دكتور حسين عبد البصير
بدأت رحلتي مع الآثار المصرية القديمة في خريف عام 1990، عندما التحقت بكلية الآثار بجامعة القاهرة. كانت تلك بداية مرحلة جديدة في حياتي، لم أكن أعرف آنذاك إلى أين ستقودني، لكنني كنت أحمل شغفًا كبيرًا بتاريخ مصر القديمة، ورغبة حقيقية في اكتشاف أسرار حضارتها وفهم الإنسان الذي صنعها.
في سنوات الدراسة الجامعية، تبلورت علاقتي بعلم الآثار، ولم تعد الحضارة المصرية القديمة بالنسبة إليّ مجرد مجموعة من الملوك والأهرامات والمعابد والمقابر، بل أصبحت عالمًا إنسانيًا متكاملًا يستحق البحث والتأمل والفهم. وبعد تخرجي في كلية الآثار بجامعة القاهرة عام 1994، بدأت العمل في مجال الآثار المصرية القديمة، وكانت منطقة آثار الهرم من أولى محطاتي المهنية المهمة، تحت قيادة أستاذي عالم الآثار المصري العالمي الدكتور زاهي حواس.
أتاحت لي تلك المرحلة فرصة العمل الميداني والمشاركة في الحفائر والاكتشافات الأثرية، سواء في منطقة الجيزة أو سقارة أو الواحات البحرية بالصحراء الغربية. وفي سقارة، شاركت في أعمال الحفائر بجبانة الملك تتي من الأسرة السادسة، وفي الاكتشافات المرتبطة بهرمي الملكتين إيبوت وخويت، زوجتي الملك تتي. وكانت سنوات العمل في الواحات البحرية من التجارب التي تركت أثرًا عميقًا في تكويني المهني، إذ عشت عن قرب أجواء الاكتشاف الأثري والعمل في الصحراء، وتعلمت أن علم الآثار يحتاج إلى الصبر والدقة والمثابرة والقدرة على قراءة الشواهد الصغيرة التي قد تقود إلى اكتشافات كبيرة.

كان طموحي العلمي يتجاوز حدود العمل الميداني، فقد أردت أن أدرس الحضارة المصرية القديمة دراسة أكاديمية متعمقة، وأن أتعرف إلى أحدث المناهج العلمية في دراسة آثار مصر والشرق الأدنى القديم. وبفضل منحة دراسية حصلت عليها بمساعدة أستاذي الدكتور زاهي حواس، سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراساتي العليا في جامعة جونز هوبكنز العريقة بمدينة بالتيمور في ولاية ميريلاند.
كانت تجربة الدراسة في جونز هوبكنز واحدة من أهم المحطات في حياتي. حصلت على درجة الماجستير عام 2004، ثم درجة الدكتوراه عام 2009 في دراسات الشرق الأدنى، مع التخصص في علم المصريات. وقد أتاحت لي الجامعة فرصة التعمق في دراسة التاريخ والآثار المصرية القديمة، والتعرف إلى مناهج البحث العلمي الحديثة، والعمل في بيئة أكاديمية دولية تجمع باحثين من ثقافات وتخصصات متعددة.
لم تكن تلك السنوات مجرد رحلة للحصول على درجات علمية، بل كانت تجربة لتوسيع الأفق وإعادة النظر في كثير من الأسئلة المتعلقة بالحضارة والتاريخ والإنسان. وتعلمت خلالها أن الباحث الحقيقي لا يتوقف عند حدود تخصصه، وأن المعرفة لا تنمو إلا بالحوار والانفتاح والبحث المستمر.
وخلال مسيرتي الأكاديمية، أتيحت لي فرص التدريس وإلقاء المحاضرات في عدد من المؤسسات والجامعات الدولية، من بينها جامعة جونز هوبكنز، وجامعة أريزونا، وجامعة السوربون الرابعة. كما أصبحت عضوًا دائمًا في المعهد الألماني للآثار بالقاهرة، وشاركت في العديد من المؤتمرات والندوات والمشروعات البحثية داخل مصر وخارجها.
وبعد عودتي إلى مصر، واصلت عملي في المجلس الأعلى للآثار، وتوليت مسؤوليات علمية وإدارية في مواقع ومؤسسات أثرية مهمة. ومن المحطات البارزة في مسيرتي تولي الإشراف العام على المتحف المصري الكبير خلال الفترة من 2011 إلى 2013، وهي تجربة أعتز بها كثيرًا، لأنها أتاحت لي المشاركة في العمل داخل أحد أكبر المشروعات الحضارية والثقافية في تاريخ مصر الحديث.
وقد ظل المتحف المصري الكبير بالنسبة إليّ مشروعًا يتجاوز فكرة إنشاء متحف جديد؛ فهو رسالة حضارية مصرية إلى العالم، وتأكيد على قدرة مصر على تقديم تراثها الإنساني والعلمي والفني في صورة تليق بعظمة حضارتها وتاريخها.
ومن المحطات المهمة في مسيرتي كذلك عملي مديرًا لمتحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، حيث وجدت نفسي أمام تجربة تجمع بين الآثار والمعرفة والثقافة والبحث العلمي والتواصل مع الجمهور. فالمتحف داخل المكتبة ليس مجرد مكان لعرض القطع الأثرية، بل فضاء للحوار بين الماضي والحاضر، وبين التراث والمعرفة المعاصرة.
ومن خلال عملي في مكتبة الإسكندرية، سعيت إلى تطوير دور المتحف بوصفه مؤسسة علمية وثقافية وتعليمية، وإلى تقديم مجموعاته الأثرية المتنوعة للجمهور المصري والدولي، وربط القطع الأثرية بالسياقات التاريخية والحضارية التي أنتجتها. كما اهتممت بتطوير المشروعات البحثية والمعارض والأنشطة التعليمية والتواصل مع المؤسسات والمتاحف والجامعات العالمية.
وعلى امتداد هذه الرحلة، لم يتوقف اهتمامي عند حدود علم المصريات بمعناه التقليدي. فقد اتجهت تدريجيًا إلى التاريخ والفلسفة والأدب والكتابة الروائية والفكرية، لأنني أؤمن بأن دراسة الآثار هي في جوهرها دراسة للإنسان. فالأثر ليس حجرًا صامتًا، بل شهادة على عقل الإنسان ومشاعره ومعتقداته وطموحاته وقدرته على الإبداع.
ومن هنا أصبحت الكتابة جزءًا أساسيًا من مشروعي الفكري. أكتب في التاريخ والحضارة المصرية القديمة، وأهتم بقضايا الإنسان والدين والفلسفة والثقافة والأدب، وأسعى إلى تقديم المعرفة التاريخية والعلمية بلغة تجمع بين الدقة والمتعة والوضوح، وتخاطب المتخصص والقارئ العام والشباب.
وأؤمن بأن الكتابة مسؤولية، وأن القارئ يستحق دائمًا أفضل ما يمكن أن يقدمه الكاتب. لذلك أضع القراء أولًا، وأسعى في كل عمل جديد إلى تقديم فكرة مختلفة، ومعلومة موثوقة، ورؤية إنسانية، وصوت أدبي يحمل بصمتي الخاصة.
لقد بدأت رحلتي من كلية الآثار بجامعة القاهرة، وامتدت إلى مواقع الحفائر في الجيزة وسقارة والواحات البحرية، ثم إلى قاعات الدراسة والبحث في جامعة جونز هوبكنز، وصولًا إلى مؤسسات علمية وثقافية في مصر والعالم. وبين هذه المحطات، ظل السؤال الأكبر الذي يشغلني هو سؤال الإنسان: كيف عاش؟ وكيف فكر؟ وماذا آمن؟ وماذا ترك وراءه؟ وكيف استطاع أن يصنع حضارة تبقى حاضرة في ضمير العالم بعد آلاف السنين؟

أرى أن مصر ليست مجرد موضوع أدرسه أو حضارة أتخصص فيها، بل هي عالم كامل أنتمي إليه وأحاول فهمه وتقديمه للعالم. وكلما تعمقت في دراسة مصر القديمة، ازددت اقتناعًا بأن الطريق إلى فهم حضارتها يمر عبر فهم الإنسان، وأن الطريق إلى فهم الإنسان يبدأ بالمعرفة والحرية والبحث والتأمل.
إنها رحلة بدأت منذ أكثر من ثلاثة عقود، وما زلت أعتبر نفسي في بدايتها؛ رحلة عالم آثار وكاتب وروائي ومثقف مصري، يحاول أن يجمع بين العلم والأدب، وبين الماضي والحاضر، وبين مصر والعالم، وأن يظل وفيًّا لشغفه الأول: اكتشاف الإنسان من خلال حضارة مصر العظيمة.





