أيام العمر
١. أيام الطفولة الباكرة
في حي بُرّي العريق بالخرطوم، كانت صرختي الأولى في الحياة، في يوم شتوي وافق السادس عشر من يناير عام ١٩٦٢م. هناك بدأت رحلتي مع الدنيا، دون أن أدري ما تخبئه لي الأيام من تجارب وذكريات، وما ستتركه تلك السنوات الأولى من صور ومواقف لا تزال حاضرة في الذاكرة، رغم ما انقضى عليها من زمن.
جئتُ ثانيًا في ترتيب الأبناء، بعد أخي محمد وقبل شقيقتي فريدة، لأبوين كانا في مقتبل العمر: هاشم وفاطمة.
كان والدي هاشم في نحو الثلاثين من عمره، وقد تخرج قبل سنوات قليلة في جامعة ليستر بالمملكة المتحدة، بعد أن كان أول سوداني يدرس هندسة العمارة. كان أكبر اخوانه وعرف بنبوغه وتفوقه الدراسي منذ بواكير عمره. درس بمدرسة السير الأولية ثم بربر الوسطى ثم وادي سيدنا الثانوية ثم كلية الخرطوم الجامعية التى درس بها الرياضيات لمدة عام قبل ان تبتعثه الحكومة لدراسة العمارة في بريطانيا. أما والدتي فاطمة، التي كانت تصغره بأكثر من عشر سنوات، فكانت ربة منزل محبة وودودة، نشأت في ظروف أسرية خاصة تركت أثرها في شخصيتها وحياتها.
فقد توفيت والدتها وهي لم تتجاوز الأسبوعين من عمرها، فتولت أختها الكبرى ستنا رعايتها وتربيتها. وكانت ستنا متزوجة من ابن عمها محمد محمود الملك، أحد أفراد الدفعة الأولى التي درست الصحة العامة في مدرسة كتشنر، ثم في إنجلترا. وبحكم عمله مفتشًا للصحة، تنقلت الأسرة بين عدد من المدن السودانية، منها عطبرة وود مدني وكسلا وملكال. وهكذا نشأت والدتي متنقلة بين مدن وبيئات مختلفة، وتلقت تعليمها الأولي والأوسط في أكثر من مدرسة، واكتسبت من تلك التجربة معرفة واسعة بأحوال الناس وتنوع المجتمع السوداني.
جذور العائلة
كان جدي لأبي، محمد عثمان بناوي، رجلًا عصاميًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. غادر قريته «إيماني» وهو في نحو الثامنة من عمره، قاصدًا الخرطوم وحيدًا، حيث عمل في مهن بسيطة وجمع شيئًا من المال، قبل أن يشد الرحال إلى مصر، فيلتحق بالجيش ويشارك خلال الحرب العالمية الأولى في مصر وفلسطين ضمن القوات البريطانية.
وبعد انتهاء الحرب، اتجه إلى التجارة بين مصر والسودان. تقلبت به الأحوال بين الرخاء وضيق ذات اليد، لكنه خرج من تجارب السفر والعمل بقناعة راسخة بأهمية التعليم، فحرص على تعليم جميع أبنائه، في زمن لم يكن التعليم فيه متاحًا على نطاق واسع، ولا يحتل المكانة التي نعرفها اليوم في أولويات كثير من الأسر.
أما جدتي لأبي، زينب عبد الرحيم كاشف حسن، فكانت امرأة صالحة، شاركت زوجها مسؤولية تربية الأبناء ورعاية الأسرة. عُرف أشقاؤها بالتدين، وتنحدر أسرتها من جذور تمتد إلى «الكُشّاف»، الذين تولوا حكم مناطق من بلاد النوبة في جنوب مصر وشمال السودان خلال العهد العثماني، قبل حملة إسماعيل باشا.
ومن ناحية والدتي، كان جدي العمدة عبد الله محمد الملك من زعماء الإدارة الأهلية في منطقة دنقلا، وكان له دور مشهود في تأسيس مشروع السليم الزراعي الشهير. وقد ترك لأسرته سمعة طيبة، وصلات اجتماعية واسعة، وإرثًا من الممتلكات والأراضي.
أما جدتي لأمي، ستنا شمد محمد صالح ساتي علي، فكانت من جزيرة لَبَب، وهي ابنة العمدة شمد، وشقيقة العمدة محمد شمد، عمدة «جزاير الأشراف» بمنطقة دنقلا. وتربط هذه الأسرة صلات قربى بأسرة الإمام المهدي، وأسرة الرئيس الأسبق جعفر نميري، وملوك الشاطراب في مناطق البديرية.
كانت تلك بعض الجذور التي امتدت منها أغصان أسرتنا، وإن كنا، ونحن أطفال، لا ندرك شيئًا من تفاصيلها، ولا يشغلنا من التاريخ العائلي بقدر ما تشغلنا ألعابنا الصغيرة ومغامراتنا اليومية.
بيتنا في شارع ٥٥
في سن مبكرة، وبعد ولادة شقيقتي فريدة مباشرة، انتقلت أسرتنا إلى منزلها الجديد في شارع ٥٥ بحي العمارات، بعد سنوات قليلة تنقلت خلالها الأسرة الناشئة بين منزل في السجانة ومنزلين في بُرّي.
كان حي العمارات وقتها لا يزال في طور النشأة، وكانت المنازل تتباعد بينها مساحات خالية، والطرقات لم تكتمل معالمها بعد. أما بيتنا الجديد فلم يكن قد اكتمل بناؤه، ولم يكن صالحًا للسكن إلا في أجزاء محدودة منه. واستمر العمل في إكماله على مراحل امتدت سنوات طويلة.
ولعل أكثر ما علق بذاكرتي من تلك المرحلة هو اسم «البنك العقاري»!
فقد كان والدي يسدد أقساط سلفية البناء، الأمر الذي جعل كثيرًا من أحلامنا الصغيرة، كاقتناء دراجة مثلًا، مؤجلة إلى حين الفراغ من سداد تلك الأقساط. وهكذا أصبح البنك العقاري أول بنك نعرف اسمه، وأول مؤسسة مالية نكن لها العداء، فقد كنا نراه المسؤول المباشر عن حرماننا من متع الطفولة!
كان للمنزل فناء أمامي تتوسطه حديقة صغيرة، اعتنت أمي بزراعتها بالزهور المختلفة. وكنت أقضي وقتًا طويلًا أتأمل ألوانها وتبدل أشكالها في مراحل نموها، وأراقب الفراشات الجميلة وهي تتنقل بينها في خفة ورشاقة.
ولعل تلك الحديقة الصغيرة كانت من أول الأماكن التي أيقظت في نفسي حب الألوان وتأمل الطبيعة.
أما والدي، فكان مولعًا بزراعة أشجار المانجو. وقد خصص لكل واحد منا شجرة تحمل اسمه؛ فكانت لمحمد شجرة «هندية»، ولي شجرة «بلدية»، ولفريدة شجرة «قلب التور»، التي تمتاز بكبر حجم ثمارها.
كنا نتابع نمو الثمار بشغف، وننتظر موسم نضجها بفارغ الصبر، لكن أبناء الحي المجاور كانت لهم حسابات أخرى؛ إذ اعتادوا الإغارة على أشجارنا مستخدمين «جبّاداتهم» الطويلة، فيقطفون الثمار قبل أن تنضج، ولا يتركون لنا من محصولنا المنتظر إلا الحسرة!
الروضة ومباهج المدينة
التحقنا أولًا بروضة صغيرة في الحي، ثم انتقلنا إلى روضة «دار الحنان».
وكانت رحلة الذهاب إلى الروضة في عربة «البولمان» من ماركة فولكسفاجن تجربة مثيرة في حد ذاتها. فقد كنا نُحشر داخلها حشرًا، حتى ليخيل إليّ أننا قطع ساردين متراصة داخل علبة، ومع ذلك كانت الرحلة جزءًا ممتعًا من يومنا، بما فيها من ضحكات وصخب ومشاغبات الأطفال.
وكان أبي، رحمه الله، يحرص على اصطحابنا بانتظام إلى ثلاثة أماكن ارتبطت في ذاكرتي بأجمل لحظات الطفولة.
أولها منتزه الأطفال المجاور لمسجد القوات المسلحة، حيث المراجيح والزحلقانيات وألعاب الأطفال. وكان الذهاب إليه مناسبة ننتظرها بشغف، وقد ظل المكان محتفظًا بكثير من ملامحه، حتى اليوم، رغم تعاقب السنوات.
وثانيها دكان عمنا محمد علي كُنّة في الخرطوم تلاتة، حيث كان والدي يشتري مستلزمات البيت الأسبوعية. ولم تكن تلك المشتريات تعنينا كثيرًا، بقدر ما كان يعنينا كرم صاحب الدكان، الذي كان يستقبلنا بالبيبسي المثلج، ويملأ جيوبنا بحلوى «الكرملة» الملونة واللذيذة، التي ساعدتنا، فيما يبدو، على التخلص من أسناننا اللبنية في زمن قياسي!
أما ثالث تلك الأماكن، فكان سينما كوليزيوم، التي كنا نزورها مرة كل شهر تقريبًا لمشاهدة أحد أفلام «الكاوبوي» الأمريكية.
كانت السينما عالمًا ساحرًا بالنسبة إلينا، لا سيما أننا كنا نجلس في «اللوج»، وهو القسم المخصص للعائلات، تحيط به حواجز صغيرة، وتزيد أسعار تذاكره عن القسم الآخر المعروف باسم «الشعب».
وكانت السينما مفتوحة السقف، تتسلل إليها نسمات ليالي الخرطوم اللطيفة. وبعد أن نتناول البيبسي البارد ونقزقز شيئًا من الترمس، نتهيأ أنا وفريدة لمتابعة الفيلم في حماس شديد.
لكن ما إن تنطفئ الأنوار ويبدأ العرض حتى نستسلم للنوم، ولا نستيقظ إلا عند إضاءة الأنوار في نهاية الفيلم!
وفي كثير من تلك الليالي، كانت تحدث لي أثناء النوم «حوادث» صغيرة لا أحب استعادتها كثيرًا، لولا أنها أصبحت من طرائف الأسرة التي لا تُنسى.
فقد كنت أستيقظ أحيانًا لأكتشف أنني قد «عملتها في نفسي»، ولم يكن البامبرز قد اُكتشف بعد، وربما تجاوزت آثار الحادث حدود مقعدي في اللوج لتصل إلى بعض رواد قسم الشعب الجالسين أسفلنا!
وكنت أسمع، بين النوم واليقظة، صيحات الاحتجاج تتعالى من الأسفل، وشكاوى غاضبة من «المياه» التي تنهمر عليهم من ناحية اللوج، دون أن يدركوا مصدرها الحقيقي!
أما أخي محمد، فكان الوحيد الذي يشارك ابي مشاهدة الفيلم من أوله إلى آخره. وفي اليوم التالي، كان عليّ أنا وفريدة أن ندفع له قرشين كاملين من مدخراتنا، مقابل أن يروي لنا أحداث الفيلم، حتى نتمكن بدورنا من روايته لأصدقائنا من أبناء الجيران، وكأننا تابعناه بكل تفاصيله!
محمد وفريدة… ومقالب لا تنتهي
كان أخي محمد متخصصًا في تدبير المقالب لي، بينما كانت فريدة متخصصة في إغاظتنا نحن الاثنين، ثم ممارسة هوايتها الأخرى، وهي «القوّالة»، أي نقل أخبارنا ومخالفاتنا إلى أبي وأمي.
وكانت فريدة، باعتبارها البنت الوحيدة و«الحتالة» المدللة قبل ان يسقطها القادمون بعدها من ذلك العرش، تتمتع بمكانة خاصة، وتعرف جيدًا كيف تستفيد منها.
ومن أكثر ما كان يغيظني أنها اعتادت أن تنتظر أبي كل صباح عند باب الحمام، لتعاجله بعبارة «صباح الخير» قبل أن أتمكن أنا من ذلك، ثم تقضي بقية اليوم تتباهى بأنها سبقتني في التصبيح على أبي!
وفي أحد الأيام، انتحى بي محمد جانبًا، وأخبرني أنه وجد حلًا نهائيًا لهذه المشكلة.
أخذني إلى الجانب الخلفي من الحمام، حيث توجد نافذة زجاجية مرتفعة، وقال لي إن الخطة بسيطة: أصعد على كتفيه، وأطل من النافذة لأقول لأبي «صباح الخير» قبل أن يخرج فتلقاه فريدة عند الباب.
أعجبتني الفكرة أيما إعجاب، ولم يخطر ببالي أن لمحمد حسابات أخرى!
صعدت على كتفيه، وأطللت من النافذة، وفاجأت أبي بعبارة «صباح الخير» منتظرًا أن يبادلني التحية في سرور.
لكن المفاجأة كانت من نصيبي؛ إذ جاءني رده غاضبًا، آمرًا إياي بالنزول فورًا عن النافذة!
وفي تلك اللحظة بالذات، اختفى محمد من تحت قدمي، وتركني معلقًا على النافذة، لا أستطيع النزول ولا أجرؤ على طلب النجدة!
وبعد لحظات بدت لي دهراً، لم أجد بدًا من التوكل على الله والقفز من ذلك الارتفاع الكبير.
وما زلت، كلما تذكرت تلك القفزة، أكاد أشعر بالخدر الذي أصاب ساقي يومها!
ولم تكن تلك آخر مقالب محمد، ولا كنت أنا ممن يتعلمون من التجارب بسهولة.
فقد ابتكر حيلة أخرى تعتمد على استغلال قدرتي المحدودة على كتمان الضحك.
كان إذا سمعنا نكتة أو شهدنا موقفًا مضحكًا خلال النهار، يربط بينه وبين إشارة معينة، كلمس الأذن أو حك الأنف. ثم ينتظر حتى نجلس مع أبي إلى مائدة الغداء، ويترقب اللحظة التي يمتلئ فيها فمي بالطعام، فيقوم بتلك الإشارة المتفق عليها.
عندها تنفجر النكتة في رأسي من جديد، فأنفجر ضاحكًا، ويتطاير الطعام من فمي على المائدة، وأحيانًا في وجه أبي نفسه!
ولا أظنني بحاجة إلى وصف ما كان يعقب ذلك من غضب وتأنيب، ولا إلى شرح صعوبة الدفاع عن نفسي، بينما يجلس محمد متظاهرًا بالبراءة التامة!
ومع ذلك، فقد غفرت له كل تلك المقالب في يوم نجح فيه في الانتقام لي من فريدة، التي كانت تتفنن في إغاظتي.
فقد اعتادت فريدة، حين يُعطى لنا شيء من الفاكهة، أن تحتفظ بنصيبها حتى نفرغ نحن من أكل ما لدينا، ثم تخرج ما ادخرته وتبدأ في تناوله أمامنا ببطء وتلذذ، وهي تذكرنا بأننا لم نعد نملك شيئًا مثله!
وفي أحد الأيام، أحضر لنا أبي «آيسكريم»، وكان ذلك حدثًا استثنائيًا يستحق أن يؤرخ به!
التهمت أنا ومحمد نصيبينا في ثوانٍ معدودات، بينما احتفظت فريدة بنصيبها في الثلاجة، ثم أخرجته بعد أن فرغنا، وبدأت طقوس الإغاظة المعتادة.
تظاهر محمد بعدم الاكتراث، ثم قال لها بهدوء:
«هل تعلمين أن الآيسكريم لا يندلق من الكوب إذا قلبتِ الكوب بسرعة ثم أعدتِه إلى وضعه الطبيعي؟»
جربت فريدة ذلك، ووجدت أن كلامه صحيح!
فأضاف محمد، بلهجة الواثق من معلوماته العلمية:
«وحتى لو تركتِ الكوب مقلوبًا لفترة طويلة، فلن يندلق!»
ولم تكن فريدة ممن يفوتون فرصة تجربة شيء جديد، فقلبت الكوب وتركته مقلوبًا، حتى اندلق الآيسكريم كله على الأرض!
كانت تلك من أسعد لحظات طفولتي، وشعرت يومها أن محمد، رغم كل شيء، أخ يستحق المحبة والتقدير!
ولفريدة موقف آخر لا يقل طرافة.
ففي أحد الأيام، وبعد خروج أبي وأمي في مشوار، عرضت علينا أن تدلنا على المكان الذي تخفي فيه أمي علبة لبن البودرة.
رحبنا بالفكرة بحماس، وسرعان ما انهمكنا نحن الثلاثة في «سَفّ» اللبن اللذيذ، نستمتع بمذاقه ونغرف منه ما استطعنا.
لكن ما إن سمعنا صوت «بوري» عربة أبي معلنًا عودتهما، حتى سبقتنا فريدة إلى الباب، وأخبرتهما بلهجة الوشاية المنتصرة:
«محمد وكمال سفّوا اللبن!»
نظر إليها أبي، ثم انفجر ضاحكًا وهو يشير إلى آثار اللبن التي كانت لا تزال عالقة حول فمها وعلى طرف أنفها، وقال:
«إنتِ ذاتك سفّيتي معاهم!»
لكن فريدة لم ترتبك، ولم تحتج إلى وقت للتفكير، بل أجابت على الفور:
«هم هددوني بالضرب لو ما سفّيت معاهم!»
وهكذا نجحت، حتى وهي متلبسة بالجريمة، في أن تقدم نفسها بوصفها الضحية!
جُمَع العائلة… والكوتشينة والحكايات
من أجمل ما بقي في ذاكرتي من تلك السنوات، اجتماعات الأسرة الكبيرة في بيتنا بحي العمارات كل يوم جمعة.
كان عدد من الأعمام والخيلان يتوافدون منذ وقت مبكر، وتتحول الدار إلى ملتقى عائلي عامر بالأحاديث والضحكات والود.
وكانت أمي تعد لهم وجبات سودانية دسمة، من القراصة والويكة والدمعة، وأحيانًا التركين، بينما ينشغل الرجال بلعب الكوتشينة، ولا سيما لعبة «كُنكان ١٤».
كانت أصواتهم تتعالى بالحماس والاحتجاج والخرخرة، خاصة عند «جر الخمسين»، حتى يخيل إلينا أن معركة حقيقية تدور في المجلس!
وكنا نسعد على نحو خاص عندما يخسر ابن عمنا الأستاذ علي عز الدين، ليس شماتة فيه، وإنما لأن هزيمته تعني تفرغه لنا، ليحكي قصصه الممتعة من سنوات عمله معلمًا في مدارس قبائل الرُّحّل في كردفان.
كانت حكاياته تفتح أمامنا نوافذ على عوالم بعيدة لم نرها، وتعرفنا على حياة الناس في مناطق لم نكن نعرف عنها إلا القليل.
ومن بين الهدايا التي لا تزال حاضرة في وجداني، أول دفتر رسم وعلبة ألوان أحضرهما لي عمي عبد الله، الذي كان آنذاك طالبًا بكلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم.
اشتراهما لي من مكتبة «سودان بوكشوب» الشهيرة، وكان الدفتر ذا ورق فاخر، والألوان زاهية لم أعهد مثلها من قبل.
وما زلت أستعيد، كلما مر ذلك المشهد بخاطري، رائحة الألوان الجديدة وملمس الورق الناعم، وتلك المتعة الخالصة التي شعرت بها وأنا أقلب صفحات الدفتر وأجرب الألوان لأول مرة.
لم أكن أعلم يومها أن تلك الهدية الصغيرة ستظل عالقة بذاكرتي كل هذه السنين، وأن حبي للألوان والرسم سيلازمني طوال حياتي.
عمي جلال… والمقلب الذي لا يُنسى
تبقى من طرائف تلك الأيام حادثة لا أظن أنني سأنساها ما حييت، وكان بطلها عمنا الدكتور جلال الدين محمد عثمان، المعروف بخفة ظله وروحه المرحة وحبه للمقالب.
في صباح أحد أيام الجمعة، سألني أنا ومحمد إن كنا نرغب في مرافقته في مشوار بسيارته الألمانية الفارهة من ماركة «أوبل».
لم نحتج إلى تفكير طويل، فقفزنا إلى السيارة في سعادة غامرة، دون أن نكلف أنفسنا عناء تبديل ملابسنا.
كنا حفاة، لا نرتدي إلا ملابس داخلية رثة، لكن من كان يهتم بمثل هذه التفاصيل في تلك الأيام؟!
وصلنا إلى منطقة مزدحمة أخبرنا عمي جلال بأنها السوق العربي. وهناك اشترى لكل واحد منا «عراقيًا وسروالًا» من قماش الدبلان ناصع البياض، ومعهما «سفنجة» جميلة للقدمين.
ارتدينا ملابسنا الجديدة، وشعرنا بزهو عظيم، وأخذنا نتطلع إلى بقية المشوار الذي بدا واعدًا بالمفاجآت السارة.
ثم قادنا عمي جلال إلى مكان آخر، ودخلنا وراءه في ثقة واطمئنان.
كان المكان شديد النظافة، لكن رائحة نفاذة وغريبة كانت تملأ أرجاءه. جلسنا في مقعد ننتظر، ثم ظهر رجل يرتدي ملابس بيضاء مربوطة من الخلف، ويغطي جزءًا من وجهه.
اقترب الرجل واصطحب محمدًا إلى غرفة جانبية، بينما بقيت أنا جالسًا إلى جوار عمي جلال.
بدأت الأسئلة تتزاحم في رأسي:
ما هذا المكان؟ وما مصدر هذه الرائحة الغريبة؟ ولماذا يرتدي ذلك الرجل هذه الملابس بالقلبة؟ ولماذا يخفي وجهه؟ وإلى أين أخذ محمد؟
لم يطل انتظاري للإجابة.
فجأة، دوى صراخ محمد من الغرفة المجاورة!
وفي لحظة واحدة، أدركت أن وراء الرحلة سرًا خطيرًا، وأن الملابس الجديدة لم تكن هدية بريئة كما ظننا!
حاولت الفرار، لكن أبواب النجاة كانت مغلقة، ولم أجد سبيلًا للهروب.
وبعد قليل، عاد الرجل الملثم ليصطحبني إلى الغرفة نفسها، حيث اكتشفت الحقيقة كاملة: لقد جئنا لإجراء عملية الختان!
خرجنا من المكان غاضبين أشد الغضب، شاعرين بأننا وقعنا ضحية مؤامرة محكمة، وأن عمي جلال قد استدرجنا إلى مصير لم نكن لنقبله لو عرفناه مسبقًا!
حاول الرجل الطيب أن يخفف عنا بنكاته وقفشاته التي اشتهر بها، لكننا لم نكن في مزاج يسمح بالضحك.
حتى كميات الآيسكريم الكبيرة التي اشتراها لنا لم تفلح في إزالة التجهم عن وجهينا، ولا في إقناعنا بالتسامح معه!
لكن عمي جلال كان يعرف كيف يعالج الأمور.
ففي الجمعة التالية، حضر إلى بيتنا، وقام بتغيير الضمادات لنا، وبعد أن انتهى، أخرج من جيبه مبلغًا من المال، ومنح كل واحد منا خمسين قرشًا كاملة!
وكان ذلك، بمقاييس طفولتنا، مبلغًا خرافيًا، يكفي لتحقيق أحلام كثيرة كانت تبدو بعيدة المنال.
وفي لحظة، تبدد الغضب، وانفرجت أساريرنا، وعادت الابتسامة إلى وجهينا.
أما أنا، فقد غمرتني السعادة حتى نسيت تمامًا ما جرى في الأسبوع السابق، والتفتُّ إلى عمي جلال، وقلت له بكل براءة وجدية:
«شكرًا يا عمي جلال… ممكن تطهّرني تاني لو عاوز!»
وتتوالى الأيام باذن الله:
أيام مدرسة الديم شرق ٢ الابتدائية
أيام مدرسة السير المتوسطة
أيام مدرسة دنقلا الثانوية
أيام قصر العيني- جامعة القاهرة
أيام الامتياز- مستشفى الخرطوم التعليمي
أيام منظمة الدعوة- المؤسسة الصحية العالمية
أيام الدكتوراه، جامعة الخرطوم، مستشفى العيون التعليمي
أيام ما بعد الدكتوراه: جنوب أفريقيا، تركيا، ألمانيا، النمسا، هولندا
أيام أول عيادة عيون
أيام مركز السودان للعيون
أيام مستشفى الوالدين
أيام مكافحة العمى
أيام جامعة جوبا
أيام جامعة النيلين- عمادة البصريات
أيام كلية الفنون- جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا
أيام جامعة النيلين- إدارة الجامعة





