أحداثجاليريشخصيات

مقال الجمعة |  الفنانة لينا أسامة

باريس - القاهرة | عبد الرازق عكاشة

حين ترى ما يُبهج قلبك، فتأكّد أنك تُنعش ذاكرتك بالفرح.

لينا أسامة حالة من التعبيرية المباشرة والعميقة.
في هذه الأيام شديدة البرودة، يصعب أن تجد ما يدفئ وجع القلب أمام تراجع الثقافة الوطنية، ويصعب أن ترى ما يعطّر مسافات الطريق إلا نادرًا. فبين معارض صادمة لفنان يقارب الثمانين عامًا، ينقل تجربة كاندينسكي باستخفاف، ويصنع من لوحاته أرجوزات، وبين عاريات ليل القاعات، وجلساء المقاهي سوداء الفكر، تضيع البوصلة.

بين الابتذال والابتزاز، وبين من ينظر إلى الفن عبر بودكاست، وحين ترى أعماله تُصدم: كلام في كلام في كلام. نعم، بين ضغط باريس ومعارضها التي تُرجف القلب، وبين طلبات الأصدقاء في الدول العربية لعرض وتناول أفكار لوحاتهم واتجاهاتهم في مقالات، وسط البرد والكحّة ووجع الصدر، تتكاثر الأسئلة.

وفجأة، ترى لوحة أو تمثالًا، فيعلو صوتك، ويخرج قلبك إلى أعتاب عضلات قفصك الصدري ويصفّق. يصرخ، لا للشطارة، ولا لتوزيع الأضواء، ولا للشروط الكلاسيكية، فهذه روايات المعطوبين والمهرّجين العابرين، بل للصادقين، للباحثين، للحالمين، للمتأملين. يصفّق قلبك للصدق، لحالة الغرق في التعبير.

أعجبني جدًا معرض الفنان النحات أحمد القرعلي، لكن عذرًا يا فنان، كنت مسافرًا، ومع ذلك شاهدت حالة فكرية تستحق الاحترام والتقدير. تمنّيت أن أرى المعرض كامل الفكرة. وكذلك معرض الدكتور الخلوق مصطفى عيسى، لكنني سافرت بعد الافتتاح مباشرة لظرف شخصي جدًا. عذرًا دكتور، كما شعرت أن معرض الفنان المهم د. مصطفى عيسى فُرض عليه سياج من حرس قديم، سواء في المعرض أو الندوة، رغم شوقي ومحبتّي لتجربته.

أما اليوم، فحقًا قلبي انفعل، ومشاعري تحرّكت في الاتجاه الصحيح، بالفرح والبهجة، وأنا أرى عملًا تعبيريًا للفنانة لينا أسامة: حضن بين رجل وامرأة، حالة تعبيرية صافية الذهن، جميلة التعبير، صادقة اللون.

أنا في الأساس معجب بأعمال الفنانة منذ فترة بعيدة، ومؤمن بتجربتها، بعفوية التلوين، وصدق المشاعر، وإنسانية الأفكار. لكن اليوم شاهدت عملًا تعبيريًا صادقًا وقويًا، دخلت وسألتها، فجاءت الإجابة مفاجئة: إنه عمل قديم. اندهشت؛ عمل بقوة تعبيرية مذهلة، وشجاعة لونية، وصفاء بصري، ونقاء الرؤى، وعفوية في الرسم، لأن “الحَكَم” الذي يقود مشاعرها إلى تلك الطزاجة والعفوية هو نظافة مشاعرها.

الحالة التعبيرية هنا ببساطة ووضوح، وبعيدًا عن التلوث البصري، وعن الكلمات الضخمة الرنّانة التي تُكتب في بيانات المعارض لتخفي خلفها خيبة المبدع في فنه، فيلجأ إلى التفسيرات والتوضيحات والشرح. يا سيدي، ويا فنانة، الذين يشرحون: إذا كنت عاجزًا عن توصيل مشاعرك بلغتك البصرية، موهبتك التي منحك الله إياها، فهل توصلها بلغة أخرى هي الشرح والكلام؟

لينا أسامة حالة تعبيرية خالصة.

الفنانة لا تشرح ولا تتكلم، إنما تُلوّن وتُعبّر. كلامها لونها، وفعلها حالة كاملة من التعبير. ويسبق التعبير حرية المشاعر، وصدقها، وإنسانيتها.

تلوّن وتلوّن، وكأنها تنحت، تؤكد مشاعرها، وتؤكد صدقها على خريطة الإحساس الداخلي، كأنها تصنع تماثيل من الحِمل والطاقات اللونية. في أعمالها حرية وبراءة كبيرة في مساحات اللون، وشجاعة في تخطي حواجز كثيرة يضعها غيرها من الفنانات والفنانين، ليحددوا خرائط مسبقة يضعها الفنان المرتبك أمام نفسه.

أما الفنانة لينا، فتتخطى كل هذا، وتلوّن شخصيتها بكل انفعال صادق، كأنها طفلة تلوّن عرائس عمرها بمحبة وعذوبة الطفلة المعبرة. أعمال لينا أسامة، بما تحمله من براءة وشجاعة وفطرة تعبيرية، صنعت عالمًا خاصًا بها، يصلح لأن يُطرح دوليًا. وأؤكد لكم أن هذه الفنانة يمكن لأعمالها أن تكون في مكان آخر، إذا توفر لها العرض في معارض أوروبية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى