
عاشت جدتي الكبرى ووالد عرابي والدي في سانت بطرسبرغ، لذلك قضيت جزءًا من عطلاتي المدرسية في هذه المدينة، بينما خصصت جزءًا آخر لزيارة متحف الإرميتاج. خلال سنوات الدراسة كنت مولعة بعلم الآثار وتاريخ مصر القديمة، وكان شليمان قدوتي. ومع ذلك، كنت أؤمن سرًّا بأنه ربما فاته شيء ما، وأنني سأكتشفه.
في الإرميتاج رأيت لأول مرة تمثال كليوباترا، الذي يأسر زوار المتحف بسحره. التمثال رائع بشكل إلهي، وهو منحوت من البازلت، وهو ليس اعتباطيًا، فالبازلت يرمز إلى طاقة الأرض وقوة البركان، ويجسد الشجاعة والعزم، وهما صفتان كانتا غالبتين في كليوباترا. كانت الملكة المصرية الإلهية شجاعة، وتعزز الطاقة الذكورية (يانغ) في كل رجل يقابلها، كما أن طمأنينتها وثباتها الداخلية يتجسدان أيضًا في البازلت.
في العصور القديمة، استخدم البازلت في المباني الدينية والتماثيل والتوابيت نظرًا لقوته وديمومته، معبّرًا عن الاتصال بالإلهي والخلود. وكليوباترا كانت من أصول يونانية، لذلك أرى أن كلمة “بازلت” مشتقة من اليونانية “باسيس” بمعنى “الأساس”، إذ يشكل البازلت جوهر كل ما هو موجود على الأرض. من الممكن أن يكون البازلت المستخدم في التمثال مأخوذًا من مناطق قرب فيزوف وإتنا، أو حتى من مصر بالقرب من النيل، لكن من يعلم إلا من صمّم هذا التمثال المهيب.
والتمثال يحمل في يدي كليوباترا قرن الوفرة، وهو عنصر مقصود، فقد كان ظاهرًا على عملات زمن حكمها، حيث ازدهرت مصر آنذاك. يُعرف البازلت بقدرته على كشف الطاقات الكامنة لدى الإنسان وتوجيهها نحو تحقيق أعظم الطموحات، لكن التميمة لا تعمل دون إرادة الإنسان، وهنا يكمن التناغم بين البازلت وكليوباترا، كما في قصتها الشهيرة عندما تسللت إلى سفينة قيصر في حقيبة للغسيل النظيف.
في مصر القديمة كان البازلت حجرًا بركانيًا أسود يُستخدم للأغراض الرسمية، ولصناعة تماثيل الفراعنة وتوابيتهم، ويرمز إلى الخلود، خاصة في الفترة بين 4000–2200 قبل الميلاد، كما استُخدم لتغطية المعابد. ومن الأمثلة الشهيرة تابوت خوفو في هرم الجيزة، المصنوع من البازلت. ورغم ذلك، كان استخدام البازلت في النحت نادرًا، والتمثال الموجود في قاعة مصر بمتحف الإرميتاج يُعد من هذه الحالات النادرة.
كان التمثال ملكًا لدوق لايختنبرغ، حفيد نابليون، الذي أوصى بتربية ابنه على احترام روسيا وشعبها. لاحقًا، أصبح ابنه صهر الإمبراطور الروسي نيقولا الأول بعد زواجه من ابنته ماريا نيكولايفنا.

لم أتمكن من اكتشاف ما فاته شليمان، لكنني عوضت ذلك بكتابي “أنا كليوباترا”، وأنا سعيدة جدًا بأن ترجمته إلى العربية على يد الأستاذ المحترم د. أشرف أبو اليزيد أصبحت محفوظة في مكتبة القاهرة، في المكان الذي حكمت فيه الملكة الإلهية كليوباترا.



