
في الصباح الباكر، وما إن بدأ الفجر يبزغ، حتى استيقظت الحمامة ذات العُرف — أمُّ عائلة الحمام الكبيرة — ففركت عينيها بمخالب بلون الحناء، وبسطت جناحيها. كان البرد قد اشتد فجأة أثناء الليل، فشعرت بقشعريرة خفيفة. وقالت في نفسها:
«الطقس يزداد برودة يومًا بعد يوم. إذا استمر الأمر هكذا فلا بد أن الثلج سيتساقط قريبًا».
ثم فتحت جناحيها على اتساعهما واستنشقت بعمق هواء الصباح المتجمّد.
منذ سنوات طويلة كانت أسراب الحمام تعيش فوق سطح بيت واسع في قلب المدينة. وقد ألفت الطيور بعضها بعضًا حتى أصبحت كأنها عائلة واحدة كبيرة.
قبل أعوام كثيرة بنت الحمامة ذات العرف عشّها مع الحمام المرقط، ومنذ ذلك الحين عاشا في انسجام ومحبة. وكان نحو نصف السرب من نسلهما. وقد مضت حياتهم هادئة مطمئنة؛ فالناس كانوا يحبون الطيور، يعتنون بها، ولا يتركونها يومًا بلا طعام.
غير بعيد عن البيت كانت تعيش عجوز طيبة القلب. كل صباح كانت تحمل للحَمام حبوب القمح وتنثرها في الساحة أمام المنزل.
اعتادت الحمائم على العجوز حتى إنها ما إن تظهر، حتى تخرج الطيور من أعشاشها وتدور حولها محاولةً جذب انتباهها.
أما العجوز فكانت بدورها تحب الحمام كثيرًا. كانت تتكئ على عصاها، وتفرد ظهرها المنحني قليلًا، ثم تقف طويلًا تراقب الطيور. وبعدها تحلّ رباط الكيس الذي تحمله، وتأخذ حفنةً بعد أخرى من حبوب القمح وتنثرها على الإسفلت.
فتهبط الحمائم الجائعة وهي تخفق بأجنحتها بصخب، وتلتقط الحبوب بنهم. وبعد أن تشبع وتمتلئ حواصلها، تعود للتحليق في الهواء، وتدور مرات عدة فوق رأس العجوز وكأنها تشكرها على كرمها، ثم تعود إلى أعشاشها.
وهكذا استمر الحال سنوات طويلة. كل صباح، وما إن ترى الحمائم مُطعمتها حتى تهبط لتناول وجبتها الصباحية. وقد اعتادت هذا الطقس اليومي إلى درجة أنها لم تكن تغادر سطح المنزل قبل ظهور العجوز.
لكن في أحد الصباحات، استيقظت الحمائم وشعرت بأن شيئًا غير طبيعي قد حدث. كانت أشعة شمس الخريف الشاحبة قد غمرت الساحة، لكن العجوز لم تظهر بعد.
صحيح أن هذا كان يحدث أحيانًا إذا مرضت العجوز أو شغلتها أمور طارئة، لكن حينها كان يأتي أحد الجيران بدلًا منها ويحضر الطعام للطيور. غير أن ذلك كان نادرًا جدًا.
استمرت الحمائم في الانتظار، لكن لم يظهر أي أثر للعجوز. تجاوز الوقت منتصف النهار، وبدأ الجوع ينهش الطيور، لكنها رغم ذلك لم تغادر أعشاشها. وكانت تنظر بين حين وآخر إلى الحمام المرقط وكأنها تنتظر منه أن يقرر ماذا يفعلون. فقد كان الأكبر سنًا ورئيس السرب، لكنه بدا هذه المرة حائرًا هو الآخر.
لم تجد الحمامة ذات العرف لنفسها قرارًا، ثم التفتت إلى زوجها وسألته بصوت خافت:
— أتظن أن شيئًا قد حدث لها؟..
هزّ الحمام المرقط رأسه ورفرف بجناحيه مرتبكًا:
— بصراحة لا أعرف ماذا أفكر… ماذا يمكن أن يكون قد حدث للعجوز؟ أترى أنها ربما… ماتت؟
أثارت كلماته القلق في السرب، والتفتت جميع الرؤوس نحوه.
— العجوز متقدمة في السن، وكل شيء وارد، — أضاف المرقط.
تنهد الحمام أسود الذيل بحزن وقال:
— “وماذا سيحدث لنا الآن؟ أين سنجد الطعام؟ الناس أنفسهم يعانون هذه الأيام. ربما بسبب الفقر أو لسبب آخر، لم يعودوا يرمون لنا حتى الفتات. يبدو أن أوقاتًا صعبة قد جاءت؛ فالناس يأكلون كل شيء ولا يتركون شيئًا. أما في السابق فكان يمكن دائمًا العثور على ما نلتقطه من الأرصفة وحتى من صناديق القمامة…”
اقتربت الحمامة ذات العرف من زوجها ولمست بمنقارها جانبه برفق:
— اذهب وانظر ماذا حدث. من غيرك يستطيع أن يفهم الأمر؟ ألا ترى أن صغارنا بدأ الجوع يشتت عقولهم؟
أومأ الأب برأسه، وخفق بجناحيه، ثم حلق عاليًا ودور فوق المنزل عدة مرات. من الأعلى كان كل شيء واضحًا. الناس في الأسفل يسيرون كعادتهم منشغلين بأعمالهم. وبعد دورة أخرى هبط فوق التمثال القائم في وسط الساحة.
ظل لبعض الوقت يراقب المكان بعينين متفحصتين، لكن العجوز لم تظهر.
وأخيرًا فقد صبره وعاد إلى العش. أحاطت به الحمائم فور عودته، وتطايرت الأسئلة من كل جانب:
— ماذا يحدث في المدينة؟ أين اختفت العجوز؟
صرخ الأب بانفعال:
— لا أعرف! لا أعرف شيئًا! كفوا عن الضجيج ولا تسألوني!
ثم ارتفع بجناحيه فوق السرب.
ساد الصمت. فقد أخافتهم كلماته حتى لم يجرؤ أحد على الكلام.
وفي ذلك اليوم بقيت الحمائم بلا طعام.
وفي الليل، حين نام الجميع، اقتربت الحمامة ذات العرف من زوجها وهمست:
— هل تظن يا عزيزي أننا سنبقى جائعين غدًا أيضًا؟..
تنهد الأب بحزن:
— لا أعلم… ربما نعم وربما لا. لكن ما يؤلمني الآن ليس جوعنا، بل مصير العجوز المسكينة. ماذا جرى لها؟
قالت الحمامة محاولة تهدئته:
— الصباح أدرى من المساء. لننتظر حتى الغد، أشعر أن كل شيء سيكون بخير.
وفي الصباح تساقط الثلج، واشتد البرد أكثر. وكانت الحمائم قد نامت جائعة، لذلك استيقظت مبكرًا. أخذت تدفع بعضها بعضًا بمناقيرها وتتبادل همسات قلقة، وكلها تحدق في الساحة منتظرة ظهور العجوز.
لكن الوقت مرّ دون أي خبر عنها.
بدأ اليأس يتسلل إلى السرب، وتعالت الهمسات الساخطة. عندها قال الحمام المرقط بحزم:
— لا فائدة من الجلوس هنا! اخرجوا من أعشاشكم أيها الكسالى! اذهبوا وابحثوا عن الطعام بأنفسكم كما كنتم تفعلون قديمًا. ربما لن يبقى أحد يطعمنا بعد اليوم.
وكأن السرب كان ينتظر هذه الكلمات، فانطلقت الحمائم دفعة واحدة في جميع الاتجاهات. ولم يبقَ سوى الأب المرقط والحمامة ذات العرف.
تنهد الأب قائلًا:
— لا بد أن أعرف ما الذي حدث.
ثم أضاف:
— لعل جارتنا العقعق المرقطة تعرف شيئًا. صحيح أنني لا أحبها، فهي كثيرة الثرثرة وتتدخل في شؤون الآخرين، لكنها ربما الوحيدة التي تعرف الحقيقة.
وافقت الحمامة:
— إذن اذهب بسرعة واسألها.
كانت العقعق قد بنت عشها فوق شجرة حور قرب بيت الحمام، لكن العلاقة بينها وبين السرب لم تكن جيدة. فكل صباح، حين كانت العجوز تنثر الحبوب، كانت العقعق تهبط لتحصل على نصيبها، لكن الحمائم لم تكن تسمح لها بذلك، ومنذ ذلك الحين وهي تحمل الضغينة لهم.
طار الحمام المرقط نحو الشجرة، فوجد العقعق تنظف ريشها. وما إن رأته حتى أخذت تصدر أصواتًا حادة.
اقترب منها وقال:
— توقفي عن التذمر يا جارتي. جئت أطلب نصيحتك.
ضحكت العقعق بسخرية:
— نصيحتي؟! ومنذ متى أصبحت تطلب النصيحة مني؟ أنتم أصلًا لا تعتبرونني طائرًا محترمًا!
صمت المرقط قليلًا، فتابعت بشماتة:
— ما بك حزينًا؟ هل جاع سربكم؟ لم يعد هناك من يطعمكم فقررتم تذكرّي أخيرًا؟
رفرف بجناحيه وقال:
— نعم… لكنني جئت لأعرف ماذا حدث.
نفخت العقعق صدرها الأبيض بفخر وقالت:
— بالطبع أعرف! لقد اعتقلوا عجوزكم وفرضوا عليها غرامة!
فتح المرقط منقاره بدهشة:
— ماذا؟! من اعتقلها؟ ولماذا؟
أجابت العقعق:
— لأنها كانت تطعمكم أيها الكسالى! نعم، بسببكم أنتم عوقبت المسكينة.
— هذا مستحيل! لقد كانت تطعمنا منذ سنوات!
— كان ذلك قديمًا، أما الآن فالوضع تغير. صدر قانون جديد يمنع إطعام الحمام!
حدق فيها مذهولًا:
— لكن لماذا؟
قهقهت العقعق ساخرة:
— لأنكم، بحسب البشر، تنقلون الأمراض والجراثيم وتلوثون كل شيء. باختصار، يعتبرونكم طيورًا قذرة ومقززة!
هتف المرقط:
— هذا غير صحيح! نحن طيور السلام! ألم يسمّنا البشر أنفسهم بذلك؟ نحن لا نفترس أحدًا، بل عشنا دائمًا إلى جانب البشر بسلام.
ضحكت العقعق:
— «طيور السلام»! هذا كان في زمن الناس العقلاء. أما الآن فالحروب في كل مكان، والناس يقتلون بعضهم بعضًا. من يحتاج إلى السلام اليوم؟! ولهذا لم يعودوا بحاجة إلى حمام السلام أيضًا. أي شخص يطعم حمامة يُغرَّم! وقد أخذوا عجوزكم بالقوة قبل أيام، وفرضوا عليها غرامة كبيرة حتى إنها ستقضي عامها القادم كله في دفعها. الآن تجلس جائعة في بيتها، ولم يعد لديها ما تعطيكم إياه.
تنفس المرقط الصعداء وقال:
— إذن… هي ما تزال حية!
أجابت العقعق ببرود:
— حتى الآن فقط… لكن ربما تموت جوعًا بعد أيام.
اغرورقت عينا الحمام المرقط بالدموع. لم يكن يحزن على جوعه، بل على العجوز التي اعتنت بهم ثم تُركت هي نفسها بلا خبز.
وقال بحزن:
— لماذا انقلب البشر علينا نحن تحديدًا؟ الشوارع مليئة بالقطط والكلاب الضالة، أليست هي أيضًا تنقل الأمراض؟ لماذا أصبحنا نحن ضحايا هذا القانون؟
اقتربت العقعق منه وقالت:
— يا لك من ساذج… الزمن تغيّر. هذا عصر أمثالي الآن. اسمع نصيحتي: قبل أن تموتوا جوعًا، ارحلوا من هنا. أشفق عليكم. حتى البشر أنفسهم يعانون بسببكم.
بعد هذه الكلمات عاد المرقط إلى العش.
كان السرب ينتظر عودته بقلق. نظر إليهم طويلًا بعينين حزينتين، ثم قال بصوت خافت:
— استعدوا… علينا أن نغادر هذه الأرض.
تعالت الأصوات المذعورة:
— لماذا؟!
أجاب بعد صمت:
— لأن البشر لم يعودوا يريدون السلام. وحيث لا يوجد سلام، لا يوجد لنا مكان.
قالت الحمامة ذات العرف بصوت مرتجف:
— ولكن إلى أين سنذهب؟ الحروب في كل مكان… من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال، العالم كله يحترق…
أجاب الأب بصوت مبحوح:
— نعم… الناس يقتلون بعضهم بعضًا في كل مكان. لم تعرف الأرض زمنًا كهذا من قبل.
ثم رفع رأسه عاليًا وصاح:
— اسمعوني جميعًا!
سنصعد إلى السماء… إلى السماء الحرة المفتوحة. ستصبح هي وطننا من الآن فصاعدًا. تمسكوا بالحياة ما استطعتم، وحلقوا ما دامت أجنحتكم قادرة على الطيران… وإذا كان لا بد أن نموت، فلنمُت هناك، عاليًا في زرقة السماء، كما يليق بحمام السلام…
… ثم ارتفعت الحمائم عاليًا في الفضاء. كانت تدور في السماء الرحبة، وكأنها تركت كل همومها هناك في الأسفل، على الأرض… وفي تلك اللحظة بدت حرة وسعيدة حقًا.
قصتي «الحمام المسكين» (Бедные голуби) منشورة على موقع proza.ru بترجمة السيدة ليلى قاديرزاده.






