- مقالة بقلم: أحمد فاروق بيضون (مصر –دمياط)
لربما تطور المسرح في العموم عن ذاك النمط الكلاسيكي القديم، منذ عباءة المسرحي النرويجي (هنريك إبسن) الذي ركن إلى الدراما الواقعية في تأطير سوسيوسيكولوجي لأبطاله كما في مسرحية (بيت الدمى A Doll’s House )، وكذلك الشخصية البيكيتية (صموئيل بيكيت) صاحب المسرحية الشهيرة (في انتظار جودو)، ثم الشخصية الملحمية المثالية (Archetype Epic Hero) لويليام شكسبير؛ ومفهوم (الهمارتيا) Hamartia في مسرحياته العظيمة التي بلغت ما يناهز 37 وذاع صيت أربعة منها فقط وهي: الملك لير وماكبث وهامليت وعُطيل…
ربما كان المونولوج والميلودراما الحزينة المأساوية وتلك الأجواء المشوقة التي تستلهم أجواء الهلع وأمارات النفس البشرية هي الطاغية في المشهد الممسرح، فركح المسرح Stage Directions في تلك الأزمان ربما كان بالغاً في التعقيد، والركح هو تلك الأدوات والخيوط المسرحية التي تتحدث وتتحرك على خشبة المسرح وتحدث تفاعلاً وجدانياً جسدياً نفسياً تعليمياً تثقيفياً مع الجماهير العريضة التي كانت تحضر التمثيل المشهدي في بلاط الحكم أو ربما في مسارح قارعات الشوارع، ولربما كان المسرح في مصر القديمة شاهداً على أدلجة شكل أدبي بطقوس تمثيلية في المعابد كما دلت عليه بردية (الرامسيوم) الموجود بالمتحف البريطاني وأشارت له بعض الموسوعات الإلكترونية كالويكيبيديا، لما تم مسرحة قصة إيزيس وأوزوريس ونفتيس في إطار كوميدي ملهم للعوام، ربما تبع تلك الفترة أرستوفانيس ويوريبيديس في المسرح اليوناني ثم تواتر إلى المدرسة الرومانية مثل العظيم (سينيكا) كميديا وأوديب وثيستيس والطرواديات، ظل الشكل الكلاسيكي للمسرح دهراً راسفا واستلهم منهم أدباء الغرب…
بيد أن العصور الحديثة التي جاءت إبان الثورة الصناعية في أوروبا حملة غرائبية (ألبيير كامو) ومسوخ (فرانز كافكا) ورمزية (موليير) واللامعقول والضمير الجمعي لـلألماني (برخت –بريشت)، ووجودية سارتر وتحليلية وتشظي يونغ وفرويد، وتماهى ذلك مع ظهور المسرح الشعبي كفن فلكلوري مستحدث جاء به الانجليزي الأصل ويليام جونز ليميط الستار عن الحياة الاجتماعية ومشكلاتها، ناهيك عن تلك الطفرة في المشهد العربي حينما تعلقت الأفئدة بالفن في بدايات القرن الماضي على يد الشامي مارون النقاش وأبي خليل القباني والمصري يعقوب صناع(موليير مصر) وزكي طليمات، ربما كان المسرح يكترث للكوميدياء السوداء وتأثراً بمسرح برنارد شو الذي كتب رائعته (بيجماليان) أو أوسكار وايلد ورائعته (مروحة الليدي ويندرمير)، حتى بلغت الأمة العربية عهود مجدها بظهور مسرح شعري غنائي على يد أمير الشعراء (أحمد بيك شوقي) في رائعته مصرع كليوباترا ، وتلاه زخم من رعيل العمالقة الأفذاذ كتوفيق الحكيم في مسرحه الذهني وجورج أبيض ونجيب الريحاني ويوسف وهبي، تحف مسرحية مثل: (الستات ما يعرفوش يكدبو) ، (إلا خمسة)، (حسن ومرقص وكوهين)، (ريا وسكينة)، (بيومي أفندي)، (بنات الريف)؛ التي على إثرها بزغ نجم ممثلون غربت شمسهم لكل آثرتهم خالدة إلى يومنا هذا؛ مثل عبد المنعم مدبولي الكوميديان الرائع العظيم صاحب مدرسة (المدبوليزم) وفؤاد المهندس الممثل القدير وميمي شكيب وماري منيب، ومنذ سبعينيات القرن الماضي تلألأت في ثريا المسرح العربي العديد من الأسماء اللامعة مثل سعدالله ونوس السوري في مسرحيته (الملك هو الملِك) والعظيم سعد الدين وهبة المصري الراحل عن ديارنا بمصر الكنانة في رائعاته التي أذكر منها على سبيل الحصر: (سكة السلامة – السبنسة – يا سلام سلم الحيطة بتتكلم) سبقه الرائع الراحل (أبو السعود الإبياري) الذي برع بل مهر الممثل الفذ الراحل إسماعيل يس في مسرحياته (كل الرجالة كده) و(سكر هانم).
بيد أن فجوة الأجيال تتجلى في ذاك التوق لفن المسرح (أبو الفنون السبعة) باتت واضحة المعالم، فجيل التسعينيات والثمانينات يرتبطون بالمسرحي العظيم (لينين الرملي) الذي كتب لنا (تخاريف – علي بيه مظهر – انتهى الدرس يا غبي) ومثلها العملاق الفنان (محمد صبحي)، والجدير بالذكر العظيم الراحل (علي سالم) الذي قدم لنا (مدرسة المشاغبين)، مروراً بالرائع القدير الراحل (سيد حجاب) في مسرحيته الساخرة (دنيا البيانولا) و(نرجس) لمسرح العرائس وغيرها من الأعمال الخالدة في تراثنا القومي المصري الفني الإبداعي، بيدَ أن الأبرز في أواخر التسعينيات ومستهل الألفية الجديدة الذي ارتبط به جيل (الميلينيال) هو الراحل القدير(يسري الجندي) بأعماله الرائعة مثل (علي الزيبق – الهلالية – رابعة العدوية – الإسكافي ملكاً)… وهكذا دواليك من قطار عباقرة المسرح المصري والعربي يثرون الساحة بكل جديد ومصدر إلهام للأجيال المتعاقبة…

لكنَّ جيل (زيد Z) ربما لديه رأي آخر في شكل المسرح المعاصر الذي يواكب مفهوم Digital Detox أو المعالجات الرقمية للفنون وإيغال التكنولوجيا حتى في مسرحة المناهج التعليمية الذي حد من وجود المسرح المدرسي (النواة الأولى) للإبداع المسرحي بشكل صارخ، يأتي إحياء المسرح من خلال تلك الخلايا والفرق المسرحية التي نراها هذه الأيام ولكنها ربما تفتقر إلى تلك الرسالة والسياق المسرحي المعتاد من ميلودراما ومونودراما وتراجيكوميديا، أصبح المسرح الحالي على الرغم من تلك الجهود المضنية لإنعاش التراث القومي الفني أكثر رتابة وغرضه الأساسي التجاري لاستقطاب الجماهير العريضة، وبالتالي دعت الحاجة الماسة لما آن أوان النهضة الثقافية بقيادتنا الحكيمة الرشيدة لتدارك المشهد الثقافي في كل الفنون والحفاظ على التراث المادي وغيره، فنجد المشهد الأبرز عبر (الكافيه الثقافي) المقهى الثقافي الذي يقدم الآن عروضاً مسرحية وغنائية واستعراضية تحكي تاريخنا وتستنهض عزائم هذا الجيل الواعد في ظل الذكاءات الاصطناعية وهيمنة لكيانات ثقافية، بات الأمر مُلحاً الآن بأن نكون أو لا نكون!





