أحداثأدبإعلامجاليريشخصياتلقاءات

السينما الإفريقية… شاشة للحرية ومرآة للإنسان

قراءة في حلقة برنامج «كواليس» مع د. أشرف أبو اليزيد

في حلقة ثرية بالدلالات الفكرية والجمالية، استضاف برنامج “كواليس” على شاشة قناة النيل الثقافية الدكتور أشرف أبو اليزيد، الأمين العام لمؤتمر الصحفيين الأفارقة، ونائب رئيس اتحاد كتاب أفريقيا عن شمال القارة، للحديث عن السينما الإفريقية بوصفها شاشة للحرية، وأداة لاستعادة السرد، ومساحة مفتوحة للصراع بين الهوية والصناعة.

مع فريق العمل داخل كواليس استوديوهات ماسبيرو، قناة النيل الثقافية، التلفزيون المصري، من اليسار لليمين متولي الديب، د. أشرف أبو اليزيد، فاطمة الزهراء حسن، نهاد الحديني، وحنان فكري

فريق عمل برنامج (كواليس) ضم المخرج التليفزيوني متولي إسماعيل الديب والمحررة  حنان فكري في الإعداد، والمخرجة سوزان عباس البارودي (Producer)، والمخرج المنفذ أشرف سليمان، ومديرة الانتاج هبة حسن ومنفذ الانتاج إبراهيم اللول، والإعلامية نهاد الحديني أمام الشاشة. وجاءت الحلقة في توقيت بالغ الدلالة، مع تصاعد حضور الأفلام الإفريقية في المهرجانات الدولية الكبرى، وتحوّل المنصات الرقمية إلى لاعب رئيس في إعادة رسم خريطة العرض والتلقي، ما أعاد طرح سؤال محوري:
هل نجحت السينما الإفريقية في العبور من هامش المهرجانات إلى قلب الصناعة العالمية، أم أنها لا تزال تفاوض على حقها في السرد والانتشار؟

من الحكاية الشفوية إلى الكاميرا

في افتتاح الحلقة، وضعت المذيعة الإعلامية نهاد الحديني الإطار الفكري للنقاش، معتبرة أن السينما الإفريقية وُلدت من رحم الحكاية الشفوية ومن ذاكرة مثقلة بالاستعمار والأسئلة المؤجَّلة. فمنذ ستينيات القرن الماضي، سعت الكاميرا الإفريقية إلى استعادة الصوت والصورة والهوية، عبر أسماء صنعت ما يمكن وصفه بـ”سينما مقاومة للغياب”.

وفي هذا السياق، أكد د. أشرف أبو اليزيد أن السينما الإفريقية لم تكن يومًا ترفًا فنيًا، بل جاءت بوصفها ضرورة ثقافية وتاريخية، قائلاً إن الكاميرا في أفريقيا كانت دائمًا “عينًا بديلة عن التاريخ الرسمي، وصوتًا للإنسان المهمَّش، وذاكرةً في مواجهة النسيان”. وأضاف أن المبدع الإفريقي متعدد المواهب، فالشاعر في المهرجانات، مثالا، لا يلقي القصيدة وحسب، بل يوؤديها بالرقص والغناء والإيقاعات كممثل مسرحي، والحال نفسه مع صناع السينما المتخمة بالأصوات الموسيقية.

حضور متنامٍ في المهرجانات العالمية

توقفت الحلقة عند مشاهد من أبرز المشاركات الإفريقية في المهرجانات السينمائية العالمية خلال الأعوام 2024–2026، حيث بدا واضحًا أن السينما الإفريقية لم تعد غائبة عن كان، برلين، فينيسيا، والأوسكار.

واللافت أن السينما الإفريقية شهدت حضورًا لافتًا في المهرجانات العالمية الكبرى، مؤكدة انتقالها من الهامش إلى قلب المشهد السينمائي الدولي. ففي مهرجان كان، شكّل عرض فيلم My Father’s Shadow للمخرج أكينولا ديفيز الابن محطة تاريخية كأول فيلم نيجيري في قسم Un Certain Regard، بما يعكس عبور نوليوود إلى العالمية، إلى جانب مشاركة فيلم Aisha Can’t Fly Away لمراد مصطفى في منافسة كاميرا الذهب. وفي برليناله، برز الفيلم السنغالي Demba، الذي عُرض في قسم Encounters ومثّل بلاده لاحقًا في سباق الأوسكار. أما في فينيسيا، فقد لقي فيلم The Voice of Hind Rajab لكوثر بن هنية احتفاءً واسعًا لشحنته الإنسانية والسياسية. وعلى مستوى الجوائز العالمية، مثّل فيلم Dahomey لماتي ديوب نموذجًا لسينما إفريقية تجمع بين الجماليات والذاكرة التاريخية.

التحول الرقمي: فرصة أم تهديد؟

في المحور الثاني، ناقشت الحلقة تأثير منصات البث العالمية على السينما الإفريقية. وأوضح د. أبو اليزيد أن المنصات تمثل سيفًا ذا حدين: فمن جهة، أتاحت فرصًا غير مسبوقة للعرض والانتشار، ووصلت بالأفلام الإفريقية إلى جمهور عالمي لم تكن تصل إليه سابقًا. ومن جهة أخرى، تفرض هذه المنصات أحيانًا شروطًا إنتاجية وسردية قد تهدد الهوية المحلية وتدفع نحو “توحيد الذائقة”. وأشار إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا، بل في امتلاك القرار السردي، مؤكدًا أن “من يملك القصة يملك المستقبل، حتى في عصر المنصات”.

نوليوود: من الظاهرة إلى الصناعة

خصصت الحلقة مساحة مهمة للحديث عن نوليوود بعد أكثر من ثلاثين عامًا على انطلاقتها. واعتبر الضيف أن نوليوود لم تعد مجرد ظاهرة كمية، بل دخلت مرحلة التحول النوعي من حيث الجودة التقنية، وبناء السيناريو، وصعود جيل جديد من المخرجات النيجيريات. كما ناقش إشكالية التمويل، بين الإنتاج المحلي والإنتاج المشترك، مشيرًا إلى أن الاستقلال المالي يظل شرطًا أساسيًا لاستقلال الرؤية، حتى مع أهمية الشراكات الدولية.

ضيف البرنامج مع الدكتور والي أوكيديران

الرواية على الشاشة

في محور آخر، تناول الحوار تحويل الأعمال الروائية الإفريقية إلى أفلام سينمائية، مستشهدًا بتجارب مثل أعمال الدكتور والي أوكيديران وغيرها. وأكد د. أبو اليزيد أن الرواية الإفريقية تمثل منجمًا سرديًا غنيًا، لكن تحويلها إلى سينما يتطلب حساسية ثقافية عالية، حتى لا تفقد النصوص روحها لصالح متطلبات السوق.

تُعد تجربة الدكتور والي أوكيديران نموذجًا مهمًا للتفاعل الخلّاق بين الأدب والسينما في نيجيريا. أعماله الأدبية، التي تنطلق من الواقع الاجتماعي والسياسي، تتميّز ببناء درامي قوي وشخصيات عميقة، ما يجعلها قابلة للتحويل إلى لغة الصورة. تحويل الرواية إلى فيلم لا يعني نسخ النص حرفيًا، بل إعادة صياغته بصريًا، مع الحفاظ على روحه وقضاياه الأساسية، وهو ما يفتح النص الأدبي على جمهور أوسع، خاصة فئة الشباب.

وإلى جانب أوكيديران، شهدت نيجيريا تحويل عدد من الروايات والقصص البارزة إلى أفلام، مثل أعمال تشيماماندا نغوزي أديتشي (Half of a Yellow Sun)، وهيلون هابيلا، وكتّاب آخرين، ما عزّز مكانة السينما كوسيط ثقافي يعيد تقديم الأدب بلغة العصر. هذه التحويلات أسهمت في توثيق الذاكرة الجماعية، وربط السرد الأدبي بالقضايا الوطنية، وأكدت أن الأدب يظل أحد أهم روافد السينما النيجيرية الحديثة.

يقدّم فيلم Tenants of the House معالجة سينمائية جريئة لصراع سياسي وإنساني بالغ الحساسية في نيجيريا، يتمثل في النزاع التاريخي بين رعاة الفولاني ومزارعي الهوسا، وهو صراع يتجاوز حدود الأرض ليصل إلى الهوية والذاكرة الجمعية. تتمحور القصة حول صامويل باكورا، نائب شاب في البرلمان يعيش نهاية ولايته الأولى مثقلاً بجراح شخصية، بعد أن فقد والده ضحية لهذا النزاع العرقي. هذا الألم الخاص يتحوّل إلى دافع أخلاقي وسياسي يدفعه لرعاية مشروع قانون يهدف إلى تحقيق سلام دائم، في مواجهة منظومة من المصالح، والخوف، والانقسامات المتجذّرة.

خلال رحلة ميدانية، تنشأ علاقة حب بين باكورا وباتيجو، الفتاة المنتمية إلى الفولاني، لتصبح هذه العلاقة اختبارًا قاسيًا لإمكانية المصالحة بين الجماعتين. يواجه البطل رفضًا حادًا من عائلته ومجتمعه، اللذين ينظران إلى العلاقة بوصفها خيانة لدماء الماضي، ما يضعه في صراع داخلي بين واجبه السياسي وانتمائه العائلي من جهة، ومشاعره الإنسانية من جهة أخرى. ينجح الفيلم في تصوير التحوّل التدريجي لباكورا من نائب شاب محدود التأثير إلى رمز وطني للمصالحة، مؤكدًا قدرة السياسة حين تقترن بالحوار والعاطفة على بناء جسور التفاهم. وفي جوهره، يرسّخ العمل إيمانًا عميقًا بدور السينما كأداة فاعلة لتعزيز التعايش السلمي وبعث الأمل في المجتمعات المنقسمة.

في الحلقة، تحدث د. أشرف أبو اليزيد عن قدرة السينما الأفريقية والأدب المسرحي على استحضار الأساطير وتحقيقها على أرض الواقع، مستشهداً بمسرحية الكاتبة النيجيرية إيستر أديلانا «الجرة المكسورة»، التي تمثل نموذجاً للالتقاء بين التقاليد المتنوعة. أشار إلى أن المسرحية تبرز كيف يمكن لثقافات مختلفة أن تتلاقى، فالجرة المكسورة تجمع بين بعض عادات شعب اليوروبا وعادات الريف المصري، ما يعكس تعدد المرجعيات الثقافية وثراء الحكاية الشعبية. وأوضح أن العمل يعالج الإيمان بالأسطورة وتحولها إلى حقيقة حياتية؛ فالابنة التي شكك البعض في أحقيتها بالزواج من صاحب الملك لم تكن غير شرعية كما كان يعتقد، بل كانت من نسل الأمراء، ما يؤكد أن الأسطورة ليست مجرد خيال، بل إطار معرفي وثقافي قادر على إعادة قراءة التاريخ والهوية. وأكد أن مثل هذه الأعمال المسرحية والسينمائية تتيح للمتلقي الإفريقي والعالمي فرصة لإدراك عمق التراث الشعبي وقوة الرموز، وتوضح أن الأساطير يمكن أن تصبح جسراً بين الماضي والحاضر، بين القيم المحلية والفكر العالمي، وفي الوقت نفسه أداة للتأمل في قضايا العدالة، والهوية، والانتماء.

شمال أفريقيا والقرن الأفريقي: سينما الذاكرة

ناقشت الحلقة أيضًا واقع السينما في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، حيث تتأرجح السينما في مصر والمغرب وتونس بين المهرجانات والسوق، بينما تبرز في إثيوبيا وكينيا والصومال سينما الذاكرة والمنفى، التي تعالج قضايا الهوية، والهجرة، والحرب، بوصفها أشكالًا من المقاومة الناعمة.

في محور ختامي قبل السؤال الأخير، شدد الضيف على أهمية المهرجانات الإفريقية مثل قرطاج، الأقصر، داكار، وزنجبار، ليس فقط كمنصات عرض، بل كمساحات للتكوين والنقاش. كما أشار إلى أزمة النقد السينمائي في السياقين العربي والإفريقي، وضرورة دمج السينما في التعليم الثقافي بوصفها أداة وعي ومعرفة.

أفلام أفريقية على شاشة النيل الثقافية

تناولت الحلقة عددا من الأفلام التي مثلت علامات للسينما الأفريقية المعاصرة، وعرضت مشاهد منها، وهي الأفلام الآتية:

Tsotsi – تسوتسي (جنوب أفريقيا، 2005)

يُعد فيلم Tsotsi علامة فارقة في السينما الجنوب أفريقية، إذ يقدّم معالجة إنسانية عميقة لعنف ما بعد الفصل العنصري. يروي الفيلم قصة شاب جانح يعيش في أحياء الصفيح بجوهانسبرغ، يتورط في الجريمة بوصفها وسيلة للبقاء، قبل أن تهزّه حادثة غير متوقعة تفتح باب التحول الداخلي. يعتمد الفيلم على لغة بصرية مكثفة وأداء تمثيلي صادق، ويبتعد عن التبرير المباشر للعنف، كاشفًا جذوره الاجتماعية والنفسية. فوز الفيلم بالأوسكار لأفضل فيلم أجنبي جسّد قدرة السينما الأفريقية على مخاطبة العالم بلغة إنسانية مشتركة دون فقدان خصوصيتها.

The Gravedigger’s Wife زوجة حفّار القبور (الصومال/2021)

يمثّل الفيلم نموذجًا ناضجًا للسينما الإنسانية الهادئة، حيث يحوّل مأساة شخصية إلى سؤال أخلاقي واجتماعي واسع. يروي قصة رجل بسيط يصارع الفقر والبيروقراطية لإنقاذ زوجته المريضة، في مجتمع هشّ تفتقر فيه العدالة الصحية. قوته تكمن في الاقتصاد السردي، والاعتماد على التفاصيل اليومية الصغيرة بدل الميلودراما. الكاميرا قريبة من الشخصيات، والصمت يحمل دلالات أقوى من الحوار. ينجح العمل في تقديم صورة مختلفة للصومال، بعيدًا عن العنف النمطي، ويؤكد أن السينما الأفريقية قادرة على إنتاج خطاب إنساني عالمي انطلاقًا من أكثر الحكايات تواضعًا.

Lionheart  قلب الأسد (نيجيريا، 2018)

يقدّم Lionheart نموذجًا مختلفًا لسينما نوليوود، حيث يوازن بين الترفيه والرسالة الاجتماعية. يتمحور حول امرأة تتولى إدارة شركة عائلية في مجتمع يهيمن عليه الرجال، ما يفتح نقاشًا حول الجندر والسلطة والعمل. يميّزه طابعه العائلي الدافئ، ونبرته الإيجابية التي تتجنب الصدام المباشر، مع اعتماد سرد سلس وتقنيات إنتاج محسّنة. أهميته لا تكمن فقط في كونه أول فيلم نيجيري أصلي على نتفليكس، بل في كسره الصورة النمطية عن السينما الأفريقية بوصفها سينما أزمات فقط، مقدّمًا قصة محلية بروح عالمية جذابة.

Rafiki رفيقي (كينيا، 2018)

يمثل رفيقي لحظة مفصلية في السينما الكينية، لجرأته في تناول الحب خارج المحرّم الاجتماعي. الفيلم ليس مجرد قصة مثلية، بل حكاية عن الحرية الفردية في مواجهة القمع الجمعي. تعتمد المخرجة على ألوان زاهية ومساحات مفتوحة لتأكيد التناقض بين الفضاء العام القاسي والعالم العاطفي الحميم. رغم حظره محليًا، تحوّل الفيلم إلى رمز للنقاش والحوار، مؤكدًا دور السينما كأداة مساءلة اجتماعية. رفيقي يطرح سؤال الحق في الحب بوصفه حقًا إنسانيًا، لا قضية أخلاقية، ويمنح السينما الأفريقية صوتًا شجاعًا جديدًا، ويبدو أن موضوعه وراء اختياره للعرض في قسم نظرة ما بمهرجان كان.

Atlantics أطلانتيكس (السنغال، 2019)

يمزج أطلانتيكس بين الواقعية الاجتماعية والبعد الغيبي، ليقدّم رؤية شعرية عن الهجرة والفقد. البحر هنا ليس خلفية، بل شخصية رمزية تحمل الموت والأمل معًا. من خلال قصة حب غير مكتملة، تعالج ماتي ديوب قضايا العمل غير العادل، والهجرة القسرية، وذاكرة الغائبين. يعتمد الفيلم على إيقاع هادئ وصورة بصرية تأملية، تمنح الغياب حضورًا طاغيًا. إنجازه التاريخي في كان يعكس تحوّل السينما الأفريقية نحو أشكال تعبير أكثر تجريبًا. أطلانتيكس ليس فيلم قضية فقط، بل تجربة حسية عن الأشباح التي تتركها العدالة الغائبة.

في ختام الحلقة، طُرح السؤال الرمزي: لو كتبنا عنوانًا للسينما الإفريقية في 2030، ماذا سيكون؟ وأي فيلم يختاره ليكون نموذجا للسينما الأفريقية، وجاءت إجابة د. أشرف أبو اليزيد أشبه ببيان ثقافي:”السينما الإفريقية ليست مستقبلًا مؤجَّلًا، بل حاضر يتشكّل، إذا امتلك أدواته، واحترم قصصه، وراهن على الإنسان”.

حلقة «كواليس» لم تكن مجرد حوار تلفزيوني، بل قراءة معمّقة في مسار سينما تبحث عن مكانها الطبيعي في العالم، لا بوصفها هامشًا exotic، بل بوصفها صوتًا إنسانيًا أصيلًا يكتب صورته بيده، وعلى شاشته، وبقصصه.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى