
مات الإسكندر الأكبر (356-323 قبل الميلاد) في العاشر من يونيو عام 323 قبل الميلاد، أغلب الظن، عن عمر يناهز 32 عامًا. واختلف العديد من العلماء حول تحديد أسباب وفاة الإسكندر الأكبر، والمكان الذي دفن فيه. غير أنه مات في بابل بالعراق. وكانت أمنية الإسكندر الأكبر قبل موته – كما تذكر بعض الروايات – أن تُلقى جثته في نهر الفرات.
ويخبرنا المؤرخ كاليسثينيس المزيف، أحد الكهنة اليونانيين السكندريين وكاتب سيرة الإسكندر عام 300 ميلادية، أن الإسكندر تعرض لمؤامرة قتل بالسم في مدينة بابل. وفي ذلك الوقت حاول الفرس أن يكسبوا بصداقتهم المقدونيين، وأن يوافقوا على دفن الإسكندر في بلدهم؛ حتى يستطيعوا تكريم المتوفى بما يليق به، وأنهم سوف يعلنونه الإله ميثراس أو ميثرا الفارسي.
وما يزال لغز العثور على مقبرة الإسكندر الأكبر، أحد أشهر ملوك العالم القديم والقادة العسكريين والفاتحين عبر التاريخ، ومؤسس مدينة الإسكندرية، كما سبق القول، محيرًا لعلماء الآثار في العالم كله. وتعد مقبرة الإسكندر الأكبر واحدة من أكثر الآثار غموضًا. وهو الحلم الذي ما يزال يراود الأثريين في مصر والعالم كله منذ أن رحل عن عالمنا. فهل يمكن العثور على مقبرة الإسكندر الأكبر فى يوم من الأيام؟ أم أنها غير موجودة بمصر من الأساس؟ وما حقيقة سرقة الملكة كليوباترا لمقبرة الإسكندر الأكبر؟
وبدأ البحث عن مقبرة الإسكندر بعد وفاته المفاجئة. ودفعت الحيرة الباحثين إلى محاولات عديدة تجاوزت المائة لاكتشاف مقبرة القائد المقدوني. وتوقع الباحثون وجود مقبرة الإسكندر في المنطقة المحصورة بين مدينة الإسكندرية وواحة سيوة. وتعددت الآراء بشأن مكان مقبرة الإسكندر الأكبر.
خارج مصر
أما المواقع المقترحة لدفن الإسكندر الأكبر خارج مصر، ومنها صيدا بلبنان، عندما اكتشف تابوت ينسب إلى الإسكندر بها، عام 1895 ميلادية، وهو محفوظ الآن بمتحف إستانبول، أو كريت، أو فى شمال اليونان، وهناك أقاويل تقول إن الإسكندر الأكبر تم دفنه في سوريا، أو غيرها من الآراء التى لا تستند إلى أي دليل علمي.
في سيوة
وإن كانت الروايات التي نطمئن إليها أكثر توضح لنا أن الإسكندر رغب في أن يُدفن جسده في واحة سيوة بمصر. ويعتقد بعض المؤرخين أن الإسكندر الأكبر دُفن في واحة سيوة؛ لأنه زار سيوة. غير أن ذلك الاعتقاد ثبت عدم صدقه بالدليل الأثري. وجميع الأدلة تؤكد أن الإسكندر الأكبر تم دفنه في مدينة الإسكندرية، وليس في واحة سيوة، أو في خارج مصر.
في الإسكندرية
بعد موته بفترة وجيزة في بابل في العراق القديم، صارت أحقية تملك جثة الإسكندر الأكبر محل تفاوض بين قادته وورثة إمبراطوريته: بيرديكاس وبطلميوس وسلوقس. وعلى الرغم من وفاته في بابل، في البداية فُضل دفن جثته في إيجة. وكانت إيجة واحدةً من موقعين مرشحين لدفنه. وكانت واحة سيوة المصرية هي الموقع الآخر. غير أن بيرديكاس اختار إيجه. غير أن ما حدث هو أن ورثته اختلفوا بعده، ورغب كل منهم أن يُدفن الإسكندر في مملكته؛ كي ينال شرعية خلافته. وكان المقدونيون يرون ضرورة نقل جثمانه إلى مقدونيا. وقالت المصادر أنه تم دفن الإسكندر الأكبر في تابوت ذهبي. وصُنعت عربة خصيصًا لنقله إلى بلاد اليونان.
عندئذ تدخل الجنرال بطلميوس وقال بالحرف: “إن هناك وحيًا ونبوءة هناك في بابل للإله زيوس، ومنه سنتسلم نبوءة تقرر أين سندفن الإسكندر، وكان الوحي قد سئل وأجاب في معبد زيوس بتلك الكلمات التالية: إنني سأقول لكم ما هو الصالح العام، هناك توجد مدينة في مصر تسمى منف، وهناك يجب أن يدفن، ويعتلي عرشه “.
ولما وصل التابوت لبلاد الشام، سارع ملك مصر بطلميوس الأول سوتير (367- 283 قبل الميلاد) بجيشه لاستقبال التابوت؛ طبقًا لنبوءة تؤكد أن البلد الذي سوف يحتفظ بمقبرة الإسكندر، سوف تعيش في عز وسعادة ولن تموت. واعترض طريق القافلة في سوريا. وأبلغ المقدونيين أن مصر أولى بجثته من مقدونيا. واشترطوا عليه كي يتركوا له الجثة أن يتم دفنها في مدينة منف، وليس في واحة سيوة، كما أوصى قبل وفاته بذلك. وكان السبب في ذلك أن يظل جثمان الإسكندر في حماية بطلميوس الأول. أما إذا نُقل إلى واحة سيوة بعيدًا عن العاصمة، فسوف يكون ذلك خطرًا على الجثمان والمقبرة. ولكن الجثمان لم يظل في منف طويلاً.
ونجح بطلميوس الأول فى إحضار التابوت إلى مصر، حين اختطفه، وهو في طريقه إلى إيجة. وسار بالجثمان المضمخ بالعطور في تابوته، متجهًا إلى منف. غير أن المفاجأة أن قلق كبير كهنة منف من دفن الإسكندر في مدينته؛ نظرًا الصراع على الاستئثار بدفن جثته في بلد أحد قادته. وقال لهم ادفنوه في المدينة التي أسسها هو بنفسه، في ضاحية راقودة؛ وذلك لأن المدينة التي سيُدفن فيها، سوف تكون دائمًا عرضة لاضطرابات، وتهزها المعارك والحروب. غير أن بطلميوس الأول لم يرضخ لكلامه، ودفن جسد الإسكندر الأكبر في سقارة، جبانة منف، حسب الطقوس المقدونية. وظل التابوت في سقارة. ومع نهاية القرن الرابع قبل الميلاد أو بداية القرن الثالث قبل الميلاد، في بداية عصر البطالمة، نُقل جسد الإسكندر من عاصمة الفراعنة، منف، إلى عاصمة البطالمة، الإسكندرية. ونُقل إلى الإسكندرية؛ لأن الكاهن الأكبر لمنف كان قد حث على نقله خوفًا من تعرض المقبرة هناك لأي خطر قادم مع بيرديكاس (أحد ورثة الإسكندر 365- 321 قبل الميلاد)، وأتباعه الذين قادوا المعارك العديدة من أجل الاستئثار بجثمان الإسكندر. وأُعيد دفن الإسكندر الأكبر بها في مقبرة خاصة به في المقبرة الملكية، المعروفة باسم السوما أو السيما، في الحي الملكي. وهناك تم دفن جثمان الإسكندر الأكبر.
إذًا تم دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية في المقبرة الملكية، المعروفة باسم السوما أو السيما، بالحي الملكي بوسط المدينة القديمة، وهو الحي الذي كان يعرف باسم البروكيون، غير أنه قد تم تدميره تمامًا خلال القرن الثالث والرابع الميلاديين؛ نتيجة اندلاع الثورات والحروب والفتن، التي قام بها أهل الإسكندرية ضد الأباطرة الرومان.
وبعد أن أصبحت المسيحية الديانة الرسمية في مصر، تم تدمير الكثير من الآثار الوثنية القديمة في أواخر القرن الرابع الميلادي. ومن أشهرها معبد السيرابيوم. ويعني ذلك أن مقبرة الإسكندر الأكبر لن يتم اكتشافها إلا بالصدفة البحتة.
وكانت السوما أو السيما موجودة عند تقاطع الشارعين الأساسيين في مدينة الإسكندرية القديمة. ونقطة التقاطع تلك الآن في شارع النبي دانيال، وليس عند مسجد النبي دانيال. ومقبرة الإسكندر قد تكون في تلك المنطقة. ونظرًا لصعوبة إجراء حفائر بها، فإن مقبرة الإسكندر لن تظهر إلى الوجود إلا بالصدفة.
رؤية مقبرة الإسكندر الأكبر في الإسكندرية
قام بطلميوس الثاني فيلادلفوس (309 – 246 قبل الميلاد) بعد ذلك بوضع المقبرة بالقرب من أكبر مربع بالمدينة؛ حتى يلفت الانتباه إليها. وهكذا أصبحت مقبرته بالإسكندرية قِبلة أنظار الشعوب القديمة بل والحرم المقدس بالنسبة للزائرين. وكانت جثته محاطة بغطاء من الذهب الخالص، وموضوعة في صندوق. وفي مقبرة من الضخامة والفخامة تليق بواحد من أشهر زعماء التاريخ، وامبراطور لم يهزم في أية معركة خاضها طوال حياته.
وكانت مقبرة الإسكندر تشتمل على سلم يؤدي إلى فناء مربع ثم ممر طويل يؤدي إلى المقبرة تحت سطح الأرض. وتم بناء معبد بها لإقامة الطقوس فيه على روحه. وبالقرب من تلك المقبرة، أقيمت المقبرة الملكية لدفن أسرة البطالمة بدءًا من بطلميوس الثاني، الذي أقام أول مقبرة لوالده بطلميوس الأول وزوجته. وعرفت تلك المقبرة الملكية باسم السوما أو السيما. وظلت مقبرة الإسكندر معروفة طوال العصر البطلمي حتى قيل إن الملكة كليوباترا كانت تعاني من أزمة مالية شديدة فجمعت كل الكنوز الموجودة بمقبرة الإسكندر، واستولت عليها.
كذلك زار مقبرة الإسكندر القياصرة الرومان.
ومن المعلومات المهمة عن تابوت الإسكندر أن بطلميوس الحادي عشر عام في عام 80 قبل الميلاد استبدل التابوت الذهبي للإسكندر بتابوت زجاجي. وتم تحنيط جثمانه، ووضعه في تابوت من الذهب الخالص، ونقله بعربة خاصة، إلى مدفن مجهول.
ذكر العالم اليوناني استرابون، الذي زار الاسكندرية في القرن الأول قبل الميلاد، أن الإسكندر دُفن في الحي الملكي.
وكان الأباطرة الرومان يزورون مقبرة الإسكندر الأكبر باستمرار ويُظهرون احترامهم له. ومن هؤلاء يوليوس قيصر (100 – 44 قبل الميلاد)، الذي زار المقبرة. ووقف أمام الجثمان برهة وهو خاشع. وزارها أغسطس (63– 14 قبل الميلاد)، الذي نظر إلى الجثمان باحترام شديد. ووضع أكاليل الزهور أمام المقبرة. وزارها أيضًا الإمبراطور سبتيموس سفيروس (145 – 211 ميلادية)، الذي قام بوضع كل البرديات المقدسة التي جمعها من المعابد داخل التابوت الزجاجي للإسكندر. ومع حلول القرن الرابع الميلادي لم يكن أحد يدري أين هو.
أخبرونا الكُتاب والمؤرخين القدامى الذين بوجود جثمان الإسكندر الأكبر بالإسكندرية قدم كل منهم دليله، وإن كانت بعض دلائلهم مختلفة إلا أنّ جميعها تؤكد على وجود الجثمان والمقبرة بالإسكندرية. وهناك روايات أخرى قديمة تشير إلى أنه مدفون في سرداب تحت كنيسة مسيحية قديمة. وقال بعض المؤرخين، مثل ابن الحكم المسعودي، وليون الأفريقي بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر الميلاديين، إنهما شاهدا مقبرة الإسكندر الأكبر.
مشكلة البحث عن مقبرة الإسكندر قديمة ترجع إلى نهاية القرن الرابع الميلادي، حينما سأل القديس يوحنا فم الذهب (347-407 ميلادية) شخصًا آخر قائلاً له: “أخبرني أين توجد مقبرة الإسكندر؟”
وظل الاعتقاد السائد لقرون طويلة هو أن مقبرة الإسكندر الأكبر، وتسمى السوما، تقع عند تقاطع الشارعين التاريخيين الأساسيين الطولي والعرضي بالإسكندرية، أي أنها في وسط المدينة الحالية ما بين كوم الدكة ومسجد النبي دانيال.
وفي بداية القرن التاسع عشر الميلادي، أخبر المواطنين السكندريين الجنود البريطانيين أن الحملة الفرنسية أخرجت تابوت الإسكندر من مسجد العطارين قبل أن تغادر مصر عام 1801 ميلادية، ثم قام الجنود البريطانيون بنقل التابوت إلى متحف لندن بعد أن وجدوه في موقع المستشفى الفرنسي بالإسكندرية.
وعلى الرغم من أن هناك أكثر من مائة محاولة مصرية وعالمية للكشف عن موقع السوما، غير أنها لم تفلح إلى الآن في العثور عليها. ومنذ فترة، قامت عالمة الآثار اليونانية الدكتورة كاليوبي ليمنوس-باباكوستا، من بعثة معهد البحث الهيلليني للحضارة السكندرية بدولة اليونان الصديقة، بالتنقيب في منطقة الشلالات في قلب المدينة القديمة.
وقد عثرت على تمثال نادر من الرخام الأبيض تعتقد أنه يمثل الإسكندر الأكبر، وهو معروض حاليًا في متحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، وكنوز يونانية، وأنفاق سرية. واعتقد البعض أن ذلك المكان ربما كانت توجد به مقبرة الإسكندر الأكبر. غير أن ذلك الأمر ليس مؤكدًا إلى الآن.
وسوف يتم العثور على مقبرة الإسكندر الأكبر فى يوم من الأيام تحت أحد المنازل القديمة في مدينة الإسكندرية؛ لأن الإسكندر دُفن هناك، وليس في أي مكان آخر. وسوف يتم العثور عليها خلال أعمال الحفائر، أو عن طريق الصدفة؛ إذ ذكر فيلادلف أنه أمر بتشييد مقبرة لوالديه بطلميوس وبرنيس في مكان قريب من الجدار الشرقي لمقبرة الإسكندر العظيم. أو ربما غرقت المقبرة تحت مياه بحر الإسكندرية كجزء من الحي الملكي الذي غرق تحت مياه البحر في منطقة الميناء الشرقية. ولو تم اكتشاف مقبرة الإسكندر، سوف يكون الاكتشاف حدثًا مدويًا لا سيما وأن الكثير من ممتلكات الإسكندر الشخصية قد دُفنت معه في مقبرته. وسوف يمدنا اكتشاف المقبرة بسيرة خالصة حقيقية عن الإسكندر، ومغامراته وحروبه وفتوحاته وغزواته. وقد نفاجأ بوصايا أو تعاليم جديدة للذين سيفتحون مقبرته.
وعلى الرغم من ذلك ما تزال الآمال تتجدد كل فترة للوصول إليها. وهذا شيء ايجابي. ونرجو أن يتم العثور على مقبرة الإسكندر الأكبر يومًا ما حقًا. غير أن البحث عن مقبرة الإسكندر الأكبر يعد من الأمور التي حيرت الباحثين وعلماء الآثار بكل تأكيد. ولا نعرف على وجه التحديد موقع مقبرة الإسكندر إلى الآن. وما يزال البحث عن مقبرته مستمرًا إلى اليوم. وما يزال حلم العثور على مقبرة الإسكندر الأكبر يداعب عقول الجميع حول العالم.




