قصيدته «ممر كوني» تحتفي بالحب بوصفه لغة إنسانية عابرة للحدود، وتواصل حضورها في المعارض الثقافية بالصين
في مشهد جديد يؤكد قدرة الشعر على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، يشارك الشاعر والمترجم السعودي رائد أنيس الجشي في معرض «وفرة الخريف · هبة الحب» (Autumn Abundance · Gift of Love)، المقام في ساحة «SOHO Fuxing» بمنطقة هوانغبو، في قلب مدينة شنغهاي الصينية، وذلك ضمن فعاليات مدرسة الشعر الموسوعي، في تظاهرة فنية وثقافية تجمع بين الإبداع البصري والتعبير الشعري والحوار بين الثقافات.
وتأتي مشاركة الجشي في هذا الحدث الدولي تقديراً للحضور المتنامي للشعر العربي في الفضاء الثقافي الصيني، وامتداداً للتواصل الإبداعي بين المملكة العربية السعودية والصين، من خلال قصيدة تستلهم قيمة الحب باعتبارها جوهر العلاقة الإنسانية، وقوة قادرة على الجمع بين المختلفين.
وعبّر الشاعر السعودي عن اعتزازه بهذه المشاركة، مشيراً إلى أن احتضان أحد أبرز المواقع المعمارية والتجارية في شنغهاي لأعماله يمثل تقديراً يعتز به، كما وجّه الشكر إلى القائمين على تنظيم المعرض، وإلى مدينة شنغهاي التي وصفها بأنها فضاء يلتقي فيه الشعراء، وتتجاوز فيه القصائد حدود اللغات والثقافات.
«وهل الدين إلا الحب؟».. من الحكمة إلى القصيدة
تحمل مشاركة رائد الجشي بُعداً فكرياً وروحياً خاصاً، إذ ترتبط القصيدة التي قدمها في المعرض بعبارة منسوبة إلى الإمام جعفر الصادق: «وهل الدين إلا الحب؟»، وهي العبارة التي اتخذ منها الشاعر منطلقاً لاستكشاف الحب بوصفه قيمة تتجاوز حدود العاطفة الفردية، لتصبح مبدأً للوجود والتسامح والتواصل والخلاص.

وقد اختار الجشي تقديم قصيدته باللغة الإنجليزية تحت عنوان «ممر كوني» (A Universal Corridor)، وهي قصيدة تتأمل العلاقة بين الإنسان والكون، وتستحضر الجسيمات غير المرئية التي تعبر الجسد، متخذة من الإنسان ممراً تتقاطع فيه احتمالات الخير والشر، والاختلاف والوحدة، والمادة والمعنى.
وتتطور الصور الشعرية في النص لتكشف عن مفارقة أساسية: فبينما تتباهى الكائنات والأنظمة باختلافاتها وتكويناتها، فإنها قد لا تدرك أن اللغة التي تحاول التعبير بها تعود في أصلها إلى كلمة إنسانية واحدة هي الحب.
ويمنح الشاعر هذه الكلمة أبعاداً متعددة، فهي رابطة تسند وتحرر وتمنح الخلاص، وهي في الوقت نفسه فكرة وبذرة وعد، وسلاح للسلام، وزهور تتفتح في ربيع قاسٍ. ومن خلال هذه الاستعارات، تتحول القصيدة إلى تأمل فلسفي في قدرة الحب على مقاومة التفتت والاغتراب، وإعادة اكتشاف المشترك الإنساني.
وقد نقلت القصيدة إلى اللغة الصينية المترجمة ين شياويوان (Yin Xiaoyuan)، بما يتيح للنص الوصول إلى جمهور جديد، ويضيف حلقة أخرى إلى مسار التبادل الأدبي بين الثقافتين العربية والصينية.
وأشار الجشي إلى أن القصيدة، المستوحاة من مقولة الإمام الصادق، ما زالت تتنقل بين المعارض الصينية بمحبة، معبّراً عن امتنانه للأصدقاء الذين أسهموا في دعم هذه التجربة.
رائد الجشي.. تجربة تجمع الشعر والترجمة والنقد
يُعد رائد أنيس الجشي شاعراً ومترجماً سعودياً من مدينة القطيف، تخرج في جامعة الملك فيصل بتخصص الكيمياء، وامتدت تجربته الثقافية إلى مجالات الشعر والنقد والترجمة والتحرير الأدبي.
وهو زميل في جامعة آيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، ويشغل موقعاً تحريرياً في المجلة الشعرية الدولية Contemporary Dialogue، كما يتولى تحرير Art Talks، ويشارك محكّماً في عدد من المسابقات الشعرية الدولية، من بينها مسابقات دولية في إيطاليا.
وله خمسة مؤلفات نقدية، إلى جانب أعمال إبداعية تشمل رواية The Classic of the Tides، ومجموعته الشعرية The First Six Tablets of Nietzsche، وكتاب Blood and Weight: Self-Path, Feeling, and “Use”، الذي صدرت له ترجمات إلى الفيتنامية والصربية والإيطالية والإسبانية، وحصد جائزتين، من بينها جائزة أفضل ترجمة شعرية في إيطاليا، وفقاً للسيرة التعريفية المصاحبة لمشاركته.
كما تُرجمت قصائد أخرى له إلى لغات متعددة، وهو ما يعكس اهتمامه بعبور النصوص من ثقافة إلى أخرى، وتوسيع دوائر التواصل الأدبي العالمي.
الشعر جسراً بين السعودية والصين
تكتسب هذه المشاركة أهمية تتجاوز عرض قصيدة في مناسبة فنية؛ فهي تقدم نموذجاً للدبلوماسية الثقافية التي تمارسها الكلمة الإبداعية، حيث يتحول الشعر إلى مساحة مشتركة للحوار بين الشعوب.
ومن خلال «ممر كوني»، يطرح رائد الجشي تصوراً للحب لا باعتباره مجرد إحساس عابر، بل باعتباره قوة تأسيسية في الوجود الإنساني، قادرة على وصل ما تفرّق، وتجاوز ما تصنعه الحدود والاختلافات.
وهكذا، تلتقي في شنغهاي تجربة شاعر سعودي مع فضاء ثقافي صيني، لتؤكد أن القصيدة تستطيع أن تجد طريقها إلى الآخر، حتى عندما تختلف اللغة والمرجعيات، وأن الحب يظل، كما أرادته القصيدة، ممراً كونياً مفتوحاً أمام الإنسانية.



