أحداثأدبشخصيات

الأدب والفكر الإصلاحي عند عبد الله كنون: قراءة في الرؤية والرسالة

د. حمزة مولخنيف. المملكة المغربية

بقلم: د. حمزة مولخنيف 

يعدّ من التحديات الفكرية الكبرى في سياق الثقافة المغربية الحديثة أن نعثر على شخصية فكرية وأدبية استطاعت أن تجمع في تكوينها بين رسوخ العالم وذوق الأديب وغيرة المصلح وبصيرة المؤرخ على نحوٍ يجعل الحديث عنها حديثا عن فردٍ وعن مرحلةٍ وعن مشروعٍ حضاريٍّ في آنٍ واحد. ذلك أن بعض الأعلام يُقرؤون في حدود اختصاصاتهم ويُستوعَب أثرهم في إطار ما خلّفوه من مؤلفات أو ما مثّلوه من اتجاهات، غير أن هناك طائفةً نادرةً من الرجال تتجاوز قيمتُها حدودَ التأليف إلى حدود التأسيس، وتتعدى مكانتُها وظيفةَ الكتابة إلى وظيفة الشهادة على العصر والمشاركة في تشكيل وعيه والإسهام في إعادة ترتيب أسئلته الكبرى. ومن هذه الطائفة الرفيعة يبرز اسم عبد الله كنون بوصفه واحدا من أكثر الأسماء دلالةً على تلاقي الأدب بالإصلاح والثقافة بالهوية واللغة بالمقاومة والفكر بالرسالة.

فعبد الله كنون ليس مجرّد أديبٍ مغربيٍّ واسع الاطلاع ولا هو فقط ناقدٌ من نقاد الأدب أو مؤرخٌ من مؤرخي الثقافة أو عالمٌ من علماء المغرب الذين اتصلت حلقاتهم بسند العلم العربي الإسلامي، وإنما هو قبل ذلك وبعده صورةٌ كثيفةٌ لوعيٍ مغربيٍّ نهضويٍّ تشكّل في لحظةٍ تاريخيةٍ شديدة التعقيد، حيث كان المغرب كما سائر أجزاء العالم العربي والإسلامي يواجه امتحان الوجود الثقافي والحضاري في ظل الاستعمار وتحت ضغط التفكك الداخلي وأمام إغراءات الحداثة الوافدة وما حملته من أسئلة عاصفة تتصل بالهوية واللغة والتعليم والدين والتاريخ وموقع الذات في عالمٍ يعاد ترتيبه على غير مقاسها. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون الأدب مجرد صناعةٍ بيانيةٍ للمتعة ولا الفكر ترفا ذهنيا معزولا عن حركة المجتمع، بل يتحول كلاهما إلى فعلٍ تاريخيٍّ ذي وظيفة وإلى جبهةٍ من جبهات المقاومة العميقة وإلى أداةٍ من أدوات إعادة بناء الإنسان من الداخل.

وتنبع أهمية عبد الله كنون إذ إنه أدرك بحدس المثقف الكبير وبصيرة العالم المتمرس أن المعركة الحقيقية ليست معركة الأرض وحدها وإن كانت الأرض عنوان السيادة، وإنما هي في جوهرها الأبعد معركة الوعي واللسان والذاكرة والذوق. فالاستعمار لا يكتفي بأن يحتل المجال، بل يسعى إلى إعادة تشكيل صورة المستعمَر عن نفسه وإلى إضعاف ثقته بماضيه وتوهين صلته بلغته وتشويش نظرته إلى تراثه حتى يصبح تابعا في إدراكه كما هو تابعٌ في وضعه. لذلك لم يكن دفاع عبد الله كنون عن العربية واحتفاؤه بالأدب المغربي وعنايته بالتراث واشتغاله على إبراز الشخصية الثقافية للمغرب مجردَ انشغالٍ علميٍّ محض، بل كان جزءا من مشروعٍ إصلاحيٍّ عميق، يُراد به ترميم الذات الوطنية والحضارية وتحصينها من التبعية الرمزية وإعادتها إلى موقع الفاعلية بعد أن كادت تُدفع إلى هامش التاريخ.

وإذا كان كثيرٌ من المصلحين قد اختاروا أن يخوضوا معركة النهضة من بوابة السياسة أو التعليم أو الفقه أو الدعوة، فإن عبد الله كنون اختار أن يجعل من الأدب نفسه طريقا إلى الإصلاح ومن اللغة نفسها ميدانا للبعث ومن الثقافة نفسها فضاءً لإعادة تأسيس الانتماء. وهنا تتجلى فرادته؛ لأنه لم ينظر إلى الأدب بوصفه زينةً حضاريةً على هامش المجتمع ولا بوصفه لعبا لفظيا معزولا عن هموم الأمة بل نظر إليه على أنه أداةٌ لتشكيل الوجدان العام وبناء الحس التاريخي وصيانة الذوق وترسيخ القيم وتوليد الثقة بالذات. ومن ثم فإن نصوصه لا تُقرأ بوصفها مجرد آثارٍ لغويةٍ مصوغةٍ بإتقان وإنما تُقرأ بوصفها حواملَ لرؤيةٍ وصياغاتٍ لرسالةٍ وتجلياتٍ لوعيٍ يريد أن يصالح الإنسان المغربي مع ذاته الحضارية من غير أن يعزله عن عصره أو يحكم عليه بالانغلاق في قوقعة الماضي.

وإذا كان الفكر الإصلاحي في أعمق تعريفاته هو القدرة على التمييز بين ما ينبغي أن يُحفظ وما ينبغي أن يُراجع وبين ما يجب أن يُستبقى وما يلزم أن يُتجاوز، فإن عبد الله كنون يمثل في هذا الباب نموذجا بالغ النضج لمثقفٍ لم يقع في أسر الجمود التراثي كما لم يسقط في غواية الذوبان الحداثي، بل حاول أن يؤسس موقفا متوازنا يجعل من الأصالة مصدرا للشرعية ومن المعاصرة مجالا للاجتهاد ومن الهوية قاعدةً للإبداع لا ذريعةً للانغلاق. ولذلك فإن دراسة الأدب والفكر الإصلاحي عنده ليست مجرد استعادةٍ لسيرة علمٍ من أعلام المغرب، بل هي في حقيقتها مساءلةٌ لنمطٍ كاملٍ من الوعي الثقافي الذي جعل من الكتابة التزاما ومن البيان مسؤولية ومن الثقافة فعلا من أفعال المقاومة الحضارية الهادئة والعميقة.

ومن هذا المنطلق فإن النظر في تجربة عبد الله كنون يقتضي تجاوز القراءة الوصفية التي تكتفي بإحصاء المؤلفات أو تتبع المواقف أو تصنيف الرجل ضمن خرائط الأدب والفكر، إلى قراءةٍ أعمق تنفذ إلى جوهر مشروعه وتستكشف كيف التقت في نصوصه الرؤية بالرسالة، وكيف صار الأدب عنده صورةً من صور الإصلاح وصار الإصلاح عنده فعلا من أفعال التهذيب الجمالي والمعرفي معا. ذلك هو الأفق الذي يتحرك فيه هذا المقال، سعيا إلى مقاربة الأدب والفكر الإصلاحي عند عبد الله كنون لا بوصفهما مجالين منفصلين، بل بوصفهما بنيةً واحدةً متماسكةً تُفصح عن مثقفٍ كبيرٍ فهم أن نهضة الأمم لا تُبنى بالسياسة وحدها ولا بالاقتصاد وحده، بل تُبنى قبل ذلك وبعده بالكلمة التي تعيد للإنسان ثقته بنفسه وتردّه إلى تاريخه وتفتح له باب المستقبل من داخل ذاته لا من خارجها.

والحديث عن العلامة عبد الله كنون حديث عن شخصية مركبة في الوعي الثقافي المغربي الحديث، شخصية لا تستقيم قراءتها في حدود التصنيف المدرسي الضيق ولا تنحصر دلالتها في خانة الأدب وحده أو الفقه وحده أو التاريخ وحده؛ ذلك أن الرجل كان من أولئك الأعلام الذين تداخلت فيهم طبقات التكوين وتآلفت فيهم روافد المعرفة حتى غدا مشروعه الفكري والأدبي صورةً مكثفةً عن لحظة مغربية دقيقة كانت تبحث عن ذاتها في خضم التحول وتستعيد هويتها في وجه الاستلاب وتعيد بناء خطابها الثقافي في سياق مقاومة الاستعمار وتثبيت الشخصية الحضارية للأمة. إن عبد الله كنون لا يُقرأ بوصفه كاتبا فحسب بل يُقرأ بوصفه شاهدا على عصر ومشاركا في صناعته ومؤسسا لوعي إصلاحي مخصوص اتخذ من الأدب أداة ومن اللغة حصنا ومن التاريخ ذاكرة ومن الدين مرجعية ومن المغرب أفقا حضاريا لا مجرد إطار جغرافي.

ولعل أول ما يلفت النظر في تجربة عبد الله كنون هو أن الأدب عنده لم يكن ترفا بيانيا ولا صناعة لفظية غايتها الإمتاع المجرد، وإنما كان فعلا ثقافيا ذا وظيفة ورسالةً أخلاقيةً وتاريخيةً تتجاوز حدود الإنشاء إلى حدود التشكيل والتأثير. وهذا المعنى هو الذي يجعل مشروعه الأدبي متصلا اتصالا عضويا بمشروعه الإصلاحي، لأن الإصلاح عنده لم يكن خطابا وعظيا عابرا، بل كان إعادة ترتيب لعلاقة الإنسان المغربي بذاته وبلغته وتراثه وتاريخه ومصيره. وقديماً قال الجاحظ إن «المعاني مطروحة في الطريق»، غير أن الفضل كل الفضل في طريقة السبك ووجهة المقصد؛ وعبد الله كنون من هذا الصنف الذي جعل من البيان بابا إلى الوعي ومن الأدب جسرا إلى النهضة ومن الكتابة نوعا من الجهاد الثقافي الهادئ.

لقد تشكل وعي عبد الله كنون في سياق عربي وإسلامي عام ومغربي خاص، اتسم بتكاثف التحديات وتداخل الأسئلة: سؤال الاستعمار وسؤال الهوية وسؤال التعليم وسؤال اللغة وسؤال الصلة بالتراث وسؤال النهوض الحضاري. ولم يكن ممكنا لرجل في مثل سعة اطلاعه وقوة انتمائه ورهافة حسه الأدبي أن يقف موقف المتفرج. ولذلك انخرط في المعركة الفكرية من موقع العالم الأديب لا من موقع السياسي المحض؛ فكان همه أن يبرهن أن النهضة لا تكون بالقطيعة مع الأصول ولا بالجمود عليها بل بإعادة تفعيلها في التاريخ. وهذا المعنى يقرّبه من خط الإصلاح الإسلامي الواسع الذي مثّله في المشرق جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا مع احتفاظه بخصوصية مغربية واضحة، لأن عبد الله كنون لم يكن نسخة مغربية من أحد بل كان ابن بيئته الثقافية وذاكرته الوطنية، يستمد من المشرق ما يعين ويستبقي للمغرب حقه في صوغ أجوبته الخاصة.

ومن هنا نفهم أن الأدب عند عبد الله كنون لم يكن منفصلا عن قضية الأمة. إنه أدب يحمل في جوفه هما حضاريا ويجعل من الكتابة شهادةً ومسؤولية. وقد كان الرافعي يرى أن «الأدب ليس ألفاظا تُنسَّق بل روحٌ تُنقَل»، وهذه العبارة تكاد تصف تجربة كنون وصفا بليغا؛ لأن نصوصه لا تُقرأ على أنها مجرد مصنوعات لغوية بل تُقرأ بوصفها حوامل لرؤية ومخازن لقيم ومواقف من الإنسان والتاريخ والمجتمع. إن رسالته الأدبية تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالأدب الرسالي لا بالمعنى الوعظي المباشر الذي يقتل الفن بل بالمعنى الذي يجعل الجمال في خدمة الحقيقة ويجعل الصياغة الرفيعة وعاءً لموقف أخلاقي وفكري.

وإذا كان الإصلاح في الفكر العربي الحديث قد دار في كثير من صوره حول ثنائية الأصالة والمعاصرة، فإن عبد الله كنون قد عالج هذه الثنائية بقدر كبير من التوازن، فلم يسقط في تمجيد الماضي تمجيدا أسطوريا ولا في الافتتان بالحديث افتتانا استلابيا. لقد كان يدرك أن التراث ليس كتلة صماء بل هو طاقة قابلة للتجدد، وأن الحداثة ليست بالضرورة مرادفا للقطيعة بل قد تكون إذا أُحسن فهمها أفقا لتفعيل الممكنات الكامنة في الذات الحضارية. وهذا هو جوهر الفكر الإصلاحي الرصين: أن يميز بين الثابت والمتغير وبين الأصل والفرع وبين الجوهر والعرض وبين ما ينبغي حفظه وما ينبغي مراجعته. وقد كان الشاطبي قد قرر في باب المقاصد أن النظر الشرعي الحق هو الذي يراعي «جريان المصالح على وفق ما تقتضيه الأزمان والأحوال»، وهذه الروح المقاصدية وإن لم تُصَغْ دائما عند كنون بصياغة أصولية مباشرة فهي حاضرة في منطقه الثقافي العام، إذ إنه كان يرى أن الحفاظ على الأمة لا يكون بتحنيطها بل ببعثها.

ولذلك فإن مشروعه الإصلاحي كان في جوهره مشروعا تربويا ثقافيا حيث لم يكن الرجل يظن أن الأزمة أزمة سلطة فقط ولا أن الخلل خلل إدارة وحسب بل كان يرى أن الانحطاط يبدأ من العقل حين يكسل ومن اللغة حين تضعف ومن الذوق حين يفسد ومن التعليم حين ينفصل عن الروح ومن النخبة حين تفقد صلتها برسالتها. ومن هنا عنايته البالغة باللغة العربية لا لأنها مجرد أداة تواصل بل لأنها وعاء الهوية وحافظة الذاكرة ومجال تشكل الوعي. وقد قال ابن خلدون إن «اللغة من أشد وجوه الشبه بين الغالب والمغلوب»، وفي هذا القول من العمق ما يكشف طبيعة المعركة التي كان يخوضها عبد الله كنون؛ إذ كان يدرك أن الاستعمار لا يكتفي باحتلال الأرض بل يسعى إلى احتلال اللسان ومن ثم احتلال الخيال التاريخي للأمة. ولهذا كان دفاعه عن العربية دفاعا عن السيادة الرمزية لا عن مجرد تقليد لغوي.

وليس غريبا والحال هذه أن يتخذ من الأدب وسيلةً لحراسة هذه السيادة الرمزية. فالأدب في تصوره ليس زينة ثقافية على هامش المجتمع بل هو أحد المعامل الكبرى لتشكيل الوجدان العام. وإذا كان طه حسين قد قرر في سياق آخر أن «الأدب مرآة الأمة»، فإن عبد الله كنون كان يتجاوز هذا التصور التمثيلي إلى تصور فاعل يجعل الأدب ليس مرآةً فقط بل قوةً منشئةً للوعي وصانعا للانتماء وموقظا للكرامة. وهذا ما يفسر انشغاله بالأدب المغربي وبإبراز أعلامه وبالدفاع عن أصالته واستمراره؛ لأن إثبات وجود أدب مغربي رصين ممتد الجذور كان عنده جزءا من معركة إثبات الشخصية المغربية في وجه خطاب استعماري حاول أن يصور المغرب فضاءً هامشيا تابعا أو أرضا بلا ذاكرة ثقافية متماسكة.

ومن أخصب مفاتيح قراءة عبد الله كنون أن نراه في ضوء فكرة «الرسالة». فالرسالة عنده ليست شعارا بل بنية داخلية تحكم مشروعه. إنه يكتب لأنه يشعر بأن الكتابة تكليف ويؤرخ لأنه يرى أن التاريخ ذاكرة المقاومة ويؤدب لأنه يعتقد أن الذوق الرفيع جزء من بناء الإنسان، ويدافع عن التراث لأنه يعلم أن الأمم التي تنقطع عن أصولها تفقد معيارها الداخلي في التمييز. وهذه النزعة الرسالية ليست غريبة عن تقاليد العلماء والأدباء في الحضارة الإسلامية، حيث لم يكن العلم منفصلا عن العمل ولا الأدب منفصلا عن المقصد. وقد عبّر أبو حامد الغزالي عن هذا المعنى حين جعل العلم الذي لا يثمر عملا وبالا على صاحبه؛ وعبد الله كنون وإن اشتغل بالأدب والنقد والتاريخ ظل في العمق وفيا لهذا التصور الذي يربط المعرفة بالمسؤولية.

ومما يزيد هذه الرسالية وضوحا أن الرجل لم يكن ينظر إلى الأدب بوصفه حقلا مستقلا استقلالا مطلقا عن الدين والقيم كما ساد في بعض التصورات الحداثية المتطرفة، بل كان يرى أن للأدب وظيفة تهذيبية ومعيارا أخلاقيا من غير أن يعني ذلك خنق الحرية الفنية أو إفساد الذوق بالخطابية المباشرة. وهذه منزلة دقيقة لا يحسنها إلا من جمع بين الفقه في الدين والذوق في الأدب والبصر بالتاريخ. فالخطاب الإصلاحي إذا فقد الفن صار منشورا والأدب إذا فقد القيمة صار لعبا لغويا أو استعراضا شكليا. وعبد الله كنون كان واعيا بهذه المعادلة لذلك جاءت كتابته مشدودة إلى الجمال من جهة وإلى الغاية من جهة أخرى في توازن يذكّر بما نجده عند بعض كبار الكتّاب الذين جعلوا البيان خادما للحق لا تابعا للهوى.

وإذا انتقلنا من طبيعة الرؤية إلى بنية الخطاب وجدنا أن عبد الله كنون يشتغل بمنطق التأصيل لا بمنطق الانبهار. فهو حين يواجه أسئلة العصر لا يهرع إلى استعارة أجوبة جاهزة بل يعود إلى الداخل الحضاري ليستخرج منه عناصر النهوض. وهذا المنهج في ذاته موقف فلسفي عميق لأنه يفترض أن كل نهضة حقيقية لا تُستورد استيرادا بل تُبنى من داخل الشروط التاريخية والثقافية الخاصة بالأمة. وقد نبّه مالك بن نبي في سياق قريب إلى أن مشكلات العالم الإسلامي ليست في فقدان الأشياء فقط بل في فقدان الأفكار الفاعلة. وعبد الله كنون بطريقته كان يحاول أن يعيد إنتاج «الفكرة الفاعلة» داخل السياق المغربي: فكرة الأمة الحية واللغة الحية والتراث الحي والتعليم الحي والأدب الحي. إنه لا يكتفي بوصف الأزمة بل يسعى إلى ترميم البنية الرمزية التي تجعل تجاوزها ممكنا.

ومن هنا أيضا نفهم صلته الوثيقة بفكرة «الشخصية المغربية». فهذا المفهوم عنده ليس تعبيرا إقليميا ضيقا ولا دعوةً إلى انغلاق محلي بل هو تثبيت لصيغة مخصوصة من التحقق الحضاري الإسلامي في المغرب. فالمغرب عند عبد الله كنون ليس هامشا على متن المشرق بل مركز خبرة تاريخية وثقافية وروحية، له إسهامه في بناء الحضارة الإسلامية وله لسانه الأدبي ومدارسه العلمية وذاكرته الجهادية ومؤسساته الرمزية. وهذه الفكرة كانت ذات بعد إصلاحي واضح؛ لأنها تربي الأجيال على الثقة بالذات وتقاوم مركب النقص وتُخرج الوعي الوطني من التبعية الثقافية. ولعل هذا ما يجعل عبد الله كنون قريبا من جهة الروح، من كل المشاريع التي سعت إلى تحرير الوعي قبل تحرير المجال، لأن الاستقلال السياسي الذي لا يسبقه أو يصاحبه استقلال ثقافي يظل ناقص البنية.

وإذا كانت النهضة في بعض تصوراتها قد اختزلت في التقدم التقني أو الإداري فإن عبد الله كنون كان يرى في عمق مشروعه أن النهضة تبدأ من الإنسان: من تكوينه وضميره وذوقه ولسانه ووعيه بتاريخ أمته. وهذا الفهم ينسجم مع ما قرره محمد إقبال حين جعل «بناء الذات» أساس كل بعث حضاري. فالإصلاح عند كنون ليس مجرد إصلاح مؤسسات بل إصلاح معنى الإنسان داخل الأمة؛ أي استعادة ذلك التوازن بين العقل والإيمان وبين العلم والخلق وبين الحرية والانضباط وبين الانفتاح والتميّز. وهذا هو السر في أن مشروعه لم يكن صاخبا لكنه كان عميقا؛ لم يكن قائما على الشعارات الحماسية بل على العمل الهادئ في التربية والتأليف والتوجيه والتأصيل.

إن عبد الله كنون بهذا الاعتبار يمثل نموذج المثقف العالم الذي لم تنفصل عنده الكتابة عن الرسالة ولا الأدب عن الإصلاح ولا الوطنية عن الأفق الإسلامي ولا الدفاع عن التراث عن الوعي بالتاريخ. وإذا كان بعض الأدباء قد اكتفوا بتمثيل العصر فإن كنون كان يسعى إلى المساهمة في توجيهه؛ وإذا كان بعض المصلحين قد أهملوا الأدب وعدّوه هامشا فإنه أدرك أن الأمم لا تقوم بالعقول وحدها بل بالأذواق أيضا، وأن تهذيب الحس جزء من تهذيب الفكر وأن اللغة الجميلة ليست ترفا بل أداة بناء. وقديما قال مصطفى صادق الرافعي إن «الأمة التي تحسن لغتها تحسن أن تفكر»، وفي هذا القول ما يصلح مفتاحا لفهم الرجل ومشروعه.

إن قراءة الأدب والفكر الإصلاحي عند عبد الله كنون لا ينبغي أن تظل أسيرة المقاربات الوصفية التي تكتفي بإحصاء المؤلفات أو سرد المواقف، بل يجب أن تنفذ إلى البنية العميقة التي تجمع هذه العناصر في وحدة دلالية واحدة: وحدة الدفاع عن الإنسان المغربي المسلم في زمن التحدي عبر إعادة وصل الحاضر بالماضي واللغة بالهوية والأدب بالرسالة والثقافة بالمقاومة والإصلاح بالوعي التاريخي. تلك هي الرؤية التي تمنح مشروعه قيمته وتلك هي الرسالة التي تجعل حضوره متجددا في كل لحظة يشعر فيها المغرب بل العالم العربي والإسلامي بالحاجة إلى مثقف لا يكتفي بالكلام عن النهضة بل يكتبها في اللغة ويؤسسها في الوعي ويغرسها في الذاكرة.

إن القيمة الحقيقية لمشروع عبد الله كنون لا تتجلى فقط في كونه جمع بين الأدب والفكر الإصلاحي بل في الكيفية التي استطاع بها أن يجعل من الأدب نفسه بنيةً إصلاحيةً ومن الإصلاح فعلا جماليا ومعرفيا في الآن ذاته. فليست المسألة عنده مجرد تقاطع عرضي بين حقلين مستقلين بل هي اندماج عضوي بين الرؤية والعبارة، بين الفكرة وصورتها وبين الرسالة وأداتها. ولذلك فإن نصوصه مهما اختلفت أجناسها ومقاصدها الظاهرة تُحيل في عمقها إلى نواة واحدة، إعادة بناء الإنسان المغربي المسلم على أساس من الاعتزاز بالذات الحضارية والانفتاح الواعي على العصر والوفاء للغة العربية باعتبارها موطن الوعي والوجدان والارتباط بالإسلام باعتباره المرجعية الكبرى التي تمنح الفعل الثقافي معناه ومشروعيته.

ولعل من أبرز ما يميز عبد الله كنون في هذا السياق أنه لم يكن من أولئك الذين جعلوا الإصلاح شعارا فضفاضا، أو كلمةً مطاطةً قابلةً لكل استعمال بل كان يمارس الإصلاح بوصفه نقدا مزدوجا، نقدا للجمود الداخلي الذي يعطل الأمة ويحوّل تراثها من طاقةٍ منتجةٍ إلى عبءٍ ساكن ونقدا للذوبان الخارجي الذي يُفرغ الذات من مضمونها ويجعلها مجرد ظلٍّ لغيرها. وهذه الازدواجية في النقد تكشف عن وعي ناضج بطبيعة الأزمة الحضارية لأن الانحطاط لا ينشأ من سبب واحد بل من تواطؤ عوامل متعددة: فكرية، تربوية، لغوية، سياسية، نفسية، وذوقية. إن خطاب كنون الإصلاحي لم يكن ساذجا في تشخيصه ولا اختزاليا في أحكامه بل كان يدرك أن إصلاح الأمة لا يتم بخطبة عابرة ولا بقرار فوقي وإنما يتم بإعادة تأسيس المجال الثقافي الذي تتشكل فيه العقول وتُصاغ فيه الأذواق وتُبنى فيه معايير الحكم على الأشياء.

ومن هذا المنظور تحديا تبرز أهمية عنايته بالنقد الأدبي والثقافي لأن النقد عنده ليس ترفا معرفيا بل هو جزء من وظيفة التقويم الحضاري. فالأدب الذي لا يخضع للمساءلة الجمالية والقيمية قد يتحول إلى خطاب مائع فاقد للوجهة كما أن الثقافة التي لا تُراجع أدواتها ومناهجها تتحول إلى تكرار أجوف أو إلى استلاب مقنع. وقد نبّه عبد القاهر الجرجاني قديما إلى أن مزية الكلام ليست في مفرداته منفصلة بل في «النظم» الذي يربط أجزاءه ويكشف عن علائقه؛ وعبد الله كنون وهو الأديب الناقد، كان يدرك أن مزية النهضة كذلك ليست في امتلاك عناصر متفرقة من العلم أو السياسة أو التعليم بل في النظم الذي يصل بينها في مشروع متكامل. إن حسه النقدي لم يكن حسا بلاغيا فحسب بل كان حسا حضاريا يرى في النصوص أعراضا لعلل أعمق أو بشائر لطاقات كامنة.

وإذا كان الأدب عنده مجالا لصياغة الوعي فإن التعليم كان المجال الحيوي لترسيخ هذا الوعي واستدامته. فلا يمكن فهم فكر عبد الله كنون الإصلاحي من غير استحضار تصوره الضمني للتربية، لأن كل مشروعه يكاد ينتهي إلى هذا المعنى: ما نوع الإنسان الذي ينبغي أن يصنعه المجتمع المغربي الحديث؟ أهو إنسان منزوع الذاكرة ضعيف الصلة بلغته متردد الهوية يستهلك المعاني ولا ينتجها؟ أم هو إنسان متشبع بروحه الحضارية قادر على الإفادة من العصر من غير أن يفقد مركزه الداخلي؟ لقد كان كنون منحازا بوضوح إلى الصنف الثاني، ولهذا كان يرى أن التعليم ليس مجرد تلقين معارف، بل هو بناء للإنسان في شموليته. وهو في هذا قريب من التصور الإسلامي العميق للتربية حيث لا ينفصل التكوين العقلي عن التهذيب الخلقي ولا المعرفة عن المقصد ولا المهارة عن الرسالة.

ومن هنا أيضا نفهم أن دفاعه عن العربية لم يكن دفاعا لغويا تقنيا ولا حنينا إلى ماضٍ لغوي مثالي، بل كان دفاعا عن الشرط الأول لكل استقلال ثقافي. فاللغة في نظره ليست أداةً محايدة وإنما هي بنية رؤية ونظام إدراك وحامل لقيم وتصورات ومخيال جماعي. وقد تنبّه هايدغر إلى أن «اللغة بيت الوجود» وإن كان سياقه فلسفيا مغايرا، إلا أن العبارة تصلح هنا بقدر كبير؛ لأن عبد الله كنون كان يتعامل مع العربية باعتبارها بيت الوجود الحضاري المغربي الإسلامي. فالعدوان على اللغة عدوان على نمط الوجود نفسه وعلى طرائق الفهم والتعبير والتذوق. ولذلك فإن مشروعه في الذب عن العربية والكتابة بها وإبراز طاقتها في حمل المعاني الحديثة كان جزءا من معركة أوسع ضد تفكيك الذات الثقافية للمغرب تحت ضغط الاستعمار ومخلفاته.

ولم يكن دفاعه عن العربية منفصلا عن دفاعه عن التراث، غير أن هذا الدفاع عنده لم يكن دفاعا أثريا، أي دفاعا عن التراث بوصفه بقايا محفوظة في متحف الذاكرة بل كان دفاعا عن التراث بوصفه عنصرا فاعلا في بناء الحاضر. وهذه نقطة دقيقة لأن كثيرا من الخطابات التقليدية سقطت في التقديس غير المنتج، كما أن كثيرا من الخطابات الحداثية سقطت في الرفض غير المنصف. أما عبد الله كنون فقد حاول أن يسلك مسلكا ثالثا أقرب إلى الإنصاف التاريخي والعقلانية الحضارية أن يُبقي على صلة الأمة بمخزونها الرمزي والمعرفي لكن على وجه التفعيل لا على وجه التجميد. وقد كان ابن رشد نفسه في لحظة مفصلية من تاريخ الفكر الإسلامي يؤكد أن النظر في كتب القدماء ليس حراما لذاته بل الواجب أن يُؤخذ منها ما وافق الحق ويُتجاوز ما عداه. وهذا المبدأ في روحه العامة حاضر في وعي كنون، لأن الإصلاح عنده ليس هدما للأصول وإنما هو تحرير لها من سوء الفهم وسوء التوظيف.

ومن أعمق ما يمكن استخلاصه من مشروعه أنه كان واعيا بأن معركة النهضة ليست معركة أفكار مجردة فحسب، بل هي أيضا معركة تمثلات ورموز وصور عن الذات. ولهذا كان اشتغاله على التاريخ الأدبي والثقافي المغربي ذا قيمة تتجاوز التوثيق إلى التأسيس. فعندما يكتب عن الأدب المغربي أو عن أعلام المغرب أو عن استمرارية الإنتاج الثقافي في هذا البلد، فإنه لا يكتب بدافع الجمع البيبليوغرافي فقط بل بدافع ترميم الصورة التي أراد الاستعمار أن يطمسها أو يشوّهها. فالاستعمار كما هو معلوم لا يكتفي بإخضاع الأرض بل يعمل على إعادة كتابة تاريخ المستعمَر من زاوية تجعله ناقص الأهلية الحضارية، قليل المساهمة ضعيف الذاكرة محتاجا دائما إلى الوصاية. ومن هنا كانت أعمال عبد الله كنون في إبراز الشخصية الأدبية المغربية ضربا من المقاومة المعرفية أو ما يمكن أن نسميه «التحرير الرمزي» للذات الوطنية.

ولذلك لم يكن من المصادفة أن يكتسب كتابه الشهير «النبوغ المغربي في الأدب العربي» مكانةً مرجعيةً في الثقافة المغربية والعربية؛ لأن هذا الكتاب لم يكن مجرد سرد لأسماء ومؤلفات، بل كان بيانا ثقافيا بليغا يثبت أن المغرب لم يكن تابعا في إنتاجه الأدبي ولا عالةً على غيره بل كان شريكا أصيلا في صناعة الثقافة العربية الإسلامية. وهذه الرسالة في حد ذاتها رسالة إصلاحية لأنها تعيد الثقة إلى الوعي المغربي، وتصحح صورته عن نفسه وتربطه بسلسلة من الامتداد التاريخي الذي يبدد شعور الانقطاع. وقد قال مالك بن نبي إن «القابلية للاستعمار» لا تتعلق فقط بالضعف المادي بل كذلك بالهشاشة النفسية والحضارية؛ وعبد الله كنون كان يشتغل في العمق على تقويض هذه الهشاشة عبر بناء وعي تاريخي مضاد ووعي لغوي مضاد ووعي أدبي مضاد.

على أن ما يزيد مشروعه رسوخا هو أنه لم يكن مجرد مدافع عن هوية مغلقة، بل كان واعيا بحقيقة العصر وبضرورة التواصل مع التحولات الحديثة. غير أن هذا التواصل عنده محكوم بميزان دقيق، لا رفض أعمى لكل جديد ولا قبول أعمى لكل وافد. وهنا تتجلى حكمته الفكرية لأنه كان يدرك أن كل حضارة حية لا بد أن تحسن فن الانتقاء؛ تأخذ ما يقويها وتدع ما يذيبها، تستوعب ما ينفعها وتقاوم ما يفسد بنيتها الداخلية. وهذا عين ما عبّر عنه بعض مفكري النهضة حين جعلوا «الاقتباس» مشروعا لا «الاستنساخ». فالاقتباس فعل سيادي أما الاستنساخ فهو علامة عجز. وعبد الله كنون كان من رجال الاقتباس الواعي لا من رجال التقليد المبهور.

إن خطابه الإصلاحي لا يمكن فصله عن مفهوم «الوسطية الثقافية» بالمعنى العميق لا بالمعنى الشائع السطحي. فهو وسط بين الانغلاق والانفلات، بين التقديس غير النقدي للقديم والتمرد غير المسؤول على الثوابت، بين الأدب الذي يتحول إلى وعظ أجوف والأدب الذي يتحول إلى لعب شكلي لا روح فيه. وهذه الوسطية ليست مساومةً رخوة بل هي اختيار معرفي وأخلاقي صعب لا يقدر عليه إلا من امتلك رسوخا في التراث ومعرفةً بالعصر وذوقا يميز وعقلا يزن. وقديما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «قيمة كل امرئ ما يحسن»، وعبد الله كنون أحسن الجمع بين فنون متعددة، لكنه أحسن أكثر من ذلك فنّ التوازن بينها، بحيث لم يطغَ جانب على جانب، ولم يُفسد التخصصُ عنده وحدةَ الرؤية.

وإذا نظرنا إلى أسلوبه وجدنا أنه هو نفسه جزء من رسالته. فالرجل لم يكن يكتب بلغة باردة محايدة منفصلة عن تراث العربية وبلاغتها، بل كان أسلوبه يحمل حرارة الانتماء وعمق التكوين ونَفَس العالم الأديب الذي يعرف قيمة العبارة في بناء الفكرة. وهذه المسألة ليست شكلية لأن اللغة التي يختارها الكاتب تكشف عن موقفه من المعرفة ومن القارئ ومن العالم. وقد كان أسلوب عبد الله كنون ينهل من معين العربية الكلاسيكية في جزالتها وتماسكها من غير أن يفقد القدرة على مخاطبة قضايا العصر. وهذه ميزة نادرة؛ إذ ليس كل من تشبع بالتراث يحسن تحويله إلى طاقة تعبيرية معاصرة كما ليس كل من كتب في العصر الحديث ينجو من الفقر البياني أو التفكك المفهومي. أما هو فقد ظل وفيا لما يمكن تسميته «الكتابة المؤسِّسة»، أي الكتابة التي لا تنقل المعنى فقط بل تؤسس له مقاما في الوعي.

وهنا تتضح فرادة عبد الله كنون مقارنةً بكثير من المثقفين الذين انقسموا بين نموذجين متقابلين، نموذج المصلح الذي يفتقر إلى الحس الأدبي فيأتي خطابه صحيح المقصد ضعيف الأثر، ونموذج الأديب الذي يفتقر إلى العمق الرسالي فيأتي خطابه جميل الصياغة خفيف الوزن الحضاري. أما كنون فقد جمع بين قوة المقصد وجمال العبارة، بين حرارة الرسالة وأناقة الأداء وبين الوعي التاريخي والقدرة البلاغية. ولذلك كان أثره يتجاوز دائرة الاختصاص إلى فضاء التكوين العام للنخبة المغربية. إنه من أولئك الذين لا يكتبون نصوصا فحسب، بل يساهمون في تشكيل المزاج الثقافي لأمة.

ولئن كان الفكر الإصلاحي عنده يتأسس على الهوية، فإن الهوية في تصوره ليست شعارا دفاعيا فقط، بل هي قدرة على الإبداع من داخل الذات. فالهوية الجامدة تتحول إلى عبء، أما الهوية الحية فتتحول إلى قوة مولدة. ولهذا فإن الدفاع عن الأدب المغربي والعربية والتراث والدين لم يكن عنده دفاعا عن قوالب منتهية بل عن شروط الإبداع الأصيل. إن الأمة التي تفقد أصلها لا تبدع بل تقلد؛ والأمة التي تسجن نفسها في أصلها من غير حركة لا تبدع أيضا بل تعيد نفسها في صورة باهتة. أما الإبداع الحق فينشأ من الوفاء الخلاق، من تلك القدرة على أن تحمل القديم في روح جديدة وأن تكسو الثابت لباسا تاريخيا ملائما وأن تجعل من الذاكرة لا قيدا بل معينا.

إن عبد الله كنون يظل في الثقافة المغربية الحديثة مثالا نادرا للمثقف الذي فهم أن الإصلاح ليس خصومةً مع الجمال، بل إن الجمال نفسه أحد شروط الإصلاح؛ لأن النفس لا تُقاد إلى الحقائق الكبرى بالعقل وحده، بل بما يصاحب العقل من وجدان وذوق وصورة ولغة. وقد كان أبو حيان التوحيدي يقول: «الإنسان أشكل عليه الإنسان»، وعبد الله كنون بطريقته كان يحاول أن يخفف من هذا الإشكال بأن يعيد للإنسان المغربي صورته المتوازنة: إنسانا له دين وله لغة وله تاريخ وله أدب وله قدرة على أن ينهض من داخل نفسه لا من خارجها.

عبدالله كنون

لهذا كله فإن عبد الله كنون ليس مجرد اسم في سجل الأدباء أو العلماء، بل هو علامة دالة على طور كامل من أطوار الوعي المغربي الحديث، طورٍ كان فيه الأدب سلاحا واللغة حصنا والتاريخ ذاكرةً والإصلاح رسالةً والمثقف ضميرا حيا لا موظفا في جهاز الثقافة. وإذا كان بعض المفكرين يُعرفون بحدة أفكارهم وبعض الأدباء بجمال أساليبهم، فإن عبد الله كنون يُعرف بهذه الخصيصة الأندر: أنه جعل من الأدب نفسه فكرا ومن الفكر نفسه أدبا ومن كليهما مشروعا للإصلاح الثقافي والحضاري. وذلك ما يفسر استمرار الحاجة إلى قراءته اليوم، لا بوصفه أثرا من الماضي بل بوصفه إمكانا متجددا لفهم سؤال النهضة وسؤال الهوية وسؤال الرسالة في زمن تتجدد فيه صور الاضطراب وتتبدل فيه وجوه الاستلاب، لكن يبقى فيه جوهر المعركة هو هو: كيف نكون أنفسنا من غير انغلاق وكيف ننفتح من غير ذوبان وكيف نكتب أدبا يحمل الجمال والحق معا؟.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى