أدبشخصيات

إرث قابيل الثقيل

أنس الغوري – كاتب سوري

أنس الغوري – كاتب سوري

هل أدركنا قيمة الفرد؟ هل صدقنا؟

قد قالها ألبير كامو في كتابه لعبة الأوراق والنور:

الفرد ذو قيمة كونية“.

الحيوانات والطيور صدّقت، المحيطات والبحار بجميع قاطنيها آمنت، الجبال والتلال، السهول والوديان، الحشرات، وجمعُ موجودات الوجود آمنت وصدّقت، إلا الكائن البشري، وريث قابيل.

تتزاحم الأفكار في أُطر التفكير؛ تتلوى، تشذّ، تحاول أن تحصرها في نطاق زواياها المحددة، غير أنها تتعنّد وتأبى إلا أن تتشعب، لتشكّل لوحةً يتداخل بها الخاص وخاصّ الأخص مع العام والأعم المطلق؛ فتبرز لوحة مشوّهة داخل عقلك الهرِم.

تستخرج من جيوب قلبك ألوان الربيع المخبّأة، وترشق جدران هذا الوجود المتوشّح بالهلاك. تصير هزأةً لفئات كثيرة، لكنك بصبر نبيّ تُكمل مهمتك بنبلٍ صادق، رغم خوار قواك.

كل المشاهد واضحة وجلية بقدرٍ فاض عن كفايته:

الحروب العبثية التي لم تُخلّف سوى الكوارث الإنسانية، القتل وتبريره تحت ذرائع رخيصة لا تعرف النفاد، العنف بكل أشكاله والتحريض عليه، كذلك يتم تبريره بما لا يُعد من الأعذار المسمومة.

العنف البنيوي” الذي تدعمه أنظمة ومؤسسات تُسلّع كائناتها.

عقائد متطرفة، زئبقيّة القوانين، الإيديولوجيات المُسرطِنة التي تخدّ الطرق لما سبق.

الحوادث على اختلافاتها، بصغيرها وكبيرها.

الهويات المُدمِّرة لكل ما بناه ويبنيه القلة: أبناء النور، الذين أثرهم “أثر الفراشة“.

يُستنزف عقلك، ويُثقل على قلبك حدَّ خنق النبض حملُ هذا العالم بصيرورته المجنونة، مدركًا أنك أضعف من تحمّل كل هذا داخل زريبة جسدك الهزيل، الجسد الذي هو قيد التهدّم.

حتى في نومك، تصحب معك هذه الأفكار، على أملٍ هشّ أن تهبك بعض الأحلام إشارات، تمكّنك من استخدام بعضها في صباحاتك كأدلة فهم.

في خضم أمواج هذا التوحّش الملتهب، تتساءل وقلبك يذرف دمعه:

مَن للضعفاء؟

الضعفاء الذين لم يلمسوا حقوقهم، وكانت جميع حظوظهم من هذه الحقوق الأسماء، فقط لا غير.

هؤلاء لا يحتاجون منكم الشفقة؛ شفقتكم تؤذيهم في صميم فؤادهم. يحتاجون الرحمة، والاعتراف الحقيقي بإنسانيتهم.

عن نفسي، أنا الذي تجرّه حروفه إلى مسارات غير مترابطة، والذي جلّ رصيده من وجوده حرية اللا أدرية، والذي لا يملك كزادٍ سوى القلق والشك والسؤال، أسأل:

لِمَ كل هذه الفجائع؟

كان لي من الألم نصيب يفوق مقدرتي على استيعابه. لقد آذاني بشكل هوسي، أنا الذي لم يكن لي من جنايات إلا -إن كان يُعدّ- احتضان العالم بقلبي الصغير جناية!

حتّام هذا؟

الأيادي لم تعد تُمدّ للاحتضان أو العناق، ولا للتلويح بالسلام؛ باتت تخضع لأدمغة شيطانية.

يظن البعض أنهم عرفوك، خبروك. في ميزانهم المختل يقيمونك عبر عناوين قرأوها بك، ولم يتمكنوا من الغور أبدًا لكهوف أعماقك، التي كان من الممكن أن يُكشف بعض خباياها من خلال ملامحك الجنائزية، من خلال عين البصيرة.

تحت مجاهرهم  -التي تراكم على عدساتها ما يعيق الرؤية من ذواتهم- يضعونك.

لم تكن الغايات نبيلة. المسعى كان ولا يزال السلطة العمياء، الموجّهة دون حضور العقل.

حتى تلك التي بغية الدرس تشعر بها، لم تتجاوز بضع طبقات.

الشعور  -عدا كونه لغةً مكمّلة ومتمّمة لكل منقوص في لغات العالم- فهو الأقدر على الرؤية الكلية من سائر الأعضاء.

لم يعرفوا أنك، قبل أن تكون مادة تحت هذه العدسات، جعلت ذاتك تحت مجهر الضمير منذ بلوغ وعيك سن الرشد.

جهلهم بك يزيد من كمّ أعذارك لهم.

منذ أمدٍ لم أعد أتذكر أوانه، بات بنو البشر يعيّرون بعضهم بعضًا بالحيونة!

أولم ندرك بعد أننا صيّرنا أنفسنا لمآلاتٍ استحالت الحيوانات أرحم منا؟ أفضل!

ونحتاج أن نتعلّم منها إن أردنا النجاة.

بعنادٍ مضحكٍ ومبكٍ ندّعي أننا أحرار، ونعي معنى الحرية، وربما ملكها البعض.

بيد أن سوادنا الأعظم عبيد بجهلٍ مركّب:

عبيد أنانيتنا، نفاقنا، شهواتنا الأدنى من الحيوانية.

عبيد الإيديولوجيات الخرائبية، عبيد الأفكار المعلّبة الجرّارة للأهوال.

عبيد قضايا غير أخلاقية وهوياتية؛ الهويات التي تسجن إنسانيتنا.

عبيد حضارة الفولاذ والرقم.

عبيد كل ما يغيّب المعنى ويغرّب الروح.

خذوا ما شئتم… كل شيء،

واتركوا لي فقط اللحظة،

هذه اللحظة التي أكون بها، وعليها، صادقًا مع نفسي.

هذه الأحرف ليست وظيفتها أن تتراصف وتتجمع لتبني كلمات ذات مدلولات محددة، أبدًا.

إنها نداء حقيقي، وربما هو “النداء الأخير،

من سرير المشفى يصرخ به نبضي القلق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى