مكتبة الرفاق المتمردين: عبد الجليل لحجمري يعيد الحياة إلى الكتب ويحرر الأدب من سطوة النسيان
بقلم: ربيعة مغوش (Rabiaa Marhouch)

في كتابه «الرفاق المتمردون» (Les Compagnons indociles)، الصادر عن دار غاليمار عام 2026، يوقّع الأستاذ عبد الجليل لحجمري رحلة معرفية شغوفة في أعماق مكتبته الخاصة، يستحضر خلالها شخصيات أدبية بارزة وأعمالاً أُجحفت في حقها، فظلت بعيدة عن دائرة الاهتمام. ومن خلال قلم الدكتورة ربيعة مرهوش، الكاتبة والناشرة والناقدة الصحفية، نقترب من قراءة نقدية تحتفي بدعوة مضيئة إلى «أن نكتب القراءة»؛ أي أن نعيد اكتشاف النصوص كي نمدّ في أعمارها، ونحرر الأدب من تراتبيات الهيمنة، ونوقظ في داخلنا الرغبة في القراءة.
يأتي كتاب الأستاذ عبد الجليل لحجمري الجديد، «الرفاق المتمردون»، الصادر ضمن سلسلة «القارات السوداء» عن دار غاليمار، والمتاح في المكتبات منذ 8 أكتوبر 2026، بوصفه دعوة إلى إطالة عمر الأعمال الأدبية، وحماية بعضها من السقوط في النسيان.
وفي خاتمة الكتاب، يلخص الكاتب مشروعه مستشهداً برولان بارت: «إن كتابة القراءة تعني أن نجعل مسموعاً ما فعلته القراءة بالنص» (خشخشة اللغة). ثم يوضح لحجمري قائلاً:
«أردت، من خلال هذه المسارات والجولات والحوارات مع رفاقي المتمردين، أن أطرح، دون مواربة، آفاق انتظاري؛ تلك الأمكنة المتحركة التي يعيد فيها القارئ كتابة النص».
وعلى امتداد الصفحات، يدرك القارئ أحياناً مدى جهله بعناوين يقدمها المؤلف باعتبارها أعمالاً أساسية، لكنها مع ذلك ظُلمت وأُهملت. ويتسلل إليه عندئذ شعور خفي بالذنب، سرعان ما يحل محله شوق إلى التعرف على تلك الكتب، مصحوباً ببعض الأسئلة: كيف، وفي أي ظروف، تنتهي بعض الأعمال إلى الاختفاء من أفقنا الأدبي؟ وبأي معايير يمكن إعادتها إلى دائرة الاهتمام؟
إن قراءة لحجمري تثير الرغبة في اكتشاف أعمال أدبية أو إعادة اكتشافها: تلك التي يتحدث عنها، وتلك التي سقطت في النسيان، وتلك التي قرأناها من قبل، وتلك التي لم نفتح صفحاتها بعد. وهذا تحديداً هو السحر الذي يمنح كتابه قوته: إثارة الفضول، وزعزعة اليقينيات، واقتراح آفاق جديدة للقراءة.
فلنفتح الكتاب إذن، ولنرَ ما الذي يخبئه لنا.
مكتبة المتمردين
ما الذي يدفع القارئ إلى إطالة حياة الكتب التي قرأها، وارتياد الدروب المطروقة في تاريخ الأدب، واستكشاف مناطقه المعتمة؟ لعل الغاية هي «تحية فن الكتابة قبل الصمت»، تلك اللحظة التي ينجز فيها الكاتب «عبوره من الكلمة إلى الصمت»، تاركاً كتابه، من الآن فصاعداً، في عهدة القراء والزمن.
حين يصمت المؤلف ويتولى القارئ المهمة، قد يولد أحياناً عمل جديد. ومن نهاية هذا المسار، أو هذه الرحلة، وُلد كتاب «الرفاق المتمردون».
ومع ذلك، ينبغي التذكير بأن الصمت لم يعد اليوم طقساً يُحتفى به في العالم الأدبي ويُلتزم به على نحو يكاد يكون مقدساً. فالكتب أصبحت تصحبها مواكب من اللقاءات والحوارات والمقابلات والظهور الإعلامي وتعليقات مؤلفيها. حتى إن بعض النقاد يتساءلون عما إذا كنا قد انتهينا إلى إحلال الكاتب نفسه محل الكتاب، بعد أن أصبح «مؤلفاً سمعياً بصرياً»، وعما إذا كان الجمهور يعرف وجوه الكتّاب أكثر مما يعرف محتوى نصوصهم.
وتتناقض هذه الرؤية المتزايدة للكتّاب مع المصير الذي تلقاه بعض الأعمال، التي تختفي تدريجياً من الذاكرة الجماعية. غير أن الصمت الذي يحيط بها لا يعود فقط إلى تحفظ مؤلفيها أو غيابهم الإعلامي، بل يرتبط أيضاً بالظروف التي تُنشر فيها الأعمال، وتُوزّع، وتُستقبل.
ففي بعض مناطق العالم، يستفيد الكتّاب من قنوات تضمن لهم حضوراً دولياً، بينما تظل حركة أعمالهم محدودة في مناطق أخرى، ولا سيما في أفريقيا. ومع ذلك، سيكون من التبسيط ردّ أسباب النسيان إلى غياب الحضور الدولي وحده؛ فالكتّاب المنسيون ليسوا بالضرورة أولئك الذين ظلوا في الظل، مثلما أن فرط الظهور في عصرنا لا يضمن الخلود الأدبي.
فما الذي يبقى من النص حين يكف مؤلفه عن الكلام والظهور، بل حين يتوقف الناس عن قراءته أو رؤيته؟ ربما ينبغي أن نعوّل على قارئ وفيّ وشغوف، ينتشله ذات يوم من النسيان، ويوقظ فينا الرغبة في اكتشافه أو إعادة قراءته.
وهذا تحديداً ما ينهض به لحجمري؛ إذ يمدّ الكلمة إلى ما وراء الكلام المكتوب للمؤلف، وأحياناً إلى ما وراء صمت التاريخ الأدبي نفسه.
ومن بين الأعمال التي يعيد تسليط الضوء عليها رواية «إسماعيل أو المنفى» (Ishmaël ou l’Exil) لزغلول مرسي، التي يتحسر على مصيرها قائلاً:
«هذه الرواية، التي تستحق، مع ذلك، أن تكون واحدة من الأعمال النادرة المدرجة في البرامج الجامعية، تقبع في منفى “جحيم” النسيان».
أما رواية هنري دو مونترلان «وردة الرمل» (La Rose de sable)، المكتوبة عام 1931، فتقدم مثالاً آخر، على الرغم من شهرة مؤلفها في الأدب الفرنسي. ويشير لحجمري إلى الظروف التي أخّرت نشرها طويلاً:
«تجري أحداث الرواية في المغرب، والحكاية كلها “مغربية”. وقد تعرض المؤلف لانتقادات عنيفة بسبب هذا “الجبن” وذاك “التنصل”. وأعلن أن هذا العمل المثير للجدل لن يرى النور إلا عندما يكتسب صفة الوثيقة “التاريخية”، أي عندما يفقد راهنيته».
وهكذا يعبر عن أسفه لجهل القراء بنص يتناقض مصيره مع شهرة صاحبه.
لكن رفاق الكاتب والناقد الصحفي المتمردين ليسوا جميعاً منسيين في تاريخ الأدب. فإلى جانب مؤلفين أقل شهرة وأعمال أُهملت ظلماً، نلتقي أسماء لامعة في عالم الكتابة، مثل أمبرتو إيكو، وإريك فوتورينو، وهنري دو مونترلان، فضلاً عن شخصيات بارزة في الأدب المغربي، مثل عبد الفتاح كيليطو، وعبد الكبير الخطيبي، وأحمد الصفريوي.
لذلك، لا تمثل هذه الاختيارات مجرد ملاذ في مواجهة النسيان، بل فضاءً تتجلى فيه تعددية الأعمال وحرية القارئ. ويؤكد لحجمري أن:
«الكتابة، مثل القراءة، تتطلب فناً من فنون التوازن: أن نعرف كيف نحذف أكثر مما نضيف، وكيف نهذّب ونشذّب أكثر مما نراكم».
ويبدو أن بنية كتاب «الرفاق المتمردون» نفسها تجسد هذا المطلب؛ إذ يتألف من واحد وأربعين فصلاً قصيراً، دقيقاً ومكثفاً، تتقاطع فيها الذاكرة والنسيان، والإعجاب والتحفظ، وأعمال العالم وأعمال المغرب.
المغرب في قلب المكتبة؟
إذا كانت الآفاق الأدبية التي يرتادها لحجمري متعددة، فإن المغرب يظل أحد مراكز الثقل في مكتبته. فالبلاد تظهر فيها تارة من خلال كتّابها أنفسهم، وتارة أخرى عبر نظرة المؤلفين الأجانب الذين يتفحص لحجمري أعمالهم، حساساً للصورة التي يمكن للأدب أن يعكسها عن بلده وتاريخه وثقافته، ومنتبهاً بالقدر نفسه إلى عمق الروابط التي نسجها بعض الكتّاب والمفكرين مع المغرب.
ولا يتعلق الأمر في «الرفاق المتمردين» بمطاردة الأحكام المسبقة بصورة منهجية، بل بممارسة حرية نقدية قادرة على مناقضة التصورات المشوهة، والاعتراف في الوقت نفسه بالتصورات التي تسهم في إضاءة الحقيقة.
لنبدأ بالكتّاب واللغات والذاكرات المغربية التي تشكل مكونات هذه المكتبة.
أولاً، محمد الأشعري، الذي يقرأ لحجمري روايته «علبة الأسماء» بوصفها إعلان حب للرباط. فالمدينة وأحياؤها وأصواتها وذكرياتها تنتهي إلى احتلال مساحة تتجاوز الحكاية الروائية نفسها، كما يخبرنا. ويقول:
«كلما تحدث شمراط، كانت الرباط هي التي تتكلم».
وهكذا يجد القارئ نفسه منجذباً إلى ذكرياته الخاصة عن المدينة. وتتحول القراءة عندئذ إلى لقاء بين ذاكرتين للرباط: ذاكرة الروائي وذاكرة قارئه.
أما عند عيسى يكن، الرسام والشاعر والروائي، فإن قراءة الكاتب والناقد تسلك طريقاً أكثر حميمية وعمقاً، طريق الجرح الداخلي والصمت والهوية الملتبسة، ولا سيما في كتابه «لن يبقى لديّ شيء أتذكره» (Je n’aurais plus rien pour me souvenir).
ومع عبد الفتاح كيليطو وكتابه النقدي «أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية» (Je parle toutes les langues, mais en arabe)، يتساءل لحجمري عن التصورات المتعلقة بالأدب المغربي، وعن رواسب النظرة الاستعمارية.
أما أحمد الصفريوي، الذي طالما حُكم عليه وفق مقتضيات سياسية فرضتها مرحلته التاريخية، فيعيد لحجمري إليه الاعتبار، مؤكداً حرية الكاتب، ومبرزاً، بعيداً عن الموضوعات التي تناولها العمل وطريقة تلقيها، قيمته الجمالية الخالصة. بل إنه يعترف بأنه غيّر رأيه بشأنه؛ وهي طريقة للتذكير بأن القراءة تعني أيضاً القدرة على مراجعة أحكامنا السابقة.
ويمد الكاتب رحلته عبر مختلف تعبيرات الأدب المغربي إلى التقاليد الشعرية. ففي فصل يتناول التقارب بين الهايكو الياباني والإزلي الأمازيغي، يستكشف لحجمري أوجه التلاقي الممكنة بين تقليدين شعريين تفصل بينهما اللغة والجغرافيا، لكنهما يلتقيان في الإيجاز والموسيقى وقوة الإيحاء.
ويكتب:
«إن كل تعبير شعري ينطوي على رصيد مشترك ذي طابع كوني. وفيه نصادف جزءاً من الآخر الكامن في ذواتنا».
ولعل هذه العبارة وحدها تلخص روح مكتبته بأكملها: أدب يصغي إلى موروثاته الخاصة، لكنه يظل منفتحاً دائماً على لقاء الآخر.
ومن الطبيعي أن تحتضن هذه المكتبة كتّاباً ومثقفين من بلدان أخرى أقاموا علاقة مثمرة مع المغرب، وفي مقدمتهم جاك بيرك ومحمد أركون.
يقول لحجمري عن الأخير:
«لقد عززت لقاءاتنا وتبادلاتنا الفكرية والإنسانية الودية قناعتي بأن هذا الرجل كان، بالمعنى الكامل للكلمة، ابناً للمتوسط».
ويستعيد لحجمري كذلك قول أركون نفسه:
«أترى؟ هذا البلد بلدي، والمغرب أيضاً وطني».
وبعيداً عن هذه الصلة التي نسجها مسار شخصي، فإنه يحتفي بنمط معين من التفكير لدى عالم الإسلاميات والفيلسوف الجزائري المدفون في الدار البيضاء، قائلاً:
«إن تكريم أركون يعني التذكير بأنه كان واحداً من القلائل الذين ظلوا يؤمنون بالقوة الحضارية للفكر».
وهناك لقاء آخر مع كلود أولييه، صاحب «أدب تحرر من الإملاءات الأيديولوجية»، والذي تدور أحداث روايتين له، هما «الإخراج إلى المشهد» (La Mise en scène) و\*\*«الحفاظ على النظام» (Le Maintien de l’ordre)\*\*، في المغرب.
ويرى لحجمري فيه كاتباً استطاع أن يقطع مع بعض التصورات الجاهزة عن البلاد، موضحاً:
«إنه، بالنسبة إلينا نحن القراء المغاربة، أكثر أهمية بكثير؛ لأنه دشّن معه نهاية النزعة الاستشراقية الغرائبية، وفضح الادعاء بأن عالماً ما يستعصي على الفهم».
ويدعو إلى إعادة نشر هذه الأعمال، «ليس فقط لإنصاف الأدب ورد المظالم التي لحقت به، بل أيضاً لتذكير القارئ بأن الأدب الأكثر قدرة على التعبير عن عصره ليس بالضرورة هو الأدب الذي سيحتفظ به التاريخ للأجيال اللاحقة».
إنها طريقة للتذكير بأن قيمة العمل الأدبي لا تُقاس فقط بشهرته أو بالمكانة التي يمنحها له التاريخ الأدبي السائد؛ فمعايير الاعتراف والتكريس الأدبي لا تتطابق بالضرورة مع اهتمامات المجتمعات الأخرى واحتياجاتها القرائية، ومنها المجتمع المغربي.
لذلك، لا ينحصر السؤال في معرفة الأعمال التي تُنسى أو التي يُحتفى بها، بل يمتد إلى التساؤل عمن يقرر مكانتها في التاريخ الأدبي، ووفق أي معايير، وانطلاقاً من أي منظور.

ويستحضر لحجمري أيضاً كتّاباً أجانب آخرين يبدو أنهم أخفقوا في تحقيق لقاء حقيقي مع المغرب وثقافته. ويجد هذا الإخفاق في معرفة الآخر صداه في تأمل كان قد طرحه من قبل في كتابه «المغرب في الساعات الفرنسية» (Le Maroc des heures françaises):
«إننا نعيش شكلاً من مأساة المعرفة. فجميع النزعات الإنسانية والفلسفات ذات التوجه الكوني كانت تستند إلى معرفة بالإنسان محدودة وجزئية، وإلى مثال للإنسان صيغ على صورة الإنسان الغربي».
ويتجسد هذا النقد في قراءته لأعمال موريس لو غلي، ولا سيما كتابه «القط ذو الأذنين المثقوبتين: حكاية مغربية» (Le Chat aux oreilles percées: histoire marocaine)، حيث ينتقد لحجمري أدباً استبدت به أيديولوجيا «البربرية»، التي سعت إلى وضع السكان الأمازيغ في مواجهة المكونات الأخرى للمجتمع المغربي، ضمن منطق التفتيت الاستعماري.
ويرى أن هذا العمل:
«يجسد إخفاق الأدب حين يغادر الحقل الجمالي ليستسلم للسياسة، أو حين يغمس قلمه في حبر الأيديولوجيا، الذي غالباً ما يكون عكراً».
وهي أيديولوجيا أسهمت، على وجه الخصوص، في تغذية السياسة الاستعمارية التي كان «الظهير البربري» أحد تجلياتها.
لكن حدة الحكم النقدي لا تقود لحجمري إلى الرغبة في محو نصوص من قبيل نص لو غلي. بل على العكس، يدعو إلى إعادة نشرها، شريطة أن تصحبها «منظومة نقدية تتيح وضعها في سياقها التاريخي والفكري بدقة».
ويوضح:
«إن إعادة الاعتبار إلى هذه النصوص دون اتخاذ هذا الاحتياط من شأنه أن يبعث الأوهام من جديد، وهي أوهام أيديولوجيا عفا عليها الزمن؛ أيديولوجيا سياسة الجهل بالآخر، وأدبٍ زعم أنه يمثله، لكنه لم يقدم عنه في أحيان كثيرة سوى صورة مبتورة، كرّست استمرار اللقاءات الفاشلة».
ولا تتوقف النظرة النقدية لدى لحجمري عند أدب الحقبة الاستعمارية، بل تمتد إلى أعمال معاصرة، مثل رواية «أرض هشة» (Un territoire fragile) لإريك فوتورينو، التي يعترض فيها على بعض التصورات المقدمة عن المغرب.
ومن خلال شخصية كلارا وعلاقتها المضطربة بأنس، زوجها المغربي، يلاحظ نزوعاً إلى جعل تجربة زوجية مؤلمة مرآة لثقافة بأكملها. ويقول:
«حين تكره كلارا أنس وتهرب منه، فإنها ترفض المغرب كله: ثقافته وحضارته».
ثم يؤكد لحجمري:
«إن العنف الزوجي ومأساة العلاقة بين الزوجين، وهما ظاهرتان كونيتان، لا يختص بهما مجتمع أو دين بعينه».
وما يضعه موضع التساؤل هنا هو الانزلاق من حكاية فردية إلى تعميم ثقافي؛ فعندما لا يعود السرد الروائي قادراً على إضاءة تعقيد البشر والمجتمعات، فإنه قد ينتهي إلى إعادة إنتاج الأحكام المسبقة التي كان يفترض به أن يتيح مساءلتها.
إن حرية الكاتب لا تلغي حرية القارئ والناقد؛ فلهما بدورهما أن يتساءلا عن الصور النمطية التي تنقلها الرواية، وعن استفزازاتها وانحيازاتها.
وفي هذا السياق أيضاً يتناول لحجمري أعمال ميشيل ويلبيك، ولا سيما في الفصل المعنون «وويلبيك يعود من جديد…».
وبعيداً عن صور المغرب في كتابات المؤلفين الأجانب، يتناول الأكاديمي والأمين الدائم للمؤسسة المرجعية المغربية أيضاً التنافسات الأدبية المغاربية، وأشكال التضامن الأفريقي، ومعايير الاعتراف الأدبي على المستوى الدولي.
ففي فصل بعنوان «رشيد بوجدرة، كما هو في ذاته…»، يخفف عبد الجليل لحجمري من حدة تصريحات الروائي الجزائري، التي نقلتها وكالة أنباء صحفية، والتي ادعى فيها تفوق الإبداع الأدبي والفني الجزائري على إبداع جيرانه المغاربيين، مستنداً، على وجه الخصوص، إلى عدد المنشورات في فرنسا وإلى إشعاع معرض الجزائر الدولي للكتاب.
ويرد لحجمري عليه بالتذكير بالجوائز والتكريمات الدولية التي حصل عليها أدباء أفارقة. وفي معرض حديثه عن جائزة غونكور، يكتب:
«منذ عام 2014، أضافت ليلى سليماني مغربيتها إلى العطور الأدبية المتعددة التي تستطيع جائزة غونكور أن تنشرها، وتعرف كيف تنشرها».
وهكذا يدعو إلى تغيير زاوية النظر؛ فبدلاً من التفكير بمنطق المكانة الوطنية والتفوق القومي، من الأفضل النظر إلى الاعتراف بالكتّاب على مستوى القارة، والاحتفاء بنجاحات الطاهر بن جلون، وماري ندياي، وفؤاد العروي، ومحمدو مبوغار سار، وكمال داود…
غير أن هذه الجوائز، مهما بلغت مكانتها، لا يمكن أن تصبح معياراً وحيداً لقيمة آداب الجنوب، ولا أن تُستخدم لإقامة تراتبية بينها.
فأكاديمية المملكة المغربية تحتفي أيضاً بالمواهب الأفريقية والعالمية، حتى وإن لم يشر المؤلف إلى ذلك في كتابه «الرفاق المتمردون».
وفي مواجهة ضيق القومية الأدبية والتنافس على أمجاد الدول، يطرح لحجمري انتماءً أفريقياً أرحب، ينفتح على ثراء إبداعات القارة وتنوعها. فقيمة هذه الكتابات، في نظره، لا يمكن قياسها وفق معايير دوائر الاعتراف الدولية وحدها.
وقد دافع لحجمري عن هذا الموقف بثبات من قبل، وكاد أن يكون وحيداً في ذلك، حين تصدى للدفاع عن يامبو أوولوغويم، الذي عُدّ طويلاً منبوذاً في سيفاري بمالي، بعد اتهامات بالانتحال الأدبي حطمت المسار الأدبي لهذا الكاتب المحوري.
ومنذ المواقف التي اتخذها لحجمري، بدأت أعمال أوولوغويم تستعيد تدريجياً مكانتها في المشهد الأدبي؛ فقد أُعيد نشر روايته «واجب العنف» (Le Devoir de violence) في أوروبا، وكذلك لدى دار نشر مالية هي «منشورات تمبكتو» عام 2024.
وفي العام نفسه، أصدرَت الحكومة المالية مرسوماً أطلقت بموجبه اسم «كلية الآداب يامبو أوولوغويم» على المؤسسة الجامعية الحكومية في العاصمة.
الكلمات وسلطتها
في ثلاثة فصول متتالية، يستكشف الأكاديمي والمربي والكاتب وجوهاً متعددة للغة وسلطتها؛ أي سلطة الكلمة، ومن ثم سلطة الأدب نفسه.
إنها، أولاً، سلطة الهيمنة والإغواء، بل والتلاعب، كما تتجلى في قراءته لرواية لوران بينيه «الوظيفة السابعة للغة» (La Septième Fonction du langage)، التي يفضل مؤلفها وصفها بأنها «رواية بوليسية سيميولوجية»، وتعيد تناول حادث الوفاة العرضية لرولان بارت من خلال أسلوب التحقيق الجنائي.
في هذه الرواية التي تتقاطع فيها عناصر الخيال والسياسة والسيميولوجيا، يمكن لإتقان اللغة أن يمنح من يمتلكه سلطة تكاد تكون مطلقة: إقناع الجماهير، والفوز بالانتخابات، وإشعال الثورات، أو بناء الإمبراطوريات.
لكن لحجمري يوسع دائرة التأمل مستعيناً بالفيلسوفة جوديث بتلر، التي ترى أن الكلمات لا تكتفي بوصف العالم، بل تؤثر فيه وتفعل داخله؛ إذ يمكنها أن تجرح وتقصي، لكنها قد تتحول أيضاً إلى أدوات للمقاومة. كما أن سلطتها تتوقف على مكانة الشخص الذي ينطق بها، وعلى السياق الذي تصدر فيه.
وتستحضر هذه الفكرة لدى لحجمري ذكرى شخصية أيضاً: ذكرى تدريس رولان بارت في كلية الآداب بالرباط عام 1970، ورحيله المبكر، وهي واقعة لم يشر إليها بينيه في روايته.
ويعترف لحجمري بأن كل قارئ مغربي كان سيسعد لو رأى عالم السيميولوجيا الشهير يشارك في مبارزة خطابية داخل مدرج الإدريسي. إنها طريقة يمد بها الكاتب الخيال الروائي، ويُدخل إليه جانباً من ذاكرته الشخصية.
لكنه يذهب أبعد من ذلك، فيبتكر وظيفة ثامنة للغة، ويصوغها على النحو التالي:
«حين يصبح القول نسياناً للفعل».
وهي عبارة تعيد القدرة المفترضة للكلمات على كل شيء إلى واقع السياسة الأكثر التباساً، حيث لا تتحول الخطابات والوعود دائماً إلى أفعال.
وهكذا لا يكتفي لحجمري بتحليل سلطة اللغة، بل يدخل بنفسه في لعبة الخيال، متصوراً مشهداً كان بإمكان الروائي أن يكتبه، ثم يمد ابتكاره باقتراح وظيفة جديدة للغة.
«إن كتابة القراءة تعني أن نجعل مسموعاً ما فعلته القراءة بالنص».— رولان بارت، نقلاً عن عبد الجليل لحجمري.
في رواية «إسماعيل أو المنفى» لزغلول مرسي، تتحول اللغة إلى فضاء للمنفى. ومن خلال هذه الرواية التي أُهملت ظلماً، يتساءل لحجمري عن العلاقة المعقدة التي تربط كتّاب المغرب العربي باللغة الفرنسية؛ تلك اللغة التي تنتمي إلى الآخر، والتي ورثناها عن التاريخ الاستعماري، ويمكن أن تصبح في الوقت نفسه أداة للتعبير ومصدراً للتمزق الداخلي.
فبالنسبة إلى شخصية الرواية، ترافق عملية تعلم هذه اللغة ابتعاداً عن عالمها الأصلي، واختباراً لتجربة المنفى.
لكن المفارقة تخص الكاتب نفسه أيضاً؛ فهو يختار الإبداع بلغة أجنبية دون أن يتخلى عن ميراثه الثقافي. ويلخص لحجمري هذا التوتر في عبارة لافتة:
«يظل الأدب المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية تجوالاً مبهراً بين عالمين، ولغتين، ومنفيين».
كما يذكّر، اقتداءً بعبد الكبير الخطيبي، بأن الكتابة بلغة غير اللغة الأم يمكن أن تتحول إلى فضاء للاختراع والتفرد. فاللغة التي تخص الآخر ليست بالضرورة لغة الاغتراب وحده؛ إذ يمكن تحويلها وتملكها وإعادة تشكيلها، حتى تصبح حاملة لصوت جديد.
وأخيراً، لا تحتمل اللغة إساءة الاستخدام. ومن هنا تنبع فضيلة الصمت حفاظاً على الجوهر. وهذا ما يتناوله الفصل المخصص لمقولة الأب دينوار وكتابه «فن الصمت، ولا سيما في المسائل الدينية» (L’Art de se taire, principalement en matière de religion)، الصادر عام 1771، والذي يمجد فيه رجل الدين ضبط النفس وفضائل الصمت.
إنها فكرة تكتسب راهنية مدهشة في زمن تتكاثر فيه التعليقات على كل شيء، وفي جميع المجالات، حتى أصبحت «الكلمة الجوهرية غير مسموعة».
ويمكن أن نقرأ بين سطور هذا الفصل تساؤلاً عن العالم الأدبي المعاصر أيضاً؛ حيث يهدد دوار الظهور أحياناً بتحويل الكاتب إلى نرجسي، فيصبح الاحتفاء بالذات مهدداً بأن يطغى على الإبداع.
فوفرة الخطابات والمنشورات والفعاليات الفنية لا تضمن جودة الأعمال ولا عمق الفكر.
وهكذا يدعونا لحجمري إلى تنمية «فن التحفظ»، لا للتخلي عن الكلام، بل لاستعادة قوته ودقته. ويكتب:
«إن قوة الكلمات تنبع من ندرتها، لا من فيضها».
إنها وصية موجهة إلى عصرنا، حيث يبدو أن كل إنسان مطالب بإبداء رأيه في كل شيء، وأحياناً قبل أن يمنح نفسه الوقت الكافي للتفكير.
مكتبة متعددة المشارب
ليس كتاب «الرفاق المتمردون» فهرساً للكتب التي قرأها مؤلفه، بل هو شهادة على ما تستطيع القراءة إنقاذه من النسيان، وما يمكنها نقله إلى الآخرين، وكذلك ما تستطيع وضعه موضع المساءلة.
هؤلاء الرفاق متمردون بطرائق مختلفة؛ فمنهم من يقاوم الأفكار المسبقة، ومنهم، على العكس، من ينقل الأحكام الجاهزة ويخوض في مناطق الأيديولوجيا، ومنهم من يزعزع يقينيات قارئه، ويرفض التصنيفات والأرثوذكسية الفكرية والقوالب المفروضة.
لكن ما يمنحهم الحياة من جديد، قبل أي شيء، هو قراءة لحجمري لهم؛ فهي تفتحهم على النقاش، وتدعو إلى النظر إليهم من زوايا مختلفة.
ومن ثم، فإن مكتبته لا تجمع فقط الأعمال التي نرغب في الحفاظ عليها أو التي تثير إعجابنا، بل تضم أيضاً نصوصاً ينبغي أن نعيد قراءتها بعقل نقدي يقظ.
من ميشيل ويلبيك إلى أحمد الصفريوي، ومن أمبرتو إيكو إلى عبد الفتاح كيليطو، ومن محمد أركون إلى كلود أولييه، ومن ستيفن بريسفيلد إلى دورا لطيري، ومن محمد لفتاح إلى كلود إستيبان، يوقظ الرفاق الذين جمعهم لحجمري في قارئه نَهَماً لا ينضب إلى القراءة.
إنها دعوة إلى القراءة تشهد على حرية واسعة، وهي الحرية نفسها التي تتجلى في كتابة المؤلف.
فبعيداً عن المسافة غير الشخصية التي تميز النقد الأكاديمي، يمزج الأستاذ الجامعي بتحليلاته الذكريات والحكايات والبوح والمشاعر التي تثيرها الأعمال الأدبية. ولا يتردد في التعبير عن إعجابه أو ضيقه أو أسفه، بل ولا يتردد في مراجعة أحكامه السابقة.
وهكذا تتحول قراءته إلى حوار حي مع النصوص والكتّاب، ومع ذاكرته الخاصة وقيمه الشخصية أيضاً.
كما أن حضور الاقتباسات العربية والأبيات الشعرية والإحالات إلى تقاليد أدبية متعددة، ولا سيما الشعر الأمازيغي، يضفي على الكتاب خصوصيته المميزة.
ففي هذا الكتاب المكتوب بالفرنسية، تجد لغات أخرى وأصوات ومخيلات مغايرة مكاناً لها، بوصفها علامات على ثقافة أدبية ترفض أن تُحبس داخل أي حدود لغوية.
إن هذه المكتبة الشخصية تدعونا إلى إعادة النظر في تاريخنا الأدبي الخاص.
ما الكتب التي تتحدث عنا بأفضل صورة؟ وأي الكتّاب يستحقون أن نعيد قراءتهم واكتشافهم وتقييمهم من جديد؟ وبأي معايير بنينا التراتبيات التي تحدد اليوم ما نقرؤه وما نعجب به وما ننساه؟
إنها أسئلة تمس مباشرة مجالَي التعليم والنشر.
ما النصوص التي ننقلها إلى طلابنا في المدارس والجامعات؟ وما المكانة التي نمنحها للأعمال التي تساعد على فهم تاريخنا وثقافتنا وتحولات مجتمعنا؟
وأي سياسة نشر ينبغي أن نتصورها لاستعادة الكتب التي كان لها شأن في تاريخنا الأدبي، وإعادة إصدارها، وإرفاقها بجهاز نقدي، وإعادتها إلى التداول، بحيث تتمكن من إضاءة حاضرنا أيضاً؟
من الواضح أن الأمر لا يتعلق بإدارة الظهر لآداب العالم، بل بمساءلة تراتبيات الظهور التي تتحكم في حركة هذه الآداب وانتشارها: فهناك فرط في إبراز بعض السرديات، التي تحملها قنوات النشر والإعلام المهيمنة، مقابل تغييب أعمال أخرى وأصوات ومخيلات مختلفة.
وتنعكس هذه الاختلالات على الطريقة التي تُمثَّل بها ثقافات العالم ومخيلاته. كما تؤثر في سياسات النشر والبرامج التعليمية، بل تمتد إلى إدراكنا لقيمة الأعمال الأدبية، وإلى الصور التي نبنيها عن أنفسنا وتاريخنا وثقافتنا.
لذلك، ينبغي للثقافة الأدبية الحية أن تكون قادرة على إعادة النظر في موروثاتها الخاصة، وممارسة حقها في الاختيار، وإسماع أصواتها وسردياتها في الحوار الأدبي العالمي، دون أن تترك للتراتبيات المهيمنة وحدها سلطة تقرير ما يستحق القراءة والدراسة والنقل إلى الأجيال المقبلة.
ولعل هذه هي الحرية الكاملة التي تمنحها هذه المكتبة لقرائها؛ فهي لا تسعى إلى جمع كتّاب متشابهين، ولا إلى فرض وحدة متجانسة على أعمال لا تدّعي الانتماء إلى أي وحدة من هذا النوع.
ففي نهاية المطاف، ربما لا يكمن السؤال في معرفة ما الذي يجمع هذه الكتب، بقدر ما يكمن في فهم ما فعلته هذه الكتب بقارئها، وما الذي يصنعه هذا القارئ بها، بدوره، من أجلنا.
وهكذا نعود إلى رولان بارت، وإلى تلك الفكرة التي تضيء مشروع «الرفاق المتمردين» بأكمله:
«إن كتابة القراءة تعني أن نجعل مسموعاً ما فعلته القراءة بالنص».
إن لحجمري يتيح لنا أن نقرأ قراءاته، لكنه، قبل كل شيء، يدعونا إلى مواصلة قراءاتنا الخاصة وإثرائها، وإعادة مساءلة اختياراتنا، ومراجعة موروثاتنا، والمشاركة، من جانبنا أيضاً، في هذا الحوار الذي لا ينتهي مع الكتب، رفاقنا الأعزاء.
ربيعة مغوش
صحيفة Le360 المغربية –
2 نوفمبر 2026
#






