متحف دارنا يحتفي بالفنان السريالي الكبير الدكتور محمود خفاجي ويطلق اسمه على قاعته الأولى

عبد الرازق عكاشة: خفاجي صاحب مدرسة سريالية رومانسية متفردة.. وفنان صنع جغرافيا تشكيلية مفتوحة على اللامتخيل

القاهرة – 31 أكتوبر 2026

في احتفالية فنية وثقافية احتضنها متحف دارنا بالقاهرة، جرى تكريم الفنان التشكيلي الكبير الدكتور محمود خفاجي، تقديرًا لمسيرته الإبداعية وإسهاماته في تطوير الفن التشكيلي والسريالي العربي، وإطلاق اسمه على القاعة الأولى بالمتحف، تخليدًا لمكانته الفنية واعترافًا بما قدمه للحركة التشكيلية على امتداد عقود.

وشهدت الاحتفالية حضور عدد من المثقفين والفنانين والإعلاميين، من بينهم أسامة أبو طالب، وأحمد عبد الحميد، وعبد الله أبو اليزيد، وحامد الخولي، وإيهاب عياد، وأحمد حسين، وإيمي السيد، وعبد العزيز، وسام خفاجي، وتوفيق هلال، إلى جانب محبي الفنان وتلاميذ تجربته.

وكانت الاحتفالية مناسبة لاستعادة تجربة فنية استثنائية، لا تتوقف عند حدود اللوحة السريالية، بل تمتد إلى أسئلة الخيال والوعي الإنساني، وعلاقة الفن بالمسرح والسينما والتاريخ والذاكرة.

عبد الرازق عكاشة: خفاجي يتربع على عرش السريالية الرومانسية

وفي قراءة نقدية مطولة لتجربة الفنان المكرَّم، قدم الفنان العالمي عبد الرازق عكاشة، مؤسس متحف دارنا، رؤية فنية وفكرية تتجاوز الاحتفاء التقليدي، معتبرًا أن الكتابة عن الدكتور محمود خفاجي تستحق دراسات متخصصة ووعيًا مؤسسيًا متكاملًا، بالنظر إلى الدور الذي أداه في تطوير اللوحة السريالية العربية ولوحة الحامل بوجه عام.

ويبدأ عكاشة قراءته من رفض التصنيفات الفنية العامة التي تفرغ الإبداع من محتواه، موضحًا أن السريالية، مثل التجريد، ليست قالبًا واحدًا؛ فسريالية سلفادور دالي تختلف عن تجربة رينيه ماغريت، ولكل فنان مسلكه الشخصي والإنساني والفكري.

ومن هذا المنطلق، يضع عكاشة محمود خفاجي على عرش ما يسميه «السريالية الرومانسية»، معتبرًا أن خفاجي استطاع أن يصنع لنفسه عالمًا تشكيليًا متفردًا، تتداخل فيه الرومانسية بالخيال، وتتحول فيه الصورة إلى فضاء إنساني مفتوح.

جغرافيا اللوحة.. أفق لا تنتهي حدوده

ومن أبرز السمات التي يتوقف عندها عكاشة ما يسميه «السيطرة على جغرافيا اللوحة». فلوحات خفاجي، حتى عندما تبلغ مساحاتها أربعة أو خمسة أمتار، لا تمنح المشاهد إحساسًا بنهاية محددة؛ إذ تظل مفتوحة على أفق اللامتخيل، وتدفع المتلقي إلى استكمال المشهد بخياله وإحساسه.

إنها، وفق هذه القراءة، شراكة إبداعية بين الفنان والمتلقي؛ فالفنان يبتكر جغرافيا العمل وأبعادها، بينما يشارك المشاهد في استكشاف امتداداتها وما تخفيه من دلالات.

ويستشهد عكاشة ببعض الصور التي تتكرر في عالم خفاجي، مثل امرأة تحلق في السماء، وقط يقضم بأنيابه قطعة منها، ورجل يتحسس همسات امرأة سجنها القدر، أو يقف أمامها متسائلًا. إنها مشاهد تثير الأسئلة أكثر مما تقدم إجابات، وتكشف عن خلطة تشكيلية تجمع سحر اللون وجماليات الخط ووعي الفنان بعوالم السفر والخيال.

أعمال مسرحية بروح سينمائية

وفي محور آخر، يرى عكاشة أن أعمال خفاجي تمتلك روحًا مسرحية من الطراز الأول، إذ يشعر المتلقي أمام اللوحة بأنه يشاهد مشهدًا مسرحيًا متكاملًا، له فضاؤه المفتوح وإضاءته وسينوغرافيته وتوزيع أدواره.

فالشخصيات المرسومة ليست مجرد عناصر بصرية، وإنما كائنات تحمل أبعادًا نفسية وإنسانية واجتماعية وسياسية وثقافية. وقد تتغير شخصية العنصر الواحد من فصل إلى آخر، كما لو أن اللوحة مشهد سينمائي تتعدد مشاهده وتتحول دلالاته.

ويختصر عكاشة هذه الخصوصية بقوله إن أعمال خفاجي تمتلك «روحًا مسرحية وجسدًا سينمائيًا وإنسانيًا»، وهي صيغة تعبر عن قدرة الفنان على تحويل المساحة التشكيلية إلى عالم درامي نابض بالحياة.

اللون والخط.. مدرسة الخفاجية

ويتوقف عكاشة عند قدرة خفاجي على إدارة العناصر الكثيرة داخل اللوحة، والتوفيق بين ضخامة المساحة وتصارع الأفكار، دون أن يفقد الخط تماسكه أو اللون نقاءه.

فبينما يرتبك بعض الفنانين أمام كثافة العناصر وتعدد الأفكار، ينجح خفاجي في الحفاظ على لون نقي واضح، خالٍ من الشوائب البصرية، وخطوط تملك جمالياتها واستقلالها.

ويذهب عكاشة إلى إمكانية تسمية هذه الخصوصية بـ**«السريالية الخفاجية»**، باعتبارها مدرسة عميقة لها ملامحها الخاصة، حيث يتحول اللون إلى غذاء روحي مكمل لجماليات الرسم، ويصبح الفنان سيدًا لعناصره، قادرًا على السيطرة على أفكار المتلقي ومغازلة مخيلته.

رحلة فنان وتأثير يتجاوز الحدود

وفي استعادة شخصية لتاريخ علاقته بالفنان، يروي عكاشة أن أول عمل شاهده لخفاجي كان في مكتب عميد كلية التربية الفنية بكفر الشيخ، حيث لفت انتباهه عمل نحتي مميز. ومنذ تلك اللحظة ظل يبحث عن تجربة خفاجي ولوحاته التي استقرت في وجدانه، حتى نجح في دعوته وتكريمه في صالون الخريف بالقاهرة عام 2013.

ويشير عكاشة إلى أن خفاجي، المولود عام 1939، لم يكن مجرد فنان صاحب تجربة تشكيلية مهمة، بل كان شخصية مؤثرة في الحياة الثقافية الخليجية، بعدما هجر التدريس وسافر مبكرًا إلى الخليج، ليشارك بوعيه وخبرته في صناعة القرار الثقافي، ويسهم في تطوير الحركة الفنية هناك.

ويؤكد أن تأثيره امتد إلى فنانين في الكويت والعراق ودول الخليج، حيث أدى دورًا قياديًا في تطوير تجارب تشكيلية عديدة، وأسهم في تكوين مسارات فنية أصبحت لاحقًا ذات حضور بارز.

كما يرسم عكاشة صورة إنسانية للفنان، الذي اكتشف خلف تجربته الفنية الضخمة قلبًا بسيطًا وطيبًا، يشبه قلب طفل عاشق ورومانسي، لكنه قد يبدو أحيانًا كالصقر الجريح حين تتحطم ألعابه، في إشارة إلى حساسيته المفرطة وارتباطه العميق بعالمه الإبداعي.

ويختتم عكاشة رؤيته بالتأكيد على أن محمود خفاجي قيمة إبداعية كبيرة تستحق التقدير المؤسسي، معتبرًا أن تجربته جديرة بمكانة أرفع في تاريخ الفن التشكيلي العربي.

متحف دارنا.. التكريم بوصفه حفظًا للذاكرة الفنية

لم يكن إطلاق اسم الدكتور محمود خفاجي على القاعة الأولى بمتحف دارنا مجرد لفتة احتفالية، بل حمل دلالة تتصل بدور المؤسسات الفنية في حفظ الذاكرة الإبداعية والاعتراف بأصحاب التجارب التي تركت أثرًا ممتدًا في أجيال من الفنانين.

وبهذا التكريم، يضيف متحف دارنا اسمًا جديدًا إلى ذاكرته الفنية، مؤكدًا أن الاحتفاء بالفنانين الكبار لا ينبغي أن يقتصر على استعادة أعمالهم، بل يجب أن يمتد إلى قراءة تجاربهم وتوثيق تأثيرهم وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة لاكتشاف عوالمهم.

فالدكتور محمود خفاجي، في قراءة عبد الرازق عكاشة، ليس مجرد فنان ينتمي إلى السريالية، بل صاحب عالم تشكيلي له جغرافيته الخاصة، ومسرحه الإنساني، ولغته اللونية، ورومانسيته التي تفتح أبواب اللوحة على ما لا نهاية له.

القاهرة – متحف دارنا

Related Posts

Botswana International Poetry Festival 2026 to Bring Together Global Poetic Voices in a Six-Day Celebration of Literature, Cultural Heritage and Environmental Awareness Poets and cultural figures from Botswana, South Africa, Greece, Spain, Kurdistan and other parts of the world will gather in Molepolole from 23 to 28 November 2026

 Poets and cultural figures from Botswana, South Africa, Greece, Spain, Kurdistan and other parts of the world will gather in Molepolole from 23 to 28 November 2026. MOLEPOLOLE, BOTSWANA —…

مع الفنانة التشكيلية  رحاب فاروق: أحمل شغفًا بالفنون والتراث والكتابة 

مع الفنانة التشكيلية  رحاب فاروق   حاورها: طارق العمراوي  الفنان الذي ينغلق على تجربته يفقد تدريجيًا قدرته على اكتشاف آفاق جديدة             س1كيف تقدمين الفنانة التشكيلية رحاب فاروق ؟  أرى نفسي إنسانة تبحث عن الجمال في التفاصيل التي قد تمرّ أمام الآخرين دون أن يلتفتوا إليها ؛ فالفن بالنسبة لي ليس مجرد ألوان تُوضع على سطح ، بل طريقة في رؤية العالم وقراءته والتعبير عن مكنوناته . أنا فنانة تشكيلية ، ومعلمة لغة إسبانية ، وكاتبة لمقالات خاصة بأدب الرحلات وأؤمن بأن المعرفة والفن جناحان لروح واحدة ، وأن الفنان الحقيقي لا يتوقف عند حدود لوحته ، بل يمتد اهتمامه إلى الإنسان والثقافة والتراث وكل ما يمنح الحياة معناها . أحمل شغفًا بالفنون والتراث والكتابة ، وأجد في أدب الرحلات مساحة لاكتشاف الإنسان والمكان والذاكرة. وربما لهذا لا أرى نفسي مجرد صانعة أعمال فنية ، بل إنسانة تحاول أن تترك أثرًا جميلًا ، وأن تجعل من الفن جسرًا يصل بين الماضي والحاضر ، وبين المعرفة والإحساس. س2ما هي المدارس والرموز التشكيلية التي أثرت وساهمت في نحت رؤيتكم مصريا وعالميا  بخصوص تأثري بالمدارس لا أعتقد أن رؤية الفنان تُصنع من مدرسة واحدة ، بل تتشكل عبر تراكمات بصرية وإنسانية وفكرية. لقد استوقفتني قدرة الفن المصري القديم على اختزال المعنى في الرمز ، وتحويل المعتقد والذاكرة إلى صورة باقية عبر آلاف السنين ، كما يستهويني ما في الفن الإسلامي من إيقاع هندسي وزخرفي وأعشق تفاصيل الفنون بالعصرالإسلامي بالأندلس ، وما تحمله الفنون من صدق وثراء بصري هائل س3هل تواكبين التجارب التشكيلية الأخرى والمتابعة النقدية لما يُعرض في الأروقة؟ بالتأكيد ، فالفنان الذي ينغلق على تجربته يفقد تدريجيًا قدرته على اكتشاف آفاق جديدة. متابعة المعارض والتجارب المختلفة تمنحني فرصة للتأمل والمقارنة والتعلّم ، و لفهم التحولات التي يشهدها الفن ، وكيف تتغير لغة التعبير من جيل إلى آخر. وأتمنى أن تتسع المساحة الممنوحة للنقد الجاد في حياتنا الفنية، وأن يصبح الحوار حول الأعمال أكثر حضورًا ؛ لأن المعرض لا يكتمل في رأيي بمجرد تعليق اللوحات على الجدران ، بل يبدأ جزء مهم من رحلته حين يلتقي العمل بعين واعية وعقل متأمل. س4 كيف تعلقون على حضور بعض الرموز التاريخية والأثرية في لوحاتكِ ، كالمعبودات المصرية القديمة ورموز الأسرة العلوية وغيرها؟   أتعامل مع الرمز التاريخي باعتباره كيانًا حيًا في الذاكرة، لا مجرد عنصر زخرفي أو استدعاء لزمن مضى. فالمعبودات المصرية القديمة، وما ارتبط بها من دلالات كونية وروحية، تحمل خلفها منظومة كاملة من التصورات عن الحياة والموت والطبيعة والخلود. وكذلك فإن رموز الأسرة العلوية وما يرتبط بها من مقتنيات وزخارف وفنون تعكس جانبًا من تاريخ المجتمع المصري وتحولاته وذائقته البصرية. ما يجذبني في هذه العناصر هو قدرتها على اختزال زمن كامل داخل تفصيلة صغيرة؛ فقد تحمل وحدة زخرفية واحدة حكاية عصر، وقد يتحول أثر مادي إلى نافذة نطل منها على حياة أشخاص عاشوا قبلنا بقرون. وأحب أن أتعامل مع هذه الرموز بوعي واحترام لمرجعيتها التاريخية، ثم أعيد قراءتها فنيًا بما يمنحها حضورًا معاصرًا. فالماضي بالنسبة لي ليس مكانًا نعود إليه هربًا من الحاضر، بل ذاكرة نستمد منها أسئلتنا ونبني بها رؤيتنا للمستقبل. حضرتك طبعا اختصر وانتقي حسب المساحة المتاحة تخير الخلفية الافضل للطبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *