6-5 allowed lyrics and longer poems to breathe without surrendering the form’s discipline. These shorter stanzas proved, if anything, even more aesthetic and meaningful—compact yet complete, rhymed yet free. Together, the Triangulum and the Trapezium, the monosyllabic and the polysyllabic, constitute the Pokhrelian Stanzas. Unlike haiku, which seeks brevity without rhyme, the Pokhreli Knot is confined and rhymed—a deliberate advance over modern blank verse and the loosely worded short poem. It offers the poet a structure at once strict and spacious, capable of wit, grief, love, and meditation within the same mirrored frame. Starting from the three-liner and extending to twenty-five-line stanzas, the Pokhrelian Stanzas render an unparalleled contribution to the morphology of poetry building. The Pokhrelian Sonnets and Beyond  At the furthest reach of the Trapezium so far lies the Pokhrelian Sonnet, a fourteen-line stanza following the pattern 1-2-3-4-5-6-7-7-6-5-4-3-2-1. This is the morphosemantic trapezium in its most extended form: the syllables climb from one to seven across seven lines, pause at the doubled seventh line—the apex where the resonance deepens—and then descend symmetrically to a monosyllabic close that rhymes with the opening word. The ascent gathers; the doubled centre holds; the descent releases. Meaning is carried as much by the architecture as by any single line. Sonnet Knot (1-2-3-4-5-6-7-7-6-5-4-3-2-1) Morphosemantic Trapezium March 30, 2024. Nepal. Naive Love’s boon From yonder Shall happen soon As liable, who should Give them the silver spoon My eyes are there for her Issues shall not me deter If love’s perfect and pure…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *