مرّ أكثر من ربع قرن عن آخر زيارة لروسيا، ذلك البلد الهائل العصي عن التفكيك، ولكن اكتشفت أن البلاد لا تتغير هي بقدر تغير زائرها، ففي زيارتي الأولى كنت شاباً أقفز فوق الغيوم بينما كانت زيارتي الثانية وأنا على مشارف أن أكون “جدو” لا أقفز ولا هم يحزنون، وهذا زينٌ وشين..
في الرحلتين، نادت لي روسيا بغتةً ولبّيتها على آخر نفس مقدّماً زيارتها على بقية الأعمال والأشغال، إنها رموزي ومفرداتي الأولى التي لا مفرّ منها، آنا كارنينا، الأم، الحرب والسلام، الأخوة كرامازوف، و“رانيا” راقصة الباليه التي عرفتها في باب شرقي بدمشق ورقصت على كل أعصابي، قبل أن تغادرني إلى مسرح البولشوي في موسكو وتختفي ككل قصص الحب..
أنا حدسي ومرتجل، لا أحب السفر الجاهز ولا المعلّب، لا أحب تطبيقات السفر مثل “بوكينغ” و“ويجو” و“أوبر” وخلافه، أترك الحدس والصدف والمفارقات أن تصنع مشهد رحلتي، ولهذا أخطار جمة ولكن لها محاسن لا يمكن شرحها.
وصلت صباح يوم أيلولي دافئ بالنسبة لموسكو، وركبت مع سائق تكسي من باب المطار كما كنا نفعل في الثمانينيات، ركبت أنا وحظي، وحظي وأعرفه، كان السائق قد تناول 750 ميللي من الفودكا “ع الريق” ولم يفاصلني ولم أفاصله، إذ كان يهتز كشجرة فيها “قرقور“، اكتفيت برمي جثتي معه بعد رحلة طويلة وترانزيت طويل. في منتصف الطريق طلب مبلغاً خيالياً، وكدنا نشتبك بالأيدي، وحين عرف أنني من سوريا قال لي: أصلاً أنتم مثلنا عنيدون وشرسون وتشترون المشاكل “بمصاري“، قالها بالروسي وأصرّ على ترجمتها لي بتطبيق “جوجل ترانسليت“، التطبيق الوحيد الذي أحبّه، أجبته: أي نوع فودكا هو الأفضل محلياً؟
تبدأ الصرامة الروسية تظهر بكل معطياتها منذ أن تصل إلى حدودها، لا أحد يبتسم أبداً، فهمت لاحقاً أن هذا جزءاً من ثقافتهم عكس الأوروبيين، إنهم هنا يعدّون التبسّم للغرباء قلّة أدبٍ ونفاق لا مبرر له، إلى جانب أنهم يرون التبسّم المجاني هو إسراف بالمشاعر التي يحتاجها الأقارب! على العموم، يأتي الروس والأتراك والألمان في آخر قائمة الشعوب المضحكة في العالم. وأظن أن تلك القائمة عادلة جداً. إلا أنني أحبّ الروس جداً، ودائماً ما أقول أن تلك الشعوب التي تتشاغل عن التبسّم لديها ما تفعله! وهو ما يوافقني عليه الكاتب واللساني الإسباني “رافائيل سانشيز فرلوسيو” الذي يتحدث في فصلٍ موسعٍ عن الطرافة كنسق، ويشرح التظارف الممجوج في كتابه الهائل “القادم أسوأ“، إذ يقول: “عندما تتحول الفكاهة إلى نمط، فهذا لأنها قررت الانفصال بصورة مهذبة عن الأشياء الجادة حتى تتمكن هذه الأشياء الجادة ـ بدون إحراج ـ من ممارسة طغيانها المتغطرس، وهكذا يصبح التمرّد المزعوم للفكاهة ضد الأشياء الجادة اتفاقاً سريا بالتواطؤ“. ويشير الكاتب إلى أن المتجهمين أو من نصفهم بالمتجهمين ذوي الكراهة والعبسة والقنوط والثقل، هم أكثر صدقاً من المتظارفين ممن لا يتخذون من الطرفة نهجاً عاماً كما سبق بل يتخذونها للاستعراض، وفي ذلك يقول: ” يبدو لي الظرفاء دوما ثقلاء، أما الثقلاء فيبدون لي – بكل تأكيد – مزعجين طوال فترة الحوار، ولكن بمجرد إنتهائه؛ يكتسبون احترامي وودي. فمثلاً، المسافر الذي يدخل إلى القطار فيقول مساء الخير ثم لا يرفع رأسه أو يكترث بالركاب طيلة الرحلة، وعند المغادرة في محطته يقول: أتمنى لكم رحلة سعيدة، هذا الرجل يثير بداخلي قناعة أنه في حالة تصادم القطار أو خروجه من مساره سوف يتصرّف بأسمى معاني النبل والإنسانية والبطولة، بينما الثرثار الذي لم يكفّ طيلة الرحلة عن الضحك والابتسام وـ ياللهول – عن إلقاء النكات والتودد للجميع؛ فلن يصدر عنه في ظروف مماثلة إلا أكثر التصرفات إثارة للخجل في مشهد هيستيري جبان. الثقل هو نفور من الادّعاء والتظاهر“.
الروس من هذا النوع، لا يتبسمون مجاناً ولا يلقون النكات مجاناً ولا يديرون رأسهم إلا أن كانوا يعنون ذلك حقاً. تلك الصلافة الظاهرة، تخفي تحتها التزاماً عميقاً.
أنا مدعو لمؤتمرٍ تقيمه جمعية شعوب العالم حول السلام فيه 5000 ضيف من 150 دولة، إنه أضخم حدث أدعى إليه في حياتي، وكان أحد أسباب مجيئي هو أن أعرف كيف ستدير الشركة المنظمة كل هؤلاء الضيوف دفعةً واحدة؟ كنت من بين المتحدثين المئة، حيث قدمت ورقة بحث عن دور الصحافة في الجمع بين الشعوب ونبذ خطاب العنف والكراهية.
وصلت الفندق لأتفاجأ برجلٍ عراقيٍ وسيم يفتح يديه على اتساعهما ويقول أمام جمع من العرب: “يا الله.. كبرنا مثل إشاعةٍ في قرية.. مرّ العمر من حارتنا.. رمى لنا قبلةً في الهواء من بعيدٍ.. وراح“! إنها قصيدة قديمة لي.. لقد بدد هذا العراقي وحشة اللغة الروسية المتوحشة التي لاحقتني إلى أن وصلت الفندق، تلك اللغة المليئة بالخاء والشين والكاف، كصوت خرطشة الكلاشينكوف!
د. فؤاد السعدي، الأكاديمي العظيم، أعرفه بالاسم والتقيته اليوم، عانقته وقبّلت فيه بغداد وعارف وعامر وحازم وحميد وزعيم ومفيد وبقية أحبتي. وضعت حقيبتي في الغرفة وهرعت إلى الساحة الحمراء، ما زال اليوم في أوله وأنا لا أنام في السفر، كالبقّ تماماً، كان د. أشرف أبو اليزيد لم يصل بعد، صديق عمري الذي دعاني عن منظمة طريق الحرير، وحامل لواء الأدب العربي إلى العالم بحق، كتابةً وترجمةً وتبادلاً ثقافياً، وكانت رؤياه من أهم أسبابي لتلك الزيارة.
دوماً أستطلع آراء من أثق برأيهم حول “البقع الاجتماعية الداكنة” – على حد تعبير نيتشه– تلك التي لا نراها كسائحين في كل بلد، سألت د. عبدالله عيسى، شاعر فلسطين الكبير وصديقي الحبيب الذي احتفى بي وبالشام معاً وآنسني في رحلتي، ماذا يميز الروسي: قال لي هادئ جداً ومهادن ومتعاون، لكن لا تجور عليه أو تتحداه، سترى الدب الروسي بكل معنى الكلمة. فهو إن تقدّم لا يعود. فكّرت بلعبة قمارٍ قديم اسمها “روسية” أو “البوكر الروسي“، والتي غالباً ما تنتهي بسحب سلاح أو جلطات على أقل تقدير. هذا إلى جانب مصطلح “الروليت الروسية” وهي لعبةٌ دمويةً قيل إن الضباط الروس كانوا يلعبونها أيام الملل في سيبيريا، إذ يديرون بكرة مسدس فيه طلقة واحدة، ويضغطون الزناد بالدور حتى تقتل تلك الرصاصة الوحيدة أحدهم.
بصراحة، جئت من أجل المتاحف والفن هنا، لا يعني لي الظاهر الحربي والنجوم المنتشرة ورائحة الجيش الأحمر في كل مكان! المتاحف حالة أخرى في موسكو، إنها جزء أصيل من تكوينها المدني والاجتماعي والثقافي، ويحتاج إلى أشهر لاستكمال تلك المجموعة البهية من المتاحف، وأعتقد أن ثمة متاحف لا يجب تفويت زيارتها كمتحف لينين، حيث ما زال مسجّىً بكامل بهائه، بسكسوكته الحمراء وبدلته الرمادية وربطة عنقه المنقطة. لقد طلب لينين في وصيته أن يدفن في الأرض بعد موته، ولكن آلاف الرسائل ناشدت الحكومة تطالب بالمحافظة على جثة القائد لتراها الأجيال من بعده، وبالفعل تم تحنيط الجثة ووضعها في هذا المكان قرب الكرملين لزيارتها، وتخرج الجثة كل عام ونصف لتغسل غسيلاً كيماوياً وتكوى بدلته وتعاد إلى مكانها في فضاء لا يمكنك كزائر التحدث فيه أو التدخين أو الضحك!
وفي تجربةٍ مرعبةٍ، زرت متحف القلعة النووية أو قلعة الحرب الباردة Bunker-42 وهي دهليز تحت الأرض بني تحسباً لأي قنبلة نووية تصيب البلاد، المتحف هو جزء من تلك الغرف السرية التي تفتح أبوابها للزوار. وهو قريب من الكرملين كي يصل إليه ستالين والمسؤولون الحكوميون بسهولة وسرعة إن احتاج الأمر! هذا وبالطبع لا يجب تفويت زيارة محطات مترو موسكو الأشبه بقاعة عرض في أجمل المتاحف.
أما عن النُصب، فمنحوتات المدينة هي نصبٌ بالغة الجمال ولافتة جداً، وقد وقعت في غرام نصبٍ من أغرب ما رأيت في حياتي، إذ قام النحات الروسي الشهير ميخائيل شيميكين بترك منحوتة جنوب الكرملين، سمّاها “ضحايا الرذائل البالغة“، وهي منحوتة مكونة من 13 شيطاناً يحيطون بطفلين يلعبان، والمقصد منها وجوب حماية الأطفال من الشر الذي يأتي على ثلاثة عشر شكلاً، ملتفة حول الطفلين هي: إدمان المخدرات، البغاء، السرقة، إدمان الكحول، الجهل، العلوم الزائفة كالسحر والتنجيم، ست رذائل يتوسطها مجسمٌ أكبر من إخوته يجسد اللامبالاة ثم يكمل الدائرة بست رذائل أخرى: الإعلام الغوغائي والمضلل، العنف والتعنيف والسادية، الكسل والغياب الوعي، استغلال عمالة الأطفال، الفقر، وأخيراً الحرب.
وبدقة لا توصف، يصور كل شيطان بصورته الموكل بها بحيث لا تحتاج إلى شرح معه، ويقف في محور الشياطين الذين يشكلون دائرة حول الطفلين تمثال رجلٍ يعلوهم جميعاً يرى كل هذا ولكن يصم أذنيه ويغمض عينيه ويضم يديه، وهو رمز اللامبالاة وإهمال أطفالنا.
شيميكين لديه نصب آخر مثير للجدل في بطرسبورغ جسّد فيه بطرس الأول يجلس على كرسي من البرونز بنسب كاريكاتورية برأس صغير اعتمد على الشمع الذي صنع منه قناع موت الامبراطور، وجسد طويل جداً دليل توسعاته العسكرية التي لا يمكن أن تجزم أنها صحيحة! العملان شهدا موجة هائلة من الجدل العام ولكن في آخر الأمر نصبا في أهم ساحتين في روسيا.
نصبٌ أخر لا بد من رؤيته، وهو نصب الكلب مالكشيك، وهي قضية شعبية عن كلب صغير كان يعيش في المترو ويطعمه العاملون والمارون وأصحاب المحال هناك، وكان صديقاً لعمال سكة الحديد وودوداً بشكل لا يصدق، وفي يومٍ من الأيام طعنته امرأة بوحشية في الظلام ورآى شبحها أحد أصحاب الأكشاك ولكن لم يتمكن من إنقاذه، فيما بعد تولت صحفية استقصائية من جريدة إز فستيا مهمة التحقيق بالقضية وتوصلت إلى أن عارضة أزياء اسمها رومانوفا هي القاتلة، وتبين أنه تم تشخيصها بمرض الفصام وهي مراهقة، وقد أبدت لامبالاتها أيضاً حينما اتصلت بها المراسلة لإخبارها بنتيجة التحقيق. القضية أثارت الرأي العام واشترك في تلك الحملة نجوم روسيا الرياضيون والسينمائيون وأصبحت قضية رأي عام لحماية الكلاب الضالة في المدينة، فأقيم نصبٌ في المكان الذي قتل مالكشيك في المترو، وحتى هذه اللحظة يمرّ به عمّال المحطة ويربّتون على رأسه ويضعون له أكاليل الزهور. وبهذا يكون نصب هذا الكلب بشهرة نصب الكلبة “لايكا” رائدة الفضاء وأول حيوان يخرج إلى الفضاء الخارجي، تلك الكلبة التي ماتت بسبب تفكك المركبة لتصبح رمزاً أيضاً للكلاب الشاردة وتدويرها إلى كائنات نافعة، فقد أخذها رواد الفضاء من الشارع ودرّبوها فكانت شعلة ذكاء وأوكلوا لها مهمة خارجية ولكنها للأسف قضت نحبها. وما زال نصبها المقام على بوابة إحدى المنشآت العسكرية مزاراً كبيراً للسياح والروس على حدٍ سواء.
في زيارتي الأولى دونت تلك الملاحظة: “تبدأ المدينة لدى كل السائحين من الميدان الأحمر، أو ساحة الكرملين، إحدى أجمل ساحات العالم، ولأول مرة في حياتي أبدأ سياحتي كخلق الله، من تلك الساحة، ذلك أنني في شوق عارم لأعرف ما هو هذا المبنى التي تبدو قببه كالآيس كريم؟ أي طفولية وأي جمال معماري هذا؟ إنها كاتدرائية القديس باسيل، واللطيف بالأمر أن من أمر بإنشائها هو إيفان الرهيب، أحد أكثر الحكام الروس دموية، هذا يفسر كل تلك البهجة، يا لتلك المفارقة التي تصنعها الفنون!”.
كراسنيا بلوشتشاد، اللفظ الروسي للميدان، وكراسينا تعني الأحمر أو الجميل، ولكن صفة الأحمر أقرب، ذلك لأن إيفان الرهيب ارتكب هنا مجزرةً دمويةً مشهودةً بسبب وفاة زوجته كما يروى، زوجته الشركسية التي ماتت في ظروف غامضة، وأشارت أصابع الاتهام إليه بأنه سممها، ولكنه حقق مع العديد من المتّهمين ومثّل بجثثهم لمجرد الظن أو إبعاد الشبهة!
على العموم، فإن حالة “إيفان الرهيب” هي حالة ديكتاتورية تدرّس، فإيفان هذا، هو أول أباطرة روسيا وعاهل مملكة موسكوفيا، وهو من توسّع ببلاده لتصبح بهذه المساحة الشاسعة، فضم سيبيريا وبلاد تترستان، وإليه يعزى أحد أقسى أنظمة التعذيب والقمع في العالم، حتى أنه قتل ابنه وحاشيته وقام بمجازر شنيعة منذ أن تولى الحكم وله من العمر ستة عشر عاماً، واستمر على هذا البطش حتى وفاته وهو يلعب الشطرنج في الرابعة والخمسين! ولكن الغرابة، كل الغرابة، أن الشعب يحبه جداً لدرجة التقديس حتى هذه اللحظة.
في الساحة الحمراء أعدت علاقتي مع المكان بشكلٍ عجائبي، يبدو أن الفن له لمسة سحرية دوماً تعيد تكويننا كما تحب وتنسينا الوحشية والتفاصيل المرعبة. فكرت: إنها مدينة عصيّة على التفكيك، وهذا طبيعي لمدينة غامضة وغضبها يمور تحت ثلوجها. يتندر على الروسي أنه يخفي يوم ميلاده وسنة تولده لأسباب مجهولة، لعلها تتعلق بالسحر الأسود، إلى جانب حب الروس للأسرار. حتى الماتريوشكا، الدمية اليابانية الأصل حينما وصلت إلى الاتحاد السوفيتي، جعلها الروس دميةً داخل دمية داخل دمية.. الخ. تقريباً حتى المفاصل التاريخية في روسيا غير محسومة حتى اللحظة، على سبيل المثال حريق موسكو الكبير بعد انسحاب نابليون ما زال محل جدل، ما إن كان الفرنسيون فعلوها أم السكان المحليون، الثورة البلشفية سجلت في فبراير حسب التقويم المستخدم وهي في مارس، هنالك دوماً قطعة ناقصة من هذا “البازل” المدهش، قطعة ناقصة بالعمد طبعاً.
إلا أن الكمال؛ الكمال كله، في جمال النساء الروسيات المدهش، سأسكت حرصاً على مشاعري التي انتهكت “فرد مرة” في هذا الأسبوع. قلت لأشرف أبواليزيد: ما هذه النساء يا حبيب؟ ما هذا الجمال المرعب ونحن كبرنا على التغريد والتفريد؟ أجابني: ألم تقل يوماً: لمّي الصبايا السمر يا حسراتي؟ عدّلها واكتب: لمي الصبايا الشقر يا حسراتي.
عَلِم الأصحاب والأحبة أنني في موسكو، صديقتي السورية أنيسة مراد، المثقفة الرائعة والإنسانة العظيمة، هونت علي التفاصيل الناعمة التي لم تكن بالحسبان، دعتني إلى متحف بوشكين الذي كنت أخطط لزيارته وحيداً، وفسرت لي ما كان يجب أن أعرفه وأتيت من أجله، واحتفت بي يوماً كاملاً ولا أجمل، ولا أعرف حقاً كيف أرد هذا الكرم. كذلك فعل مثقفنا السوري الرفيع، الإعلامي عبدالمؤمن حسن، الذي غمرني بكرمه ولطفه ومحبته وجاء من أقصى المدينة ليراني ويعانقني ويدعوني بكل كرم السوريين.
أحب بوشكين لأنه لم يصنع شعراً روسياً عظيماً فقط، بل ألهم كبار موسيقيي روسيا بأهم مقطوعاتهم، عدّ على أصابعك: أوبرا “رسلان ولودميلا” لميخائيل غلينكا، أوبرا “يفغني أونيغن” و“ملكة البستوني” و“يوجين أوينجين” لتشايكوفسكي، وتلك أعمال طافت العالم بشهرتها حتى أن البعض يذهب أنها سبب شهرة بوشكين في الخارج، أوبرا “بوريس غودونوف” للموسيقي الرائد موديست موسورسكي، أوبرا “روسالكا حورية البحر” التي لحنها دارغوميزسكي واتخذت شهرة عالمية هائلة، الكسندر دارغوميزسكي أيضاً استلهم من بوشكين عمله الرائع “الضيف الحجري” المكتوبة حول حياة “دون جوان“، والتي مات قبل تدوينها، حيث أوكل هذا للموسيقي الكبير ريمسكي كورساكوف من استلهم أيضاً من بوشكين مقطوعته الأوركسترالية “روسلان ولودميلا” وأوبرا الديك الذهبي، أما سيزار كوي فقد لحّن “سجين القوقاز” إلى جانب “وليمة في زمن الطاعون” كأوبرا من مقطع واحد، ثم لحن أوبرا “ابنة القبطان“.
رخمانينوف، أحبّ موسيقي روسي إليّ، لحّن بدوره أوبرا من مقطع واحد أسماها أليكو، وهي مستلهمة من الغجر لبوشكين أيضاً إضافةً إلى أوبرا “الفارس البخيل” ذائعة الصيت. سألت نفسي: أين ذهبت تلك التوءمة بين الأدب والموسيقا؟
كتبتُ في مكتبة لينين: تلك الملاحظة: كل شيء ضخم في موسكو حتى لا يأتي لهم أحد ويقول رأيت أضخم من هذا في المكسيك مثلا! الروس لا يقبلون! الشوارع ضخمة، الأبنية ضخمة، النصب ضخمة، والعناوين التي هنا مرعبة، أنا في مكان مرعب.. إن شرب فنجان قهوة بين 18 مليون كتاب سيشعرك بالحسرة إن كنت لا تقرأ الروسية، لا أعرف هذه العناوين لكنني أعرف انهم لا يكتبون عبثاً ولا يمزحون حتى في نكاتهم. في حقيقة الأمر اليوم أفهم معنى أن تكون الدول إمبراطوريات“.
آخر يومٍ في تلك السفرة المدهشة، اتصل بي شاب سوري اسمه خالد العلي، على اسم أحد أصدقائي القريبين، وهو طبيب ذائع الصيت في موسكو، احتفى بي كأخي وأكثر، وعانقني عناق من يضم البلاد إلى صدره، قلت له: أفرح وأنا أرى سورياً ناجحاً مثلكم، فأجابني: لقد قلت يوماً أنت: أعطِ السوري أغنيةً واحدةً لوحشة الطريق يا حادي.. سيكمل إلى حيث تريد المدائن.. ستخضرّ البوادي“.







