الكتاب الجديد لألكسندرا أوتشيروفا «القسم» هو عمل ينبغي أن يكون موضوعاً للتأمل الفلسفي في سياق القضايا الكبرى التي تؤرق البشرية طوال وجودها. إن ذاكرة النصر العظيم، المتجسدة في هذا العمل، ليست مجرد فعل آخر من أفعال التأمل التاريخي، بل هي أساس فلسفي يمتد عبر العصور، يذكّر بأعظم مسؤولية تقع على عاتق الإنسانية تجاه نفسها وتجاه الأجيال القادمة. ومن خلال تأمل عميق للحظة التاريخية، تنقلنا أوتشيروفا إلى أسئلة تقع في صميم الحضارة الإنسانية وفلسفة الوجود.
كل قصيدة في كتاب «القسم» تذكّرنا بأن البطولة في سنوات الحرب الوطنية العظمى هي واجب أخلاقي ما يزال قائماً في وعي الإنسان ومسؤوليته. وفي هذا السياق، تصبح بطولة الجنود الذين قاتلوا من أجل السلام جزءاً حيّاً من النظام العالمي، حيث يحمل كل فعل مقاومة للشر معنى يتجاوز اللحظة، بينما تحدد الذاكرة—بوصفها حلقة وصل—مستقبل الإنسانية، باعتبارها أساس الفلسفة الأخلاقية وضمانة ألا يتكرر الشر.
لقد كان النصر فعلاً ضرورياً لا مفرّ منه، وأصبح قيمة عليا لجميع الشعوب. غير أن المنتصر في «القسم» ليس الجيش وحده، بل تنتصر الأخلاق، وينتصر مبدأ الحرية والكرامة الإنسانية، الذي لا يخضع لسلطان الزمن.
الأرض التي تحقق عليها هذا النصر تُرى بوصفها فضاءً مشحوناً برمزية الذاكرة والإرث، أرضاً تُحدَّد عليها القيم وتكتسب طابعاً مقدساً، بوصفها تذكاراً أبدياً بضرورة صون البطولات والدفاع عن المبادئ التي تجسدها.
في هذه الأبيات تتجلى فكرة أن الأرض التي نتحمل مسؤوليتها هي تجسيد لروح الشعب وقوته، ورمز ندرك من خلاله مسؤوليتنا تجاه أنفسنا وتجاه الإنسانية جمعاء.
ألكسندرا أوتشيروفا
في «القسم» تتضح الفكرة الفلسفية القائلة إن بطولة كل جندي دافع عن الوطن تستمر في العيش داخل كل واحد منا، بوصفها جزءاً من المادة الروحية الأساسية التي تُشكّل الرؤية الأخلاقية والفلسفية للعالم. وتدعونا المؤلفة إلى التفكير في سؤال فلسفي مهم: كيف تتحول ذاكرة الماضي إلى واجب أخلاقي في الحاضر؟ وكيف تحدد هذه الذاكرة المستقبل؟ وهنا يكمن المعنى الفلسفي للعمل—في إدراك أن كل إنسان، وكل شعب، يتحمل مسؤولية المستقبل. وأن بطولة الجندي البسيط، التي أصبحت أساس النصر، تنتقل إلى مرتبة الأبدية، حيث يتجاوز معناها حدود الزمن ليصبح جزءاً من النظام العالمي الذي يحدد مسار تطور البشرية.
لقد قلنا — سنعود من جديد، كي تمتلئ الحياة بالأحلام، وسنرى شمسنا مرة أخرى، ونهدي الفتيات الزهور، ونقول للأم «شكراً» على الحياة، وللأجداد والآباء على الانتصارات، ونسير بخطى الظفر على آثار العدو الماكرة.
تعبر هذه القصيدة عن وعي عالٍ بالمسؤولية تجاه العودة إلى الحقيقة والنور، إذ يكتشف الإنسان في ذاكرة الماضي واجبه تجاه الأجيال القادمة، فيسعى إلى تجاوز الشر وإعادة العدالة بانتصار الروح والقوة الأخلاقية.
فليتذكر الجميع ستالينغراد، ورجيف، وشجاعة الحصار… وأولئك الذين هزموا قوى الجحيم— الجنود الأحياء والبرونزيون.
تذكّر هذه الأبيات بأن الذاكرة عن النضال ضد قوى الشر تُعد أساساً أبدياً للنظام الأخلاقي، إذ إن انتصار الجنود الذين صمدوا أمام المحن يكتسب بعداً فلسفياً إلى جانب بعده التاريخي، بوصفه رمزاً لقوة الإرادة وترسيخ الحقيقة الأخلاقية عبر النضال من أجل الحرية.
لقد دفعت ثمن يوم النصر بكل ما تملك، وكل ما حلمت به، كل ما أحببت، وما لم تعشه— حملته معك إلى المنصة في الساحات المحرَّرة أو في عواصم مهزومة. لكنّك لم ترَ أمك ولا بيتك، حيث نداء البتولا وضوء الفجر. وصرت رمزاً للشعب، تقف، أبدياً وحياً، كضميرٍ وقوةٍ وحرية، وترفع العالم فوق رأسك.
«الجندي الأبدي» هو صورة كونية يتجسد فيها أسمى معنى للواجب الإنساني، حيث لا يختفي الانتصار على الشر ولا التضحية في ساحة المعركة في ظلال الزمن، بل يستمران كمبدأ يحدد مصائر الأفراد والمستقبل الأخلاقي للشعوب. ففي هذه البطولة تكمن تضحية تتجاوز الفرد، وتمتد عبر العصور، لتربط أفعال الإنسان بالنظام الكوني اللامتناهي، حيث يترك كل جهد يُبذل من أجل حفظ السلام والإنسانية أثراً في تطور الحضارة، ويخلق فضاءً لسمو الروح وصون الكرامة والحرية. وهكذا ينال من اجتاز المحن خلوداً في الذاكرة الجماعية وقيمة أخلاقية تبقى فاعلة عبر الأجيال، لأن في كل جيل يعيش صدى ما أنجزه السابقون دفاعاً عن السلام وترسيخاً له، وهذه الذاكرة، وهذا الرابط الأخلاقي بين الأجيال، هو ما يؤسس للتقدم الأخلاقي للبشرية.
محررة كتاب «القسم» لألكسندرا أوتشيروفا: مارجريتا آل.