أحداثأدب

هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

د. حسين عبد البصير

بعد عقود طويلة ظلّت فيها البعثات الأجنبية متصدّرة مشهد الحفريات الأثرية في مصر، من حيث القيادة العلمية والنشر الدولي وصناعة السرد الأثري، بدأت ملامح تحوّل حقيقي تفرض نفسها خلال الأعوام الأخيرة. فقد حقّق الآثاريون المصريون إنجازات لافتة، لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، أعادت طرح سؤال جوهري: هل بات المصريون اليوم قادرين على استعادة زمام المبادرة في مجال الحفريات الأثرية؟

خلال السنوات الماضية، شهدت الساحة الأثرية المصرية سلسلة من الاكتشافات الكبرى التي قادتها بعثات مصرية خالصة، خاصة في مواقع مثل سقارة، والأقصر، والغريفة، وتونة الجبل، وسيناء والبحر الأحمر. لم تكن هذه الاكتشافات مجرد أحداث إعلامية، بل جاءت نتيجة عمل ميداني منظم، وتخطيط علمي، وتعاون بين تخصصات مختلفة داخل الفريق الواحد. وهو ما يعكس نضجًا ملحوظًا في الأداء العلمي والميداني للآثاري المصري.

هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة تراكم خبرات طويلة. فقد انتقل الآثاري المصري من دور المراقب أو المشارك الثانوي في البعثات الأجنبية إلى دور القائد والمخطط وصاحب القرار العلمي. كما تصاعد الوعي بأهمية ربط الحفريات بالسياق الحضاري والاجتماعي للموقع، وليس الاكتفاء باستخراج القطع الأثرية وعرضها بمعزل عن تاريخها ووظيفتها.

ولكي نفهم دلالة هذا التقدّم، لا بد من التذكير بأن تفوق البعثات الأجنبية تاريخيًا لم يكن ناتجًا عن كفاءة ميدانية أعلى فحسب، بل عن منظومة علمية متكاملة شملت التمويل السخي، والمعامل المتطورة، والتخصصات البينية، وشبكات النشر الأكاديمي الدولية. غير أن هذه الفجوة بدأت تضيق تدريجيًا، مع تحسّن البنية المؤسسية للعمل الأثري في مصر، وتراكم الخبرة لدى الأجيال الجديدة من الباحثين المصريين.

ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك تحديات حقيقية تعوق الوصول إلى الريادة الكاملة. يأتي في مقدمتها ضعف النشر العلمي المنتظم في الدوريات الدولية المرموقة، وقلة المشروعات البحثية طويلة الأمد، وغياب التكامل الكافي مع علوم مساندة مثل الأنثروبولوجيا الحيوية، والآثار الرقمية، ودراسات المواد. كما يحتاج الآثاري المصري إلى حضور أوسع في المشروعات الدولية المشتركة، ليس كعضو، بل كشريك علمي متكافئ.

إن استعادة زمام المبادرة لا تعني إقصاء البعثات الأجنبية، بل تعني تحقيق التوازن، وفرض الرؤية المصرية في تفسير تاريخ مصر وحضارتها. فالأثر المصري يجب أن يُقرأ أولًا بعين مصرية واعية، تمتلك الحسّ التاريخي، والانتماء الثقافي، والقدرة العلمية في آن واحد.

في المحصلة، يمكن القول إن الآثاريين المصريين بدأوا بالفعل في استعادة موقعهم الطبيعي في صدارة المشهد الأثري، لكن هذا المسار يحتاج إلى استدامة ودعم مؤسسي وعلمي متواصل. فالمستقبل لا يُبنى بالاكتشاف وحده، بل بالتحليل العميق، والنشر الرصين، وصناعة سرد حضاري يليق بعظمة مصر وتاريخها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى