لمعة البحر المستحيلة

يصحو بعد منتصف الليل. بعد أن تسكن نار أفكاره بيت القلب، تدفعه قدماه في جولة روحية إلى البحر ليتنسم رحيق الورود الطافية على الشاطئ، التي تلتقط ضوء النهار الأول، فتلمع على سطح الماء من جديد .. يظل بعدها هائمًا على أطيافها مع أحد أصدقائه حتى يرمي البحر بموجة أخرى، ويتسلل خيط النور من سنابل الشمس الوليدة…

…….

 حين تحدثت معه ، تركت له أحلامه ليعيد نسجها، ترتيبها، ومنحها الحياة، ومع حديثه اختفى العالم، وبدأت صفحة جديدة من صفحات التكوين، صفحة يعيد فيها ترتيب الحياة وكأن اللحظة لم تغادره بعد إلى الغياب، يتحدث وكأن غيمة عابرة حان وقت سقوط ولمعان قطرات مائها الطازجة على الأرض، وكأن الليل بأسره يتواطأ مع روحه ويصبح خيطًا من الضوء المتدفق على سطح البحر.

طفولته كانت رحلة طويلة من الانتظار والمراقبة، طفل مهموم ، أبيض بلون الأحلام، عيناه خضراء كالشجر، القمر لم يبرح غرفته ثلاثة أيام ملتمعة، كأنه محمول على ماء البحر في رحلة امتدت سنوات من الصبر والأمل. كل خطوة من حياته كانت درسًا في البحر، كل موجة تعلمه الصبر، كل نسمة تعلّمه الحرية، وكل لحظة هدوء كانت نافذة ليكتشف نفسه. المدينة بأسرها كانت مرآة له، والموج صدى روحه، والليل معلمًا صامتًا يعلّمه كيف تكون الحرية حقيقية.

نشأ بين شوارع صغيرة وساحات صاخبة ومدن مطلة على البحر، المدن التي شهدت تحولات صباه، حيث تعلّم معنى الغياب والانتظار، معنى الوحدة التي تعانق الروح، ومعنى أن يكون الحلم أقوى من كل شيء، وأن يكون الخيال نافذة إلى الحرية المطلقة. في كل زاوية، في كل مقهى، عند كل رصيف قريب من البحر، كان يقيم احتفالات صغيرة مع روحه، يكتب، يقرأ، يحلم، ويحوّل كل حجر وكل شعاع ضوء وكل نسمة إلى جزء من نصه المتدفق، نص يعيش فيه الموج والمدينة والليل معًا.

……

المسرح كان عشقه المبكر، أول لقاءاته مع خشبة الحياة، حيث تعلم أن الجسد والكلمة يمكن أن يخلقا سحرًا حيًا، أن المشهد يصبح حياة، والضوء يصبح نفسًا، وأن الروح حين تتحرر من القيود تخلق عالمها الخاص، عالمًا لا يحده مكان ولا زمان. هنا بدأ يرى نفسه في كل شخصية، عاش معهم في كل حركة، وبقي الممثل والمخرج والمشاهد في آن واحد، كأن المدينة كلها مسرح، والبحر خلفية لا تنتهي، والليل أضواء متحركة على خشبة الخيال.

في شبابه المبكر، كانت السينما ملاذه الثاني، كل فيلم يراه يصبح درسًا، كل مشهد نافذة إلى قلبه، كل ضوء كاميرا ينبض في داخله، كل مبدعى السينما الجديدة، يصبحون مرايا له، يرى فيهم حركته، حركته التي تتناغم مع الموج، مع الريح، مع صمت المدينة. وفي الوقت نفسه، رفض كل ما كان باهتًا، كل ما كان عاديًا، فالفن بالنسبة له ليس مجرد إمتاع، بل اختبار للحياة والخيال، تجربة تخلق الذات.

عشق الموسيقى، وعشق عبد الحليم حافظ، الذي تحول إلى صدى داخلي، صوت يهتز معه، يحاكيه، يغنيه، يعيش داخله، حتى عندما كان غائبًا عن المكان، كانت روحه تعيش معه في كل أغنية، وكل نغمة تتحرك في الشوارع والمقاهي والبحر، وكل طفل يستمع، يصبح جزءًا من هذا الانشراح الروحي الذي حمله في شبابه. ومحمود ياسين، ابن مدينته، كان توهجه السينمائي مرآة له، كل حركة، كل نظرة، كل صمت، كان يختبرها داخله، حتى أصبح جزءًا من نسائجه الداخلية، جزءًا من موج روحه.

وكانت الأيام تمضي، بين الحب والخيال، بين المسرح والسينما، بين الشعر والسرد، بين البحر والمدينة، بين الليل والنهار، كل تجربة تصبح حكاية، كل حكاية تصبح نصًا، كل نص يصبح جزءًا من الحياة التي يعيشها، كل يوم مشروع جديد، قصيدة، قصة، رواية، دراسة، مسرحية، وكل لحظة تتسرب إلى المدينة والبحر معًا، كأنهما مرآة له، كأنهما بيت البحر الذي يخصه وحده.

…..

في بيت البحر، غرفته التي تطل على الشاطئ، كان الليل يمتد إلى الداخل، عبير حروفه يتسرب إلى كل زاوية، يحاول أن يلصق بدائعه في سماء أخرى، وسماء أخرى، يحول كل فكرة إلى موجة، وكل لحظة إلى نغمة، وكل خيال إلى واقع موازٍ، عالمًا لا يعرف القيود، عالمًا لا يحده المكان أو الزمان، عالمًا يتنفس بحرية ويغرق في الضوء والظل، حيث يصبح المبدع والبحر والمدينة والليل كلها جسدًا واحدًا متوهجًا.

في تلك الساعة التي يغيب فيها صخب المدينة وتخف الأضواء عن الشوارع، يصبح البحر وحده سيد المكان، والموج يهمس باسم المدينة كأنه يروي أسرار الليل الطويل. هناك، على الشاطئ، وجدته، يحمل في عينيه بريق السكينة  التي تلتمع على صفحة البحر، وبداخله روح الموج المتأججة المتمردة على جفاء الأيام وفوران الوقت، كأنه و البحر تمردا معا على رتابة الحياة. كانت اللحظة دافئة، دفء الوحدة الحنون التى وهبت للليل هالة من حياة جديدة ..

هو من روح ودم وبحر، ليس له اسم سوى صاحب بيت البحر، الذي يفتح بابه على الندى والمدى، وتلك اللمعة المستحيلة التي غاب فيها دون أن يمسكها بيديه، كأنه حارس للليل والموج والحلم والمدينة كلها، حيث يصبح الوقت ملكًا له وحده، والبحر شاهدًا على كل أسراره، والمدينة كلها مرآة له، والموج صدى روحه، والخيال هو نفسه، لا ينتهي، لا يتوقف، كأنه بيت مفتوح على الأبدية.

 

أسامة كمال

 

 مهداه إلى المتمرد الأبدى:

الكاتب والشاعر والباحث والمسرحى :

محمد حامد السلامونى

 

 

سيرة ذاتية .. أسامة كمال

 

الاسم: أسامة كمال محمد  أبو زيد

الاسم الأدبى: أسامة كمال

المؤهل : ليسانس آداب ـ جامعة القاهرة

 

النشاط الأدبى و الثقافى و الصحفى 

 كاتب ومحرر ثقافي حر بجريدة الاهرام ويكلى ( 2008 – 2012 )

 مجلة السياسي ( المصري اليوم ) ( 2012- 2013)

 مدير تحرير موقع السلم والثعبان الثقافي ( 2013 -2014) ..

 رئيس تحرير مجلة تنيس الأدبية ( الهيئة العامة لقصور الثقافة )  عام 2017

 مدير تحرير نشرة مؤتمر أدباء مصر( 2018 -2019 )

 عضو هيئة تحرير مجلة المرجان الثقافية ( ٢٠١٨ – ٢٠٢١ )

 عضو باتحاد الكتاب المصرى( عضوية رقم 3273 )

 عضو باتحاد الكتاب العرب

 محاضر مركزى بالهيئة العامة لقصور الثقافة

 مقرر لجنة القصة والمقال بالمجلس الأعلى للثقافة ببورسعيد

 عضو الأمانة العامة لمؤتمر أدباء مصر ( 2018-2019)

  • مدير تحرير سلسلة النشر الاقليمي ( اقليم القناة وسيناء الثقافة) – 2024

 رئيس نادى أدب بيت ثقافة النصر ببورسعيد ٢٠٢٣

 عضو بنقابة الصحافة المستقلة

 عضو بنقابة الصحافة الالكترونية

 

الجوائز:

* القائمة القصيرة لجائزة الصحافة العربية ( فئة الصحافة الثقافية ) عام 2014

* منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون ( أفاق ) عام 2012

* جائزة صندوق التنمية الثقافية المصري في شعر الفصحى  عام 2011

* جائزة العودة ( الفلسطينية ) في أدب الأطفال عام 2015

* جائزة إقليم القناة وسيناء الثقافي الأولى  في الشعر عام 2002

* جائزة إقليم القناة وسيناء الثقافي الأولى  في القصة القصيرة عام 2001

* جائزة إقليم القناة وسيناء الثقافى الاولى فى المقالة الأدبى عام ٢٠٢٢

* جائزة مديرية ثقافة بورسعيد الأولى في القصة القصيرة لخمس سنوات متتالية 1998 : 2002

 

الإصدارات:

*  لك الموت يا راعى اليمامة ( قصص)- الهيئة العامة للكتاب عام 2000

* الفراشة الخضراء (  أطفال )- الهيئة العامة المصرية للكتاب عام 2006

* رائحة الغياب ( سرد أدبي ) – دار شرقيات المصرية عام 2013

* كتابة بيضاء ( ديوان شعري ) – الهيئة العامة للكتاب عام 2014

* بورسعيد شهادات في الحرب والحب  الهيئة العامة لقصر الثقافة عام 2014

* صباح جديد ( من فنون السرد ) الهيئة العامة لقصور الثقافة  عام 2017

* كل الأشياء جميلة ( أطفال ) هيئة قصور الثقافة عام 2018

* بهجة البحر ( ابداعات ودراسات من بورسعيد ) الهيئة العامة لقصور الثقافة عام ٢٠١٩

 

تحت الطبع :

*  ضوء واهن ( قصص ) )

* وجوه العائلة ( ديوان شعري)

* فنون مصرية ( مقالات )

 

أعمال منشورة :

مجلة العربي الكويتية ، جريدة الأهرام ويكلى –  جريدة الأهرام – مجلة السياسي ( مؤسسة المصري اليوم ) – مجلة الهلال –  جريدة أخبار الأدب –  مجلة الشاهد –  مجلة الدوحة – مجلة تراث الإماراتية – مجلة المجلة ( الهيئة العامة المصرية للكتاب ) –  مجلة المجلة السعودية – جريدة الحياة اللندنية – جريدة البديل – جريدة الأهرام المسائي – جريدة العرب الدولية –  جريدة الدستور الأردنية – جريدة الأحرار المصرية –  جريدة الحقائق اللندنية –  جريدة الجمهورية المصرية – جريدة صوت العروبة-  جريدة القاهرة- جريدة القدس العربي- جريدة الأهالي – جريدة اليوم السابع – جريدة  السياسي المصري  – مجلة قطر الندى للأطفال  – مجلة الثقافة الجديدة المصرية- مجلة المرجان – مجلة أصداف –  مجلة نون الأدبية – مجلة الفاتح للأطفال  – كتاب الأدباء

 

النشر الالكتروني: موقع كيكا- موقع جهة الشعر- موقع قصيدة النثر المصرية- موقع القصة العربية – موقع القصة السورية – موقع دروب – موقع فوانيس – موقع محيط – موقع ديوان العرب- موقع عناوين ثقافية – الكتابة الثقافى – مدينة – صدى. بورسعيد

Related Posts

سلوفينيا و«أخطر فيلسوف سياسي في الغرب»

زيارة السيدة ناتاشا بيرتس موسار، رئيسة جمهورية سلوفينيا، إلى مصر، وإلقاؤها محاضرة موسعة في جامعة القاهرة، وزيارتها للمتحف المصري الكبير، ذكّرتني بالفيلسوف السلوفيني «سلافوي جيجيك»، الذي يُلقب بـ«أخطر فيلسوف سياسي…

Homer: The Timeless Models of the Hero

Epic poetry, which began to develop in the early Geometric Period (1000 BC), reached its full maturity with Homer, who lived in the 8th century BC. Through his heroic epics, the Iliad and the Odyssey, Homer celebrates and brings together two fundamental models of heroism: Achilles, distinguished by his courage, willpower and right action, and Odysseus, distinguished by his prudence, skill in action, effectiveness and altruistic intelligence, which connects the hero with himself and with nature. Homer and Philosophy: Convergences and Analogies Through Time  Achilles’ right action, that is, action free from attachment to its fruits or outcomes, would later find expression in various philosophical traditions: in Plato, in Stoic philosophy (according to which virtue has value in and of itself), in Giordano Bruno and in Kant (acting out of duty, for the sake of duty itself). Plato considered that the philosopher’s primary task was to weave together the virtues of courage and prudence, harmonising will and wisdom. Furthermore, he believed that the fundamental task of the philosopher who becomes a statesman is to ensure the harmonious coexistence of all citizens within the fabric of social life. When a single ruler governs, it is essential that he combines the virtues of courage and prudence. When several rulers govern, courageous and prudent individuals must coexist. Homer in the Renaissance: The Harmony of Strength and Wisdom  The representatives of the Renaissance spirit sought to overcome the contradictions and conflicts of their time and to create a better world. This desire for change led them to seek inspiration in the classical world. Ancient thought was revived through philosophy, while myths and symbols re-emerged through art, particularly painting. Giordano Bruno symbolically portrayed the harmony between strength and wisdom in his work On the Composition of Images, Signs and Ideas, through the figure of a man holding a sceptre in his right hand and a book in his left, symbolising power and wisdom respectively. Paolo Veronese also depicted the symbolic union of strength and wisdom in his painting Allegory of Strength and Wisdom. The painting portrays Hercules, whose gaze is directed towards the earthly world, alongside a female figure representing wisdom, whose gaze is directed towards the celestial and spiritual world. Homer in the Contemporary World: The Timeless Relevance of His Values  Courage Leads to Prudence  A courageous person follows the golden mean. They avoid extremes, both recklessness and cowardice. They maintain their inner balance and do not allow difficulties, despair, melancholy or sorrow to dominate their thoughts and behaviour. Courage helps them overcome psychological and physical difficulties, master their impulses and preserve their inner strength. Prudence, on the other hand, enables them to distinguish right from wrong and to choose the appropriate course of action. Courage without prudence can turn into recklessness, while prudence without courage can remain inactive knowledge. The true fulfilment of the human being lies in the harmonious coexistence of courage and prudence, of strength and wisdom. This is perhaps the timeless message that we can draw from Homer and carry into the contemporary world. Thank you very much for your attention. Yannis K. Fikas President of the Academy of Farsala

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *