محمد مصطفى: طالب الفنون الذي حول بقايا “التوب” السوداني لذاكرة وطن جريح

محمد مصطفى أبو الحسن

في لحظةٍ فارقة من عمره، توقّف محمد مصطفى أبو الحسن عن الدراسة التي أظهر فيها نبوغا لفت إليه الأنظار منذ يومه الجامعي الأول. لم يكن ذلك نتيجة إخفاق أو اختيار، بل لأن الحرب باغتت حلمه، كما باغتت آلاف السودانيين. كان طالبًا بكلية الفنون الجميلة بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، يسير بثقة نحو بناء مشروعه الفني، قبل أن يجد نفسه، ككثير من المبدعين الشباب، في مواجهة فقدٍ قاسٍ: فقدُ المرسم، وفقدُ الأعمال، وفقدُ المسار الأكاديمي. لكن ما لم يفقده محمد قط هو إيمانه العميق بأن الفنّ يمكن أن يكون حياةً بديلة، أو مقاومة صامتة، أو حتى عزاءً لا يذبل.

من هذا المنعطف المؤلم، تولدت تجربة فنية مختلفة، يمكن القول إنها انبثقت من الهامش، لكنها سرعان ما فرضت حضورها بصوتٍ بصريّ خاص، مشحون بالعاطفة، ومشحون بالمعنى. يعيش محمد اليوم في ولاية كسلا، مستعيدًا أدواته من الصفر تقريبًا، لكن بأسلوبٍ فنيّ أكثر نضجًا وصدقًا.

ما يلفت النظر في أعماله المرفقة بهذه المقالة هو استخدامه المستمر لخامة القماش، تحديدًا بقايا “التوب” السوداني، ذلك الزيّ النسائي التقليدي الذي يحمل في طيّاته لا فقط زخارف وألوانًا، بل تاريخًا شخصيًا وجمعيًا، وروائح بيوت، وهمسات نساء، وصوت أمّ تخيط بثوبها الحكايات. يلتقط محمد هذه الأنسجة المهملة من البيوت والأسواق، ويعيد إليها الحياة، فيحوّلها إلى لغة تشكيلية ذات طابع وجداني وشعبي، ويمنحها مساحات التعبير، بعد أن كانت مجرد بقايا منسية.

في لوحاته، لا يكون “التوب” مجرد خامة تقنية، بل يصبح حاملًا لذاكرة النساء، ولبصمة الجدة، ولظلّ الأم. وهو بهذا يقدّم بعدًا أنثويًا في أعماله، دون أن يقع في المباشرة أو الاستدرار العاطفي، بل عبر نسيج بصري متقن، يجمع بين الرسم والكولاج والتصوير، ويعبر عن القهر والحنين والهوية السودانية الجريحة.

ما بين الأقمشة البالية والوجوه الشعبية، ما بين الألوان الصاخبة والفراغات الحزينة، يتنقل محمد في عمله كمن يسير في خرائط شخصية داخل وطنٍ منكسر. في بعض اللوحات، نرى احتفالات شعبية تُروى بالألوان، بينما في أخرى يهيمن صمت العربة المارة في أرضٍ صفراء على مشهدٍ رمزيّ يوحي بالترحال، أو بالنزوح القسري.

ورغم انقطاعه القسري عن التعليم الرسمي، فإن تجربة محمد تُثبت أن التعلّم لا يتوقف على الفصول الدراسية. لقد حوّل النقص إلى إمكان، والخسارة إلى طاقة خلق. لا يزال يرسم، ويقيم الورش الفنية للأطفال النازحين، ويعيد تكوين فنه من فتات الأشياء، ليصنع منها سردية نادرة لفنانٍ شابّ يرى الجمال في أكثر الأماكن هشاشةً.

يقول محمد إن الفنان الحقيقي هو من يصنع الأمل من رماد الألم، ويبدو أن كل لوحة من لوحاته هي ترجمة بصرية لهذا القول. فكل “توب” ممزق يلتحم على سطح لوحته مع لونٍ طازج ليشكل قصيدة مقاومة.

محمد مصطفى، الطالب الذي أوقفته الحرب، لم تتوقف روحه الفنية. بل أخذت شكلًا آخر: أكثر صدقًا، أكثر شاعرية، وأكثر حاجةً لأن تُسمع.

كمال هاشم
دنقلا. ٧ أغسطس ٢٠٢٥

 

Related Posts

Cook for World: Bringing AI Technology to Life with a Touch of ‘Beautiful Heart’

JAKARTA – Natalia Tjahja, Founder of Maria Monique Last Wish Foundation and Creator of 100 CTFP, has once again introduced a heartwarming humanitarian initiative. After dedicating her life to God,…

الفنانة التشكيلية منة طارق: الرسوم ليست مجرد زينة للنص

مع الفنانة التشكيلية منة طارق حاورها : طارق العمراوي   الرسمة الناجحة يمكن أن تكشف إحساس الشخصية، أو تضيف تفصيلة غير موجودة في الكلمات    س1: كيف تقدمين الفنانة التشكيلية منة طارق ؟  أنا منة طارق، فنانة تشكيلية ورسامة كتب أطفال، خريجة كلية التربية الفنية دفعة 2011، وبدأت رحلتي المهنية في مجال الرسم عام 2012. على مدار أكثر من 13 سنة، عملت على عدد كبير من الكتب والمشروعات الموجهة للأطفال واليافعين، بالتعاون مع دور نشر ومنصات مختلفة. أعمل بالرسم اليدوي والرقمي، وأهتم بتصميم الشخصيات ورسم المشاهد وتطوير الهوية البصرية للعمل. بالنسبة لي، رسم قصص الأطفال ليس وظيفة، وإنما وسيلة للتعبير عن نفسي وطريقة لتوصيل كل المشاعر والصفات التي يستطيع الطفل من خلالها   بناء شخصيته وتقويمها   س2: ما أهمية ورشات الرسم والأشغال اليدوية في معارض الكتاب؟ ورش الرسم والأشغال اليدوية تجعل الطفل ينتقل من دور المتلقي إلى دور المشارك والمبدع. الطفل عندما يرسم أو يصنع شيئًا بيده، يكتشف قدراته ويتعلم التعبير عن نفسه بحرية، وهذا يقوي علاقته بالكتاب أكثر. كذلك تفتح له الورش بابًا ليرى الكتاب ليس مجرد كلمات وصور، بل عالمًا يستطيع الدخول إليه والمشاركة في صنعه. وأتمنى أن تكون هذه الورش مستمرة ومتنوعة، وتتيح للأطفال فرصة حقيقية للتجربة والاكتشاف، وليست مجرد نشاط ترفيهي عادي. س3: كيف يتم التعامل بين صاحب النص وصاحب الريشة؟ هل تقرئين النص وتتخيلين المشاهد، أم يوجهك الكاتب، أم أن العمل مشترك؟  في رأيي، البداية الحقيقية تكون من قراءة النص جيدًا وفهم شخصياته ورسائله، وبعدها أبدأ في بناء تصوري البصري الخاص. أنا أحب قراءة النص وتخيل المشاهد والشخصيات والألوان، وأحيانًا تكون الصورة لديّ مختلفة تمامًا عن التصور المتوقع، وأسمع تعليقًا من المؤلف: «أنتِ وصلتِ إلى ما أريد التعبير عنه بالضبط». طبعًا الحوار مع الكاتب مهم، وسماع تعليقاته عن المشاهد وعن أحداث القصة، وكلما كانت علاقة الرسام والكاتب طيبة وفيها تفاهم، كان الكتاب أنجح. ليس تنفيذًا حرفيًا. الكاتب يقدم العالم بالكلمات، والرسام يضيف له لغة بصرية مستقلة، هذا يكمل ذاك. س4: ما تقييمكم للرسومات المصاحبة للنص في قصص الأطفال؟  الرسومات عنصر أساسي في نجاح القصة أو الرواية، لكنها ليست مجرد زينة للنص أو وسيلة لتكرار ما هو مكتوب. الرسمة الناجحة يمكن أن تكشف إحساس الشخصية، أو تضيف تفصيلة غير موجودة في الكلمات، أو تفتح بابًا لخيال الطفل. هناك قصص تكون صامتة أصلًا، والرسمة هي الوسيلة الوحيدة لتوصيل الفكرة والهدف من القصة. أنا أرى أن قوة الكتاب المصور تظهر عندما يكمل النص والصورة بعضهما، وكل واحد منهما يضيف معنى للآخر. ليست مجرد صورة مزينة فقط . س5: هل توجد ملتقيات للفنانين التشكيليين الذين يتعاملون مع أدب الطفل؟ هناك فعاليات ومعارض وورش ومبادرات تجمع رسامي كتب الأطفال، لكن أتمنى أن يكون هناك اهتمام أكبر بملتقيات متخصصة تجمع الرسامين والكتاب والمحررين والناشرين بشكل منتظم. وجود مساحة للحوار وتبادل الخبرات ومناقشة تجارب الرسم والنشر سيساعد على تطوير مستوى الكتاب المصور، سواء للطفل أو لليافعين. س6: ما القصص التي تستهويكِ وتحبين تزويدها برسوماتك: الخيال العلمي أم حكايات التراث والسحرة وغيرها؟   أنا أحب القصص الخيالية والقصص التي تكون أبطالها الحيوانات. أنا أحب رسم الحيوانات جدًا وأستمتع به، وكذلك الشخصيات الخيالية. ومؤخرًا أصبحت أحب كثيرًا القصص الدينية، وأتمنى أن تكون سببًا في قربي من الله، وسببًا في توصيل الدين بطريقة مبسطة ومحببة للأطفال . س7: هل تفكرين في إقامة معارض خاصة للرسومات التي تؤثث القصص المنشورة؟  ستكون فرصة جميلة جدًا إذا استطعت، لأن المعرض سيوضح للناس مراحل تطور العمل، من الاسكتشات الأولى وتصميم الشخصيات حتى الصورة النهائية، ويكشف حجم التفكير والتجريب الذي يمر به الرسام. فهذه المعارض يمكن أن تقرب الجمهور من عالم رسام الكتاب، وتستطيع أن توضح للمؤلف ولدار النشر المجهود الذي يبذله الفنان للخروج بقصة ناجحة. س8: هل تنافسكم المنصات المصورة للقصص؟ كيف تقرئين المشهد وما تصورك له؟   أنا لديّ مشاعر متضاربة، في الحقيقة، ما بين المنصات والقصص الورقية. أنا أحب كثيرًا القصص المطبوعة وإحساس الورق بين الأصابع، ولكن أرى أن الأطفال في هذا الجيل ليسوا جميعًا مرتبطين بالمطبوعات، فنحن يجب أن نحاول لفت نظرهم ونحثهم على القراءة من الأجهزة الذكية، ونحاول حمايتهم من التعفن الذهني. التحدي الحقيقي بالنسبة لنا هو أن نفهم طبيعة الطفل اليوم، ونكسبه ونستفيد من حبه للأجهزة الذكية.     س9: هل رفضتِ يومًا التعامل مع كاتب لأن النص لم يعجبكِ؟ وكيف بررتِ ذلك؟  نعم، كانت من أصعب التجارب، بصراحة، ولكن كانت لديّ قناعة تامة بأنني لو رسمت كتابًا لا أشعر تجاهه بالحب والشغف، فسيكون كتابًا فاشلًا. قرأت الكتاب فعلًا وحاولت أن أرسم ولم أستطع نهائيًا، فرجعت واعتذرت للدار نفسها. شرحت لهم أنني أواجه صعوبة في رسم هذا الكتاب، ووجدت ترحيبًا منهم بصراحتي واحترامًا لطلبي، وأخذت نصًا آخر وكان ناجحًا جدًا، الحمد لله. س10: ما تقييمك للقصص المصورة بلا متن أو كلمات، التي بدأت تتزايد، والتي تتطلب رسومات معبرة وموجهة للطفل القارئ؟   هذا تحدٍّ فني كبير. الرسام لا يقدم مشاهد جميلة فقط، لكنه يبني تسلسلًا للأحداث، ويوجه عين الطفل، ويعبر عن المشاعر والحركة والزمن من خلال رسوماته. ليس أي فنان يستطيع النجاح في هذا الاتجاه. لأنه يجب أن تكون الصور مترابطة، وتسلسل الأحداث مفهومًا، والتفاصيل البصرية مقصودة، من غير أن نفقد مساحة الغموض الممتعة التي تشجع الطفل على التفكير. أنا أرى أن القصة الصامتة ليست قصة ناقصة لأنها بلا كلمات، لكنها شكل مختلف من أشكال السرد، يكون فيه للصورة دور البطولة الكامل، ويؤكد أن الطفل يستطيع القراءة بعينيه وخياله، وليس بالكلمات وحدها.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *