حين استعاد جنّتَه… القيروان تحتفي بمحمد الشارني ونقاد القصيدة

في أمسية ثقافية استثنائية، تحوّلت مدينة القيروان، عاصمة الروح والمعرفة، إلى فضاء مفتوح للحوار النقدي والجمالي، حين احتضنت المكتبة الجهوية ابن رشيق بالقيروان محاضرة فكرية حملت عنوان: «كتاب الجنة الضائعة لمحمد الشارني… بين النقد ونقد النقد»، وذلك يوم الجمعة 15 مايو 2026، بتنظيم من وزارة الشؤون الثقافية التونسية ممثلة في الإدارة العامة للكتاب، وإدارة المطالعة العمومية، والمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بالقيروان.

محمد الشارني

وشكّل اللقاء، الذي انطلق عند الساعة الثالثة بعد الزوال، حدثًا ثقافيًا لافتًا جمع نخبة من المثقفين والأكاديميين والشعراء، في احتفاء فكري بتجربة الشاعر التونسي محمد الشارني وكتابه «الجنة الضائعة»، في قراءة تجاوزت النقد التقليدي إلى مساءلة النقد ذاته ومناهجه وأسئلته.

وقدّمت اللقاء الأستاذة سهام مصطفى الشريف، فيما شارك في المحاضرة الشاعر المناضل الحبيب كعرود، صاحب الثلاثية الفلسطينية، إلى جانب عدد من الوجوه الفكرية والأدبية البارزة.

وفي كلمة مؤثرة، عبّر الشاعر محمد الشارني عن عمق تجربته في هذه الأمسية، قائلاً:

“أعتقد أن يوم 15 ماي 2026 كان اليوم الذي وجدتُ فيه جنّتي الضائعة في رحاب المكتبة الجهوية ابن رشيق بالقيروان.”

وأضاف أن هذه اللحظة الثقافية اكتسبت معناها الحقيقي بحضور كوكبة من المثقفين الذين أثروا النقاش، مشيدًا بالدور الثقافي الذي يقوم به مدير المكتبة سعيد القليعي، الذي وصفه بأنه “المثقف المدافع عن الثقافة والمثقفين”.

كما خصّ الشارني بالشكر الأستاذ الناجي العجبوني، الذي وصفه بـ”زمخشري هذه الأمة”، وكذلك الأستاذ رضا لسود البعزاوي، المختص في اللغة الفرنسية، والبروفسور المنذر شفرة، الذي أثار إعجابه بطرحه الأكاديمي وفكرته اللافتة حول “أنسنة القصيدة”. كما لم ينس الإشارة إلى حضور الشاعرتين ليلى الشرفي و**هدى هلارة**، في مشهد ثقافي اتسم بالحيوية والتعدد.

لكن إحدى أكثر اللحظات تأثيرًا في الأمسية جاءت مع مداخلة الأستاذ رضا لسود (بعزاوي)، التي تحولت إلى شهادة أدبية استثنائية في حق محمد الشارني، إذ قال:

“محمد الشارني سفير الشعر العربي، ورئيس الوزراء المكلّف بجمال القصيدة، وأمين بيت مالها ومصاريفها ومساحيقها التجميلية.”

ولم تتوقف صور البعزاوي البلاغية عند هذا الحد، بل مضى يرسم شخصية الشاعر عبر استعارات مدهشة، فقال إن محمد الشارني:

“رسّام يرسم بالكلمات… وبنّاء يشيّد ناطحات سحاب من الأشعار المتينة، مستخدمًا الإسمنت المسلح للغة العربية.”

وأضاف:

“هو طباخ ماهر في مطبخ البلاغة وعلم المجاز… ونجّار يقدّ من خشب اللغة زخارف ومنمنمات فائقة الجمال.”

وفي صورة أخرى، وصفه بأنه:

“حدّاد يضع المعنى بين مطرقة المبنى وسندان المغنى… وحارس مرمى ومدافع ورأس حربة في ملعب الكلمات.”

بل ذهب أبعد من ذلك حين قال:

“محمد الشارني هو الحارس الليلي لقصر القصيدة حتى لا يدخلها المتطفلون والمرتزقة… وهو قنّاص محترف، ليست القصائد بالنسبة له إلا حمائم وأرانب وغزلان.”

وقد لاقت هذه المداخلة تفاعلًا واسعًا من الحضور، الذين رأوا فيها نصًا نقديًا شعريًا موازياً، يكشف عن مكانة محمد الشارني في المشهد الأدبي التونسي والعربي.

المحاضرة لم تكن مجرد قراءة في كتاب، بل تحولت إلى ورشة مفتوحة في الشعر والنقد والفلسفة والجمال، حيث دار نقاش ثري حول مفهوم النص، وحدود القراءة، ومسألة “نقد النقد”، في أجواء أكدت أن القيروان ما تزال مدينة تصنع المعرفة وتحتضن أسئلة الأدب الكبرى.

وهكذا، بدا أن «الجنة الضائعة» لم تعد مجرد عنوان كتاب، بل صارت، في تلك الأمسية، جنةً مستعادة في حضرة الكلمة.

Related Posts

من سلال كاليمانتان إلى العالم… بوجو نوغروهو يحوّل الحرفة إلى فن عالمي

استنادًا إلى منشور البروفيسور نزيه معروف في شهادة جديدة تسلط الضوء على رواد الحرف التقليدية في آسيا، أشار البروفيسور نزيه معروف إلى التجربة الاستثنائية للحرفي الإندونيسي بوجو نوغروهو، بوصفه واحدًا…

 From Kalimantan to the World: Pujo Nugroho Weaves Tradition into Global Art

Based on the note of Professor Nezih Maruf In a new cultural note highlighting outstanding figures in traditional craftsmanship, Professor Nezih Maruf has drawn attention to the remarkable journey of…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *