القاهرة تحتفي بجسور الثقافة: كلمات ملهمة وتكريمات دولية

في مشهد ثقافي يعكس حيوية القاهرة ودورها التاريخي كجسر بين الحضارات، احتضنت الجامعة البريطانية في مصر فعاليات ندوة دولية رفيعة المستوى تحت عنوان «الثقافة والآداب… جسر التعاون بين الشعوب»، وذلك يوم الاثنين السادس من أبريل 2026، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والمفكرين والمبدعين من مصر والعالم.

الندوة التي افتتحتها الأستاذة الدكتورة شادية فهيم، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جاءت لتؤكد على دور المؤسسات الأكاديمية في ترسيخ قيم الحوار الثقافي والانفتاح، في وقت تتزايد فيه التحديات العالمية التي تتطلب خطابًا إنسانيًا جامعًا. وفي كلمتها الافتتاحية، شددت على أن الثقافة ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة إنسانية قادرة على تجاوز الحدود السياسية واللغوية، وبناء جسور من الفهم المشترك بين الشعوب.

وأكدت أن الأدب، بوصفه مرآة لوجدان الأمم، أدى دورًا تاريخيًا في نقل تجارب الشعوب وآمالها، مستحضرة أسماء عمالقة الإبداع الإنساني مثل ويليام شكسبير وليو تولستوي وأنطون تشيخوف، باعتبارهم نماذج خالدة أسهمت في تشكيل الوعي الإنساني عبر العصور.

شارك في الندوة الأستاذ الدكتور حسن رجب مدير مركز الدراسات الصينية بالجامعة البريطانية في مصر،  والدكتور ضياء حلمي الفقي رئيس الاتحاد العربي للتدريب بمجلس الوحدة الاقتصادية العربية. وممثلين لجمعية شعوب العالم، شارك في الندوة كل من الشاعرة مارجريتا آل، رئيسة منظمة كتاب العالم، ورئيسة المجلس الأدبي لجمعية شعوب العالم، والدكتور أشرف أبو اليزيد نائب رئيس المنظمة لشؤون الإعلام، والأمين العام لمؤتمر الصحفيين الأفارقة.

المشاركة الفاعلة من الأستاذ الدكتور حسن رجب مدير مركز الدراسات الصينية، ركزت على مركزية اللغة كأداة للتقارب الحضاري، معتبرًا أن تعلم اللغات يفتح نوافذ على عوالم فكرية وثقافية جديدة، ويسهم في كسر الصور النمطية وتعزيز الاحترام المتبادل بين الشعوب.

من جانبه، قدّم الدكتور ضياء حلمي الفقي رؤية شاملة لدور الثقافة في بناء الإنسان، مؤكدًا أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العقل والوجدان، لا من البنية المادية فقط. وأوضح أن الأدب والشعر والمسرح والترجمة تمثل أدوات فعالة لصياغة الوعي وتعزيز الهوية الإنسانية، مستشهدًا بتجارب قرائية شكلت وعي أجيال كاملة، من بينها أعمال نجيب محفوظ وجبران خليل جبران وفيكتور هوغو.

وفي بُعدها الدولي، اكتسبت الندوة زخمًا خاصًا بمشاركة الشاعرة مارجريتا آل، رئيسة منظمة كتاب العالم، التي أكدت في كلمتها أن الثقافة والأدب يمثلان القوة الناعمة القادرة على تحقيق ما تعجز عنه السياسة، مشيرة إلى أن العالم اليوم في حاجة ماسة إلى خطاب ثقافي يعزز الثقة والتفاهم.

وأعلنت عن مبادرة نوعية بإطلاق «عقد لغات شعوب العالم» خلال الفترة من 2026 إلى 2035، على أن يكون عام 2026 عامًا للغة الروسية، وعام 2027 عامًا للغة العربية، في خطوة تهدف إلى تعزيز التنوع اللغوي والحفاظ على التراث الثقافي الإنساني.

كما كشفت عن مشروع ثقافي مشترك بين روسيا ومصر، يتمثل في إصدار أنطولوجيا ثنائية اللغة بعنوان «نحن بشر كوكب واحد»، إلى جانب دراسة علمية مقارنة بعنوان «لغتان… روح واحدة»، في محاولة غير مسبوقة لقراءة الأدبين الروسي والعربي بوصفهما منظومتين متكافئتين عبر التاريخ.

وفي السياق ذاته، استعرض الدكتور أشرف أبو اليزيد، نائب رئيس المنظمة، تجربته الممتدة في الترجمة والتواصل الثقافي، مؤكدًا أن الترجمة ليست مجرد نقل لغوي، بل إعادة خلق للنص داخل سياق ثقافي جديد. وتوقف عند تجربته مع الأدب التتاري، خاصة أعمال الشاعر عبد الله طوقاي، والتي نقلها إلى العربية، معتبرًا أن مثل هذه المبادرات تمثل جسورًا حقيقية بين الشعوب.

وأشار إلى مشروع «أنطولوجيا طريق الحرير» الذي جمع مئات الشعراء من مختلف القارات، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق أنطولوجيات متعددة اللغات، مع اهتمام خاص بأدب الطفل باعتباره حجر الأساس في بناء وعي الأجيال الجديدة.

ولم تقتصر الفعاليات على الطرح النظري، بل شملت الإعلان عن خطة عمل متكاملة لتنفيذ فعاليات «عقد لغات شعوب العالم» في مصر، بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية والإعلامية، تتضمن تنظيم مؤتمرات دولية، وإطلاق مشاريع نشر وترجمة، وتكريم رموز الإبداع العالمي.

كما شهدت الندوة الإعلان عن بدء مشروع «روسيا – مصر» الثقافي، وإصدار أولى كتبه، إلى جانب تكريم عدد من أعضاء منظمة كتاب العالم، ومنح جوائز تقديرًا لإسهاماتهم في تطوير الأدب العالمي، فضلًا عن فتح باب العضوية لأعضاء جدد، في إطار توسيع شبكة التعاون الثقافي الدولي.

في سياق الندوة الدولية «الثقافة والآداب… جسر التعاون بين الشعوب»، التي احتضنتها الجامعة البريطانية في مصر، تحوّل المشهد الثقافي إلى لحظة احتفاء إنساني رفيع، تجلت فيها قيم التقدير والاعتراف بدور الرموز الفكرية والإبداعية التي أسهمت في ترسيخ الحوار الثقافي بين الشعوب. فقد تصدّر مشهد التكريم الدكتور ضياء حلمي الفقي، رئيس الاتحاد العربي للتدريب، الذي حرص على تقديم دروع التكريم للمشاركين، في لفتة تؤكد أن الثقافة لا تزدهر إلا بالاعتراف بروادها. ويحمل الدرع شعار الاتحاد العربي للتدريب، ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية.

وفي مقدمة المكرّمين، جاءت الأستاذة الدكتورة شادية فهيم، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، التي حظيت بكلمة مؤثرة عبّرت عن تقدير عميق لمسيرتها الأكاديمية والثقافية. فقد أشار الدكتور الفقي إلى أن ما قدمته من جهود في دعم الفكر والإبداع لا يمكن اختزاله في منصب إداري، بل هو رسالة ممتدة في بناء الوعي وصياغة أجيال قادرة على حمل قيم المعرفة والوفاء. وأكد أن دورها لم يقتصر على التعليم، بل تجاوز ذلك إلى غرس منظومة أخلاقية وفكرية في طلابها، تجعل منهم امتدادًا حيًا لرسالة الثقافة. وجاء التكريم بمثابة تحية وفاء من جيل كامل من طلابها، الذين وجدوا في تجربتها نموذجًا يُحتذى في العطاء والتفاني.

أما الشاعرة مارجريتا آل، رئيسة منظمة كتاب العالم، فقد حظيت بتكريم خاص اتخذ طابعًا أدبيًا وإنسانيًا عميقًا. إذ وصفها الدكتور الفقي بأنها «إنسانة بدرجة شاعرة»، في إشارة إلى ذلك التداخل الفريد بين حسها الإبداعي ونقائها الإنساني. وأبرز أن تجربتها الشعرية لا تكتفي بالجمال الفني، بل تتجاوز ذلك إلى إيقاظ القيم الإنسانية في عالم يزداد اضطرابًا. فقصائدها، كما قيل، ليست مجرد نصوص، بل جسور تمتد بين القلوب، تدعو إلى الحب والتسامح، وتعيد للإنسان إيمانه بذاته وبالآخر. وقد لفت إلى أن شعرها يجمع بين البساطة والعمق، وبين العفوية والتأثير، ليخلق حالة وجدانية قادرة على تحريك الصمت الداخلي لدى المتلقي، وتحويله إلى طاقة أمل وسلام.

وفي سياق التكريم الأكاديمي، تم الاحتفاء بالأستاذ الدكتور حسن رجب، مدير مركز الدراسات الصينية، تقديرًا لمسيرته العلمية الطويلة في خدمة الثقافة والمعرفة. وقد ركزت كلمة التكريم على دوره في توظيف اللغة كجسر للتواصل بين الشعوب، وعلى جهوده المتواصلة في تعزيز الحوار الحضاري دون انتظار مقابل أو إشادة، في نموذج يعكس تواضع العلماء الحقيقيين. وأكدت الكلمة أن ما يقدمه من عمل أكاديمي يسهم في بناء مساحات مشتركة بين الثقافات، ويعزز من قيمة التلاقي الحضاري بوصفه ضرورة لا خيارًا.

ولم يكن تكريم الدكتور أشرف أبو اليزيد أقل أهمية، إذ جاء محمّلاً بإشادة واسعة بمسيرته الإبداعية المتنوعة. فقد وُصف بأنه شاعر ومفكر ومترجم استطاع أن يكرّس حياته لخدمة الثقافة بوصفها أداة للتقارب الإنساني. وأبرزت كلمة التكريم أن تجربته في أدب الرحلات تمثل إضافة نوعية للأدب العربي، إذ أعاد إحياء هذا الفن العريق برؤية معاصرة، جعلته وسيلة لاكتشاف الآخر وبناء جسور الفهم معه. كما أشير إلى حضوره الدولي الواسع، وتكريمه في العديد من دول العالم، ما يعكس تأثيره الثقافي العابر للحدود. ولم تغفل الكلمة الإشارة إلى دوره الحالي كأمين عام لمؤتمر الصحفيين الأفارقة، بعد أن كان رئيسا لجمعية الصحفيين الآسيويين لمدة ثماني سنوات، وهو ما يمثل  امتدادًا لرسالته في دعم الحوار الثقافي على مستوى القاري.

وفي لفتة تعكس روح التبادل والتقدير المتبادل، قامت الشاعرة مارجريتا آل بتكريم الدكتور ضياء حلمي الفقي بمنحه ميدالية منظمة كتاب العالم، تقديرًا لإسهاماته البحثية والأدبية، في مشهد يؤكد أن الثقافة الحقيقية تقوم على الاعتراف المتبادل بين رموزها، والميدالية المقدَّمة من المنظمة العالمية للكتّاب تأتي تقديرًا للإسهام في تطوير الأدب العالمي. كما أعلن الدكتور أشرف أبو اليزيد عن منح عضوية المنظمة لكل من الدكتورة شادية فهيم، والدكتور حسن رجب، والدكتور ضياء حلمي، في خطوة تعزز من توسيع دائرة التعاون الثقافي الدولي.

وشهدت الفعاليات أيضًا لحظة مهمة تمثلت في الاحتفاء بإطلاق «عقد لغات شعوب العالم»، الذي بدأ بتكريس عام 2026 للغة الروسية، على أن يُخصص عام 2027 للغة العربية، في مبادرة تعكس وعيًا متقدمًا بأهمية التنوع اللغوي في بناء جسور التواصل الإنساني. وتزامن ذلك مع صدور ديوان شعري جديد لمارجريتا آل باللغتين العربية والإنجليزية في القاهرة، بترجمة الدكتور أشرف أبو اليزيد، ضمن سلسلة «إبداعات طريق الحرير» التي تحتفل بمرور عشر سنوات على تأسيسها.

وفي سياق موازٍ، تبادل المشاركون إهداء مؤلفاتهم للجامعة وللحضور، في مشهد يعكس روح المشاركة الثقافية، حيث قدم كل من مارجريتا آل، والدكتور ضياء حلمي، والدكتور أشرف أبو اليزيد نماذج من مؤلفاتهم، بما يعزز حضور الكتاب كأداة أساسية في التواصل الفكري.

اتسمت الندوة بطابع دولي واضح، إذ أُديرت فعالياتها بثلاث لغات: العربية والإنجليزية والروسية، وشهدت حضورًا كثيفًا من الأكاديميين والطلاب، الذين شاركوا في النقاشات الختامية والتقطوا الصور التذكارية، في أجواء عكست حيوية المشهد الثقافي وتفاعله.

ولم تتوقف الفعاليات عند هذا الحد، بل امتدت إلى عشاء عمل جمع ممثلي جمعية شعوب العالم مع إدارة الكلية، حيث استُكملت النقاشات حول آفاق التعاون المستقبلي. وفي اليوم التالي، قام وفد منظمة كتاب العالم بزيارة «البيت الروسي» في القاهرة، حيث كان في استقبالهم الدكتور شريف جاد، مدير النشاط الثقافي هناك، وهو رئيس جمعية خريجي الجامعات الروسية، وشهد اللقاء تبادلًا ثقافيًا غنيًا تمثل في إهداء مجموعة من الإصدارات الأدبية والفكرية متعددة اللغات، بما يعكس عمق العلاقات الثقافية بين الجانبين.

واختُتمت الفعاليات باتفاق واضح على تفعيل برامج التعاون في مجالات الترجمة والنشر، بما يضمن استمرارية هذا الحراك الثقافي، وتحويله من حدث عابر إلى مشروع ممتد يعزز من حضور الثقافة كقوة ناعمة قادرة على بناء عالم أكثر تفاهمًا وتكاملًا، مع التأكيد على أن الثقافة، بما تحمله من قيم إنسانية، تظل الأداة الأكثر فاعلية في بناء عالم أكثر تسامحًا وتفاهمًا، وأن الأدب سيظل صوت الشعوب وذاكرتها الحية، القادر على تجاوز الأزمات وصناعة مستقبل مشترك قائم على الحوار والتنوع.

هكذا، بدت القاهرة مرة أخرى منصةً عالميةً للحوار الثقافي، حيث تلاقت الأصوات المختلفة لا لتتصادم، بل لتتكامل، في رسالة واضحة مفادها أن الإنسانية، رغم اختلاف لغاتها، تتحدث دائمًا بلغة واحدة: لغة الثقافة.

 

 

 

  • Related Posts

    A Street in Cairo Celebrated in Paris!

    Paris — In a moment that celebrates the vitality of intercultural dialogue and literary exchange, the French edition of A Street in Cairo by Egyptian writer Ashraf Aboul-Yazid has been…

    د. أشرف أبو اليزيد: الترجمةُ خلقٍ جديد للنصِّ في سياقٍ ثقافيٍّ مختلف

    في مشهد ثقافي يعكس حيوية القاهرة ودورها التاريخي كجسر بين الحضارات، احتضنت الجامعة البريطانية في مصر فعاليات ندوة دولية رفيعة المستوى تحت عنوان «الثقافة والآداب… جسر التعاون بين الشعوب»، وذلك…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *