
إذا كان الهدفُ الأَسْمَى للمَعاجِمِ هو حِراسةُ اللُّغةِ الأُمّ، فإنّ هذه الحِراسة لا تَعني “تَحنيطَ” الألفاظ في توابيت الماضي. فاللُّغةُ كائنٌ حيٌّ يَتطوّرُ، تتغيّرُ مَدلولاتُه وصيغه مع تَبَدُّلِ الظُّروف الحَضاريّة والاجتماعيّة. وما كان يُعَدُّ طبيعيًّا في عُصورٍ خَلَتْ، قد يُصبحُ اليومَ “التباسًا” مَعرفيًّا أو “إساءةً” إنسانيّة، خاصّة حين يتعلّق الأمر بِالمرأة.
إنّ مِن أخطرِ القضايا الَّتي واجهتني أثناء تأليفي (معجم المرأة) هي لفظة (الجارِيَة)، فبمجرَّد سماعها، يرتدّ خيالُ القارئ إلى “سوق الرَّقيق” وعوالم الإماء، ومكائد القُصور، هذا “الإرث المُثْقَل” حَوَّلَ كلمةَ (جارية) من وصفٍ لـ “الحيويّة والنَّشاط” إلى وَسْمٍ لـ “التَّبعيّة والذُّلّ“.
فخّ التَّسمية: جِناية “المُصطلح” على “اللُّغة“
بالعودة للمعاجم القديمة والحديثة، نجدُ خَلْطًا يُثِيرُ العَجَبَ؛ فالمعاجمُ تُسَوِّقُ كلمة (الجارية) كمُرادفٍ لـ “الفتاة الشّابّة” لِجَرْيِها وخِفَّتِها، وفي الوقت نفسِه تَحَوَّلَ اللَّفظُ تاريخيًّا إلى “مصطلح” قاطع الدّلالة على (الأَمَة والمملوكة).
وهنا تكمن المُصيبة: كيف يستمرُّ المُعْجَميُّ في استخدام لفظ (جارية) للدَّلالة على (الفتاة) وهو يعلمُ يَقينًا أنَّ اللَّفظَ قد “اسْتُلِبَ” وصار مِلْكًا لثقافة النِّخاسَة؟ إنّ استمرار هذا الاستخدام في المعاجم الحديثة هو “عجزٌ لُغَوِيٌّ“؛ فالأَوْلَى والأَجْدَر أن يُحْصَرَ لَفْظُ (الجارية) في سِياقه التّاريخيّ كـ (أَمَة)، وأن نكفَّ تمامًا عن إطلاقه على “الفتاة” أو “الشّابّة“، صونًا لكرامتها من ظلال العبوديّة الّتي تُلاحق هذا اللَّفظ.
الاستلابُ الجَسَديّ: الجمال ليس “بضاعة“
لقد تفشّت ظاهرة الجَواري فخلقت مُسَمَّياتٍ كـ (الحَظِيَّة، والمَحْظِيَّة، والسُّرِّيّة، والقَيْنَة)، ولكن “المصيبة” الأكبر هي حين نجد أوصافًا جسديّة وفِطْريّة تخصّ الأُنثى ككيانٍ حُرٍّ، وقد حُشْرَتْ قَسْرًا تحت مُلاءة “الجارية“، وكأنَّ الجمال لا يُرى إلا في جَسَدٍ مَملوك!
تأمَّلوا معي هذه التَّوصيفات الّتي تحتاج لثورةٍ في الصياغة:
- أَرْكَسَتِ الفتاة (بدلًا من الجارية)؛ أي: برزَ ثدياها، هذا تطوّر بيولوجيّ يخصُّ كلَّ أنثى، ولماذا يُقَيَّدُ بلفظ “الجارية“؟
- اسْبِكَرَّت الشَّابّة؛ أي: استقامت واعتدلت. لمَ لا نَستخدمُ لفظ “الشّابّة” بدلًا من “الجارية“؟ فالاعتدال صِفَةٌ للقِوَامِ الحُرِّ، لا لـ “سلعة” تُعْرَضُ للفَحْص.
- الجُهَانةُ، الخَوْدُ، البَضَّةُ: هذه أوسمةٌ جَماليّةٌ تصفُ الرِّقّةَ والنُّعومةَ. إنّ انتزاعَ هذه الأوصاف من “مُلاءة الجارية” وإسنادها لـ “المرأة” أو “الفَتاة” هو استردادٌ لكرامةِ الجسدِ الأُنْثَويّ.
عقدة “الخِتان“: حين يتساوى القَهر
وحين نصل إلى مصطلح مثل (بَظَرَ الجارِيةَ)؛ أي: خَتَنَها، نجدُ “مصيبةً” أخرى، فالمعاجم تذكر الخِتانَ كأنّه فعلٌ يخصّ الجواري، بينما الحقيقة المُرَّة أن هذا الفعل “الخَفْض” كان وما يزال يُمارَسُ بِحَقِّ الحُرَّةِ والأَمَةِ على حدٍّ سَواء في بعض المجتمعات العربيّة والأفريقية، تحت حججٍ واهيةٍ وتفسيرات مغلوطة للدِّين والعِفّة. إن تخصيص “الجارية” بهذا الوَصف المُعْجَميّ يُوهِمُ بأنّها وحدَها مَن كانت تتعرّض لهذا الانتهاك، بينما الواقع يُثبت أنّه قَهرٌ طال الأُنثى بِصِفَتِها (أنثى)، لا بصفتها (مملوكة).
نداءٌ لـ “استقلال لُغَويّ“
إن استمرار وجود هذه الترادفات في معاجمنا الحديثة هو “رِقٍّ لُغَويٌّ” مُستتر. لقد انتهى عصرُ الرِّقّ المادي، وحان الوقت لينتهي “الرِّقّ المُعجميّ“.
لذا، أقول بصراحةٍ لا تُجامِلُ التّراثَ: إنَّ “الخُروجَ مِن مُلاءة الجارية” يقتضي الرَّفضَ القاطعَ لاستخدامِ هذا اللَّفظ لوصف الفتيات في معجماتنا المعاصرة. يجب أن تبقى (الجارية) حَبيسةَ كُتُبِ التّاريخ كـ “أَمَة“، وأن تُمْنَحَ الفتاةُ أوصافَها المُسْتَقِلَّة (فتاة، شابة، امرأة) بعيدًا عن أيّ اشتباه أو لُبْس.
الخروج من المُلاءة… هو إعلانُ استقلالٍ للأُنْثَى العربيّة، وإعادة اعتبار لكرامتها الّتي تبدأ من “الكلمة“.



