متابعة وقراءة نقدية: خالد سليمان
طريق الحرير اليوم ـ تونس
ـ الإيقاع المسترسل والسريع للمهرجانات الصيفية في تونس يجعل متابعتها في غاية الصعوبة، بالإضافة لكثرتها وتعددها وتزامنها .. لكن إذا أخذنا في الاعتبار ظروف المناخ والعطلات سنلتمس العذر بعض الشيء للقائمين عليها، حيث تجبرهم تلك العوامل على إقامة تلك المهرجانات في فترة محددة بعينها، ولتلك الأسباب يضطر من يقوم بالمتابعة الخبرية أو النقدية لتلك المهرجانات لاختيار عدد محدود منها (على كثرتها في طول البلاد وعرضها) لمتابعتها، واضعا في اعتباره المسافات فيما بينها، ووسائل الانتقال .. وما تتطلبه من جهد مرهق بكل تأكيد، والبرمجة بطبيعة الحال .. بالإضافة لأن معظمها إن لم تكن كلها، وخاصة المهرجانات الكبرى، تنتهي مع ساعات الصباح الأولى، حيث تقام عقب انتهاء معظم الحفلات “نقطة صحفية” تتطلب البقاء لفترة من الوقت قبل العودة من حيث أتينا ..
ـ وعلى أهمية وعراقة “مهرجان بوقرنين الدولي” الذي يحمل اسم جبل “بوقرنين” الشهير على تخوم تونس العاصمة، والعائد بعد احتجاب في دورته 44، كان لكاتب السطور حظ حضور حفلة وحيدة فيه مكونة من جزئين .. الجزء الأول: لفرقة فلسطينية تدعى “ولا يوم”، والجزء الثاني للفنان التونسي “نضال اليحياوي”..
ـ “ولا يوم” البحث عن الهوية:
بعيدا عن النقد الانطباعي، والأحكام العاطفية وتسييس الفن تحت أية حجج أو استخدام مصطلحات معلبة من نوعية “فن المقاومة”، .. قدمت فرقة ولا يوم الفلسطينية عرضا متواضعا، ربما كانت أهم سماته البحث عن الهوية، وعلى الرغم من أن الفرقة فلسطينية كما قدمت للجمهور، كان واضحا أن بصمة الهوية مشوشة .. فلا يكفي أن تقدم بعض أنغام الدبكة، أو أغنية تتحدث عن معاناة شعب فلسطين لكي تعبر عن الهوية، فالهوية ليست أوراق ثبوتية أو مداعبة للعواطف، ولعلنا نجد الهوية الفلسطينية واضحة في عمل مثل “زهرة المدائن” أو “مريت بالشوارع” رغم أن صانعيه ليسوا فلسطينيي الجنسية ..
وخلال العرض الذي يمكن القول إنه ما زال يبحث عن الهوية المُقَاومة والفلسطينية أيضا .. كانت الفرقة غير موفقة في اختيار أغاني “الشيخ إمام عيسى” .. فاختيار أغنية محبوبة من الجماهير مثل “شيد قصورك” ربما تتناسب مع مقاومة طغيان الحكم والحاكم، لا عن مقاومة المحتل، وكان الأنسب اختيار أغنية “يا فلسطينية” من ريبيرتوار “الشيخ إمام” الثري جدا عن فلسطين، ولا يمكن فهم اختيار الفرقة لأغنية أخرى “للشيخ إمام” كأغنية “إذا الشمس غرقت في بحر الغمام” اللهم إلا في إطار إنساني ..
ولست أدري إن كانت الفرقة أم إدارة المهرجان هي التي قدمت فرقة “ولا مرة” بوصف “الفرقة الفلسطينية”، الأمر الذي يحيلك على الفور إلى القضية الفلسطينية والمقاومة إلخ ..، وكان الأحرى بهم تقديمها بوصفها فرقة موسيقية بدون إضفاء سمات محددة عليها ..، ولا يمكن التغاضي عن المستوى المتواضع الذي قدمته إلا في إطار فرقة صغيرة مكونة من فردين ما زالت تبحث عن هوية على كافة الصعد ..، وبعيدا عن أي مجاملات فإن المستوى الذي قدمته فرقة “ولا مرة” لا يتجاوز مستوى فرق الهواة التي ما زالت تبحث عن هوية وبصمة مميزة لها، وأغلب الظن أن أعضاء تلك الفرقة المكونة من فردين هم من فلسطينيي الشتات وليسوا من أبناء الداخل ..
ولابد من القول إن استخدام آلة “العود الكهربائي”، وآلة الإيقاع الإلكترونية وتقنية “البلاي باك” أحيانا قد أثرت على روح العرض، إن لم تكن قد أفرغته من الروح، رغم هتافات بعض الجمهور المتعاطف بطبيعة الحال مع القضية، ومن ثم جنسية عضوي فرقة “ولا مرة”، والذي كان أداء أحدهما وتفاعله مبالغا فيه لإضفاء قدر من الحماس الجماهيري، وهذا لا يمنعنا من أن نقر بموضوعية أن الجمهور قد تقبل العرض أيا كانت أسبابه في ذلك ..
ـ “ڨربي” البحث في الهوية:
“ڨربي” وتنطق في تونس “جُربي” هي المنطقة الصغيرة المكتظة بالتفاصيل حسب وصف الفنان “نضال اليحياوي” في تصريحه “لطريق الحرير اليوم” .. والتي أضاف أنها تشبه “تونس” المعبأة بالأشياء والتفاصيل ..
و”نضال اليحياوي” يواصل بحثه في التراث التونسي والمغاربي، حيث يتقاطع هذا التراث التونسي مع تراث دول الجوار والمنطقة المغاربية، وهو مشروع قديم متجدد لهذا الفن، به محطات هامة سابقة مثل “الشاوية” الذي تناول تراث “قبائل الشاوية” التي تقطن حدود الشمال الغربي والجنوب الغربي التونسي مع الجزائر، ومحطة أخرى هي “مسرب الهطايا”، وصولا إلى المحطة الحالية “ڨربي” ..، وخلال تلك الرحلة واصل “نضال اليحياوي” رحلة البحث في الهوية بأدوات معاصرة تناول فيها كافة أنواع الموسيقى التونسية والمغاربية في الحضر، والريف، والبادية .. متنقلا بين الكلاسيكي، والمألوف، والصالحي، والطرڨ، والكافي، والصوفي .. إلخ، مدققا في هذا البحث في ألوان الموسيقى المختلفة وتفاصيلها، مهتما حتى بأنواع الآلات المستخدمة كالقصبة والبندير والوتريات وغير ذلك، مع رؤية معاصرة دون المساس بالجوهر المميز لهذا التراث ..
خلال عرض “ڨربي” في مهرجان بوقرنين الدولي اصطحب “نضال اليحياوي” جمهور المهرجان في رحلة موسيقية تنقل فيها بين ألوان الموسيقى والغناء الحضري، والأندلسي، والريفي، والبدوي .. وسط تفاعل عفوي عارم من الجمهور، خاصة مع الإيقاعات القوية الصاخبة التي تميز أغاني الرعاة في البادية والريف، وإيقاعات الإنشاد الصوفي المميزة “كإيقاع المصمودي” على سبيل المثال لا الحصر ..
صدق الأداء وجدية البحث في الهوية لدى “نضال اليحياوي” جعلاه محل اهتمام الجمهور ومحط الأنظار خلال السنوات الأخيرة، وكان هو الحافز لتكرار مشاهدة مشاريع البحث الموسيقي لديه، حيث تلمس التجدد المتواصل الذي يخلق مشهدية طريفة وهامة يزيد من ثرائها مشاركة الجمهور وتفاعله.
…….
* يوجد رابط فيديو لتصريحات الفنان نضال اليحياوي .. لطريق الحرير اليوم ..، مع روابط أخرى لسهرة مهرجان بوقرنين






