الأنطولوجيا السادسة عشرة من «Live Encounters Poetry & Writing» تحتفي بـ23 مبدعًا عربيًا بترجمة د. سلوى جودة

إصدار جديد يجمع أصواتًا شعرية وأدبية من 11 دولة عربية، ويقدم تجربة ترجمة تتجاوز نقل الكلمات إلى بناء جسور بين الثقافات والذاكرة الإنسانية

صدر العدد السادس عشر من أنطولوجيا Live Encounters Poetry & Writing، جامعًا نصوصًا لثلاثة وعشرين شاعرًا وأديبًا عربيًا من إحدى عشرة دولة عربية، هي مصر والسعودية وسوريا والأردن ولبنان والعراق وتونس والجزائر والمغرب والإمارات العربية المتحدة والكويت، وذلك بترجمة الدكتورة سلوى جودة، التي خاضت تجربة أدبية وإنسانية تتجاوز حدود النقل اللغوي، لتحتفي بتنوع الأصوات العربية وثراء تجاربها الإبداعية.

ويمثل هذا الإصدار محطة جديدة في مسيرة الأنطولوجيا التي تسعى إلى إتاحة مساحة للتلاقي بين الأدباء من خلفيات ثقافية وجغرافية متعددة، من خلال تقديم نصوصهم إلى قراء جدد، وإبراز ما تحمله الكتابة العربية من تنوع في الرؤى والأساليب والتجارب الإنسانية.

ثلاثة وعشرون صوتًا في مرآة واحدة

في منشور احتفت فيه بصدور العدد، وصفت د. سلوى جودة الأنطولوجيا بأنها أشبه بمرآة تعكس ثلاثة وعشرين صوتًا قدموا من مدن مختلفة، ويحمل كل منهم تجربة خاصة، ولا يجمع بينهم سوى اختيار الكتابة طريقًا للتعبير.

وتقول المترجمة إن جمع هذه الأصوات بين دفتي كتاب واحد لم يكن مجرد عمل تحريري أو ترجمي، بل تجربة تشبه الضيافة الأدبية؛ إذ يحظى كل مبدع بمساحته الخاصة، ويصبح كل نص نافذة تطل على عالم صاحبه.

وتكشف هذه الرؤية عن فهم يتجاوز التعامل مع الأنطولوجيا بوصفها تجميعًا لنصوص متفرقة، ليجعل منها فضاءً للتجاور الإبداعي، حيث تحتفظ التجارب باختلافها، بينما تتقاطع في قدرتها على التعبير عن الإنسان وأسئلته ومشاعره وتحولاته.

ومن بين المشاركين كتّاب للقصة القصيرة، اختارت جودة أن تقدمهم جميعًا تحت مظلة الشعر، انطلاقًا من قناعتها بأن الجمال الأدبي لا تحده القوالب الفنية الصارمة، وأن القصة التي تهز القلب قد تقترب من روح الشعر بقدر ما تفعل القصيدة، وربما تتجاوزها أحيانًا في قدرتها على تكثيف التجربة الإنسانية.

الترجمة بوصفها قراءة ثانية للنص

لم يكن إنجاز الأنطولوجيا، وفقًا لما أوضحته المترجمة، مهمة يسيرة؛ فقد تطلب العمل جهدًا مضاعفًا في القراءة وإعادة القراءة، ومراجعة العلاقة بين النص الأصلي والصياغة المترجمة، للتأكد من أن الترجمة لا تنقل المعنى وحده، بل تحافظ قدر الإمكان على ظلاله وإيحاءاته وخصوصيته الجمالية.

وتشير جودة إلى أن كل نص كان يفرض حضوره، وأن لكل كاتب عالمه الذي يستحق أن يُقرأ بعناية، وهو ما جعل الترجمة عملية مستمرة من الإصغاء والمساءلة: هل قال النص في لغته الجديدة ما أراد قوله؟ وهل استطاعت الكلمات المنقولة أن تحتفظ بما يحمله الأصل من دلالات ومشاعر؟

وتبرز هنا إحدى أهم قضايا الترجمة الأدبية؛ فهي ليست استبدال مفردات بأخرى، بل محاولة لإعادة بناء التجربة الإبداعية داخل لغة مختلفة، مع مراعاة الفروق الثقافية والجمالية التي تمنح كل نص فرادته.

«اللغة الثانية التي لم أكن أعرف أنني أتعلمها».. كتابة الذات في مقدمة العدد

لا تقتصر خصوصية الإصدار على النصوص المترجمة، بل تمتد إلى مقالته الافتتاحية التي حملت عنوان «اللغة الثانية التي لم أكن أعرف أنني أتعلمها»، وكتبتها د. سلوى جودة بصيغة اعترافية تستعيد فيها محطات من حياتها وذكرياتها وتجارب الغياب والتحولات الشخصية.

وتصف المترجمة هذا الجزء من تجربتها بأنه محاولة لأن «تكتب نفسها»، دون ترتيب صارم للأحداث أو سعي إلى تجميل الذكريات، تاركة للشجن مكانه الطبيعي في الحكاية.

ويمنح هذا الاختيار العدد بُعدًا ذاتيًا مميزًا؛ فبينما تتولى المترجمة نقل أصوات الآخرين إلى لغة جديدة، تفتح في المقدمة مساحة لصوتها الخاص، مستعيدةً ما صنع تجربتها وما ترك أثره في رؤيتها للكتابة والترجمة والحياة.

وهكذا تتجاور في الإصدار مهمتان متكاملتان: الإصغاء إلى تجارب ثلاثة وعشرين مبدعًا، والإصغاء إلى الذات التي تولت جمع هذه التجارب ونقلها إلى قراء جدد. وتغدو الترجمة، في هذا السياق، لغة ثانية تتعلمها المترجمة عبر النصوص والذكريات والعلاقات الإنسانية، وربما دون أن تدرك منذ البداية مقدار ما ستغيره فيها.

الشعر ملاذًا في مواجهة الظروف

تكشف جودة، في حديثها عن ظروف إنجاز العمل، عن ضغوط خاصة رافقت هذه التجربة، مشيرة إلى أن الانغماس في الشعر كان ملاذها الأساسي خلال تلك المرحلة. وعندما رأت اسمها بين أسماء الشعراء الذين تحبهم بعد صدور العدد، شعرت بأن التعب قد وجد ما يبرره، لا لأن العمل انتهى فحسب، بل لأنه وصل أخيرًا إلى النور.

وتحمل هذه اللحظة دلالة تتجاوز الاحتفاء بصدور كتاب جديد؛ فهي تعبير عن العلاقة بين الجهد الإبداعي والقدرة على الاستمرار، وعن الكتابة بوصفها مساحة داخلية يستطيع الإنسان أن يبني فيها عالمًا صغيرًا، ثم يفتح أبوابه أمام الآخرين.

وفي ختام منشورها، وجهت المترجمة الشكر إلى الشعراء والكتّاب المشاركين، وإلى كل من قرأ العمل أو ساند إنجازه، كما خصّت المبدع مارك أوليسياس (Mark Ulyseas) بالشكر والتقدير، مشيدة بدعمه المستمر وصلواته من أجلها ومن أجل السلام والمحبة، فضلًا عن فكرته المتعلقة بتصميم الغلاف، التي عبّرت عن سعادتها بها.

أنطولوجيا تعزز حضور الأدب العربي

يمثل صدور هذا العدد فرصة جديدة لتقديم نماذج من الإبداع العربي إلى جمهور أوسع، من خلال جمع أصوات تنتمي إلى بيئات أدبية متنوعة، وتختلف في تجاربها وأساليبها، لكنها تلتقي في قدرتها على تحويل الخبرة الإنسانية إلى كتابة.

وتتجلى أهمية هذا النوع من المشاريع في أنه يتيح للأدب أن يعبر الحدود الجغرافية واللغوية، ويمنح النصوص فرصة للحوار مع قراء لم يكونوا ليصلوا إليها في لغتها الأصلية. كما يبرز الدور الذي يؤديه المترجم في التعريف بالمبدعين، وصناعة مساحات مشتركة بين الثقافات، دون إلغاء خصوصية أي تجربة.

وفي تجربة د. سلوى جودة، لا تبدو الترجمة فعلًا لغويًا معزولًا، بل علاقة إنسانية وأدبية تقوم على القراءة المتأنية، والوفاء للنص، والإيمان بأن اختلاف الأصوات لا يمنع اجتماعها في كتاب واحد.

وبين ثلاثة وعشرين صوتًا عربيًا، ومقدمة تستعيد فيها المترجمة لغتها الداخلية، يقدم العدد السادس عشر من Live Encounters Poetry & Writing صورة عن الأدب بوصفه مساحة للضيافة والتواصل، وعن الترجمة باعتبارها جسرًا يعبر عليه الشعر من تجربة إلى أخرى، ومن لغة إلى لغة، ومن ذاكرة فردية إلى أفق إنساني مشترك.

لقراءة العدد

 

  • Related Posts

    الفنانة التشكيلية مروى حياصات:  الكتب الصامتة من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل 

    حوار أجراه : طارق العمراوي       العلاقة المثالية بين الكاتب والرسام هي علاقة شراكة إبداعية قائمة على التناغم والتكامل الكتب الصامتة (Silent Books) هي من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل فهي تعتمد كليًا على الرسام   س1كيف تُقدّمين الفنانة التشكيلية مروى حياصات ؟ مروى حياصات فنانة ومصممة متعددة المجالات بدأت من عالم المعمار.. لكنها اختارت أن تبني عوالم من نوع آخر… عوالم مليئة بالألوان، بالدهشة، وبخيال لا ينتهي فدخلت عالم كتب الأطفال، انتقلت من بناء بيوت إلى بناء عوالم صغيرة داخل صفحات, التحول ما كان مخطط لكنه كان طبيعي مليء مفاجآت وتعلّم.   س2: ما أهمية ورشات الرسم والبراعات اليدوية بمعارض الكتاب؟  تُمثّل هذه الورشات نقطة التفاعل الحي والمباشر بين القارئ الصغير وعالم الكتاب، وتكمن أهميتها في كسر الجمود بين الكتاب كمنتج جامد إلى تجربة تفاعلية ملموسة, تُطلق العنان لخيال الطفل وتطور مهاراته التعبيرية والفنية و تتيح للمربين اكتشاف شغف الأطفال وتوجيهه مبكرًا, من ناحية أخرى تتيح للفنانين الاطلاع بشكل مباشر على ردة فعل الأطفال على الكتب والرسوم و كيفية تفاعلهم معها مما ينمي ادراكهم لما يجذل الطفل والمربي و يطور مهارتهم و يصقلها. س3: كيف يتم التعامل بين صاحب النص وصاحب الريشة؟ هل تقرؤون النص وتتخيلون المشاهد أم الكاتب هو من يوجهكم أم العمل مشترك؟ العلاقة المثالية بين الكاتب والرسام هي علاقة شراكة إبداعية قائمة على التناغم والتكامل, يبدأ العمل بقراءة عميقة للنص من قبل الرسام لفهم روح النص وأبعاده ثم بناء رؤية بصرية بصرية مبدئية , ولا بد من ترك مساحة حرية للرسام  لقراءة ما بين السطور وإضافة تفاصيل بصرية لا يذكرها النص اللفظي. و يتم التواصل والتشاور حول النقاط المفصلية (مثل الملامح العامة للشخصيات أو الروح العامة للقصة) لضمان اتساق الرؤية دون تقييد الحرية الإبداعية للمصمم والرسام. س4: ما هو تقييمكم للرسومات المصاحبة للنص في قصص الأطفال؟  تطورت الرسومات في أدب الطفل المعاصر بشكل ملحوظ؛ فلم تعد مجرد توضيح حرفي للكلمات، بل أصبحت تحمل تفاصيل خفية، وأبعادًا نفسية، وظلالًا تعبيرية تتيح للطفل إسقاط خياله عليها. وأصبحت أكثر قدرة على إثارة الدهشة، ومراعاة الفئات العمرية، والابتعاد عن التكرار والنمطية التقليدية.  س5: هل هناك ملتقيات للفنانين التشكيليين الذين يتعاملون مع أدب الطفل؟ نعم، هناك اهتمام متزايد بهذه الملتقيات عربيًا ودوليًا، ومن أبرزها المهرجانات والمعارض الدولية مثل مهرجان الشارقة القرائي للطفل وما يرافقه من معارض ورش إقليمية، ومعرض بولونيا لكتب الأطفال في إيطاليا والذي يعد الملتقى العالمي الأكبر لرسامي كتب الأطفال. س 6ما هي القصص التي تستهويكم وتريدون تزويدها برسوماتكم؟ تستهويني القصص التي تحمل قيم تعكس هويتنا الإسلامية وثقافتنا العربية بطريقة إبداعية غير نمطية أو ممله , قريبة للطفل جذابة و تترك بصمة في تكوين وبناء و ربط أطفالنا بهويتنا الإسلامية والعربية . و بفضل الله توجد الأن دور نشر عربية رائدة في هذه المجالات سواء بتخصص كامل في هذه الموضوعات او من خلال بعض الإصدارات … فأطفالنا و شبابنا في هذا الزمن في أشد الحاجة إلى ما يربطهم بهويتهم و دينهم بطريقة جذابة وفعالة في ظل التنافس الشديد من التيار المعاكس س7: هل تفكرون في معارض خاصة للرسومات التي تؤثث القصص المنشورة؟  نعم، إقامة معارض خاصة للوحات الأصلية التي تُصمم لقصص الأطفال تُعد خطوة أساسية ومهمة جدًا لأنها تُسلط الضوء على قيمة “اللوحة الأصلية” كعمل فني تشكيلي مستقل قائم بحد ذاته قبل تحويله لصفحة مطبوعة .ويوجد العديد من المعارض الخاصة برسوم قصص الأطفال من أهمها معرض الرسوم في معرض الشارقة القرائي للطفل , وقد شاركت في معرض رسوم قصص الأطفال في ملتقى العويس لأدب الطفل في الإمارات , وأطمح للمشاركة في معارض أخرى. س8: تنافسكم المنصات المصورة للقصص، كيف تقرؤون المشهد وما هو تصوركم؟ المنصات الرقمية والتطبيقات التفاعلية لا تُشكل تهديدًا بقدر ما تُشكل تحديًا يُحفّز على الابتكار, يبقى الملمس الحقيقي للورق، ورائحة الطباعة، وتجربة تقليب الصفحات رفقة الأهل تجربة حية لا يمكن للمظاهر الرقمية استبدالها بالكامل. س9: هل رفضتم مرة التعامل مع كاتب لأن النص ما عجبكم؟  يرفض الرسام أحيانًا العمل على نص معين إذا كان النص يحمل أفكارًا مكررة ومباشرة (أسلوب التلقين والموعظة المباشرة) التي تحد من خيال الطفل والرسم. س10: ما تقييمكم للقصص المرسومة بلا متن وكلمات والتي بدأت في تزايد، وهذا ما يلزمكم برسومات معبرة وموجهة للطفل القارئ؟ الكتب الصامتة (Silent Books) هي من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل فهي تعتمد كليًا على الرسام تجعل الرسام هو المؤلف والمخرج والراوي الرئيسي. وتمنح الطفل حرية قراءة القصة بأسلوبه الخاص وتخيل الحوارات بنفسه، مما يكسر حاجز اللغة والعمري.  

    الحقيقة التي كشفتها لقاءاتي مع الجالية البهارية في بنغلاديش

    شبیر سومرو الأحد، 25 أكتوبر 2026 صحيفة دانا – قسم الأبحاث حلم الوصول إلى باكستان لم يتحقق الأستاذ شبير سومرو صحفي وأديب وشاعر مرموق، يكتب باللغة الأردية بلهجة السند. زار…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *