زيارة السيدة ناتاشا بيرتس موسار، رئيسة جمهورية سلوفينيا، إلى مصر، وإلقاؤها محاضرة موسعة في جامعة القاهرة، وزيارتها للمتحف المصري الكبير، ذكّرتني بالفيلسوف السلوفيني «سلافوي جيجيك»، الذي يُلقب بـ«أخطر فيلسوف سياسي في الغرب».
مقال بقلم أحمد سعيد طنطاوي
هذا الفيلسوف له نقد لاذع للرأسمالية حول العالم، وعنده جملة لا تفارق مخيلتي، أتذكرها من حين إلى آخر. فقد هاجم جيجيك بشدة ما يُعرف بـ«الرأسمالية الثقافية» أو «الإحسان الاستهلاكي»، حيث يعتقد المستهلك أنه يسهم في حل مشكلات العالم من خلال الاستهلاك نفسه.
وضرب جيجيك مثالًا شهيرًا بشراء فنجان قهوة من سلسلة متاجر عالمية، يُكتب عليه: «جزء من قيمة هذا الفنجان يذهب لبناء مدارس في أفريقيا» أو «لحماية البيئة».
وهذا الأمر يحوّل الفعل الاستهلاكي (الذي هو جزء من المشكلة) إلى شعور زائف بالراحة الأخلاقية والخلاص النفسي، مما يُعفي الفرد من المطالبة بالتغيير الهيكلي والسياسي الحقيقي.
والمعنى الذي يريد جيجيك قوله، نقوله بيننا -أنا وأنت- كل يوم في حياتنا العادية: إن شراء فنجان قهوة من مقهى عادي أو شعبي، بسعر لا يصل إلى عُشر قيمته في مقهى عالمي، ثم تبرعك عن طيب خاطر وبمزاجك، سيعادل مئة ضعف ما يخصمه منك ذلك المقهى العالمي الشهير.
ويتميز أخطر فيلسوف بالحماس الفكري والطاقة العالية وسرعة البديهة، ويتحرك باسترخاء ذهني كبير بين الفلسفة العميقة والسياسة والتحليل النفسي. ويظهر شغفًا جارفًا بالقراءة والكتابة، والبعد عن التكلف، وكلامه التلقائي، واستخدامه أحيانًا لغة ساخرة أو فكاهية لكسر الجمود.
لذلك تحيط به المتناقضات، فيعتبرونه مرة أقصى اليمين ومرة أقصى اليسار.
فهو يرفض التقديس الساذج للطبيعة أو اعتبارها «أمًّا رحيمة»، ويرى أن الطبيعة في جوهرها «فوضوية ووحشية وعنيفة»، ورغم ذلك تجده يميل إلى الانعزال في أماكن قاسية بيئيًا (مثل جزر سفالبارد القريبة من القطب الشمالي) للعمل والراحة.
ورغم أنه يعرف نفسه «ملحدًا غير مؤمن»، فإنه يتعامل مع الفكر الديني والنصوص بروح تبجيلية عميقة، ويرى أن الأديان تحمل في جوهرها حقائق فلسفية وإنسانية كبرى تتجاوز المؤسسات الدينية الرسمية.
كذلك يحمل احترامًا كبيرًا للإسلام، ويتحدث بإيجابية لافتة عن بعض الجوانب التأسيسية فيه، مشيرًا إلى أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كان يتسامح مع غير المؤمنين أو من يسميهم «المفكرين الماديين»، وأن الحرية الإيمانية قائمة على عدم الإكراه في الدين.
وينتقد مواقف الغرب واليسار تجاه الإسلام، ويعتبرها شكلًا من أشكال العنصرية الأبوية البطريركية، ويناصر القضية الفلسطينية في مواقف كثيرة بوضوح، ويعتبر أن ما تقوم به إسرائيل في مواقف كثيرة يمثل تطهيرًا عرقيًا وفصلًا عنصريًا (الأبارتهايد).
فيلسوف يستحق أن تقرأ له وتغوص في كتبه الكثيرة والمتنوعة. فيلسوف يستحق أن يمثّل سلوفينيا.
غير أن بريق الفيلسوف لا يُنسينا أن سلوفينيا نفسها أرض تستحق أن يُنظر إليها لا كمكان يخرج منه المفكرون فحسب، بل كمكان يُلهم.
هي أرض صغيرة، لكنها تلتقي فيها جبال الألب ببحر الأدرياتيك وسهول بانونيا، فكأنها قلب أوروبا الأخضر الذي ينبض بهدوء.
وهي تفتح أبوابها للكتّاب والمترجمين المصريين في منح الإقامة الأدبية، ليُنقل أدبها إلى العربية، ويُنقل أدبنا إليها، وكأن الجسر بين البلدين لا يُبنى بالسياسة وحدها، بل بالكلمة التي تعبر البحر والجبل معًا.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يكفي أن نشتري فنجانًا مكتوبًا عليه وعد صغير، أم أن التغيير الحقيقي يبدأ حين نكفّ عن الاستهلاك وشراء الطمأنينة، ونبدأ في النظر إلى العالم كما هو: فوضويًا وقاسيًا وجميلًا في آن واحد؟
.
إكس: @ahmedtantawi





