أدبشخصيات

تِكْ تِكْ تَاكْ | جَدَلِيَّةُ السُّكُونِ وَالضَّجِيجِ

بقلم  طارق العِمراوي، تونس

طارق العِمراوي

للكاتبةِ نِهال أحمد الجندي سرديّةٌ طريفةٌ تُعانِقُ مُتعةَ الأطفال وتستدعي متابعةَ النُّقّاد. وهذه المُدوَّنة، التي تضمُّ عدّةَ قصصٍ هادفة، تزخرُ بالرَّسائلِ المُتضمَّنة والمفاتيحِ العديدة التي يُمسِكُها الطفلُ ليفتحَ شبابيكَ مُتنوّعةً لموضوعاتٍ مختلفة.

وفي قصّتِها هذه «تِكْ تِكْ تَاكْ»، التي أَمَّنت رسوماتِها المُعبِّرة الفنّانةُ سارة الغندور، تُشاكس الكاتبةُ منذ العنوانِ الطفلَ القارئَ والمتابعَ لهذه المُدوَّنة الجميلة، عبر عنوانٍ يعكسُ صوتًا ويكتبُ حركةً مسموعة. هذا الصوتُ وهذه الحركةُ هما ما سيتساءل عنه الأطفالُ ويتابعونه، مُقترحين أسئلةً عدّة: مَنِ الطارق؟ منزلُ مَن؟ مَن الذي سيفتح الباب؟ وغيرها من الأسئلة التي سيطرحها الطفلُ، ليبحث بدوره عن أجوبته المُحتملة: ماذا سيقترح الكاتبُ هنا؟

فغالبًا ما نجدُ ما نتوقّعه، وأحيانًا أخرى يُقدِّم الكاتبُ أجوبةً لم تكن في متناول مُخيِّلة الطفل–القارئ. وهذه الطَّرَقاتُ الثلاث أقلقت هدوءَ الرسّامِ «الخَال» في بداية القصّة، ثم عاد بطلُ القصّة ليطلبها في الختام. وبين ما يُقلِق ويُمتِع، وبين الرفض والطلب، تتوالى أحداثٌ مشوِّقة بين هدوءٍ وانسجام، يمثّلان أهمَّ ما يطلبه الخالُ الرسّام لإنجاز لوحتِه التي سيُشارك بها في مسابقةٍ قادمة.

وتبرز الفوضى المُرتقَبة عند حلول أبناء أختِه الثلاثة، وقلقُه من تأثير حضورهم في واقعه الهادئ، ليتحوّل إلى واقعٍ مُزعجٍ مفروضٍ عليه بحكم القرابة وظروف الأخت، التي وعدته بأن يكون الهدوء ملازمًا لحياته كما تظنّ أنّها تعرفها؛ فهو حسّاسٌ ويحبّ السكينة بحكم عشقه لريشته وما تفرضه من طقوسٍ خاصة، ومنها حبُّه للطبيعة.

وقد حضر مع النصّ معجمٌ طبيعيٌّ بيئيٌّ يروي العينَ كلونِ الورد، ويُنعش الأنفَ كالريحان، ويُشبع الفمَ ويروي العروقَ ككأسِ النعناع، وتطربُ له الأذنُ بزقزقة العصافير؛ لتكون الطبيعةُ مُلهمته في اختيار موضوعات لوحاتِه التشكيلية. وها هو يختار أن يرسم بجعتين.

لكن حضور الأطفال في البيت وطلباتهم: «أنا جوعان»، «مَن يريد سلطةَ باذنجان؟»، «أريد طاجنَ لحمٍ مُتبَّلًا بالحَبَهان»، واللعب في الصالة وضجيجهم، كما قال النص: «بعد يومٍ طويلٍ من العمل وضجيج الأطفال نام الجميع في طمأنينة»، تُعيد تشكيل إيقاع البيت. وهذه الطمأنينة والهدوء تواصلا بعد توزيع الأدوار والمهام: غسلُ فُرَش التلوين، إعدادُ الغداء، تحضيرُ كأس النعناع، ومن كان مشغولًا بالعبث في كيس الطحين.

«كان يومًا مُزدحمًا، لكنه لطيف، تشارك الجميع فأصبح الحمل خفيفًا». وهكذا تعوّد الأطفال على تحمّل المسؤولية، حتى خارج بيتهم، بل تعلّموا في هذه التجربة الالتزامَ بالتعليمات والنظام، مُستحضرين الوعد الذي قطعته الأمُّ لأخيها بأن يكونوا لطفاء: «أعدك بهدوءٍ واستقرارٍ تام».

لقد جاءت حركةُ النصّ وسكونُه في شكلٍ دائريٍّ لولبيّ: سكونٌ وانسجام، ثم حركةٌ وفوضى وشغب، فهدوءٌ مُقلق بعد عودة الأطفال إلى بيتهم، وأخيرًا طلبٌ لتحريك السكون بحركيّة الأطفال التي افتقدها الفنانُ ومعها الإبداعُ والإلهام. يقول النص: «رغم الهدوء لا يشعر نديم بالانسجام، ورغم الطبيعة من حوله يفتقد شيئًا للإلهام»، فيطلب في رسالةٍ لأخته إعادة إرسال الأطفال إلى بيته.

ومن المعاني المُضافة لعلاقة الحركة بالسكون انعكاسُهما على شخصية الفنان، كما اشتغل النصّ على قيمة العلاقة الأُسرية الممتدّة، حيث تُقضى الحاجات ويُستعان بالأهل قبل الأصدقاء، كما فعلت الأخت. كما أبرز النصّ تأثّر الأطفال بالمحيط عبر إمساكهم الأوراقَ والألوان وفُرَش التلوين للرسم، وتشجيعهم لخالهم كي يستكمل لوحته.

وأخيرًا، يبرز التقديرُ الرمزيُّ والنفسيُّ الواجب في تعاملنا مع الأطفال خلال حراكهم داخل البيت أو خارجه، إذ قال لأخته: «سأرسم لوحةً جديدة وأحتاج رأيهم في الاختيار». ومعه انتصاره لسماع «تِكْ تِكْ تَاكْ» مرةً أخرى، بعد أن كانت مرفوضةً مُقلقةً لهدوئه، لتصبح الآن مطلوبة، وكأسُ النعناع بيد رؤوف.

كما قالت اللوحاتُ التشكيلية الكثيرَ فنيًّا، لكن الطفل يقرؤها كمتنٍ سرديٍّ جميل: ورودُ شرفة الخال، جهازُ الراديو القديم وألحانُ ذلك الجيل، المسكنُ الريفيّ ليستمتع الفنان بالمناظر الطبيعية الخلّابة، السياجُ الخشبي، الطاولةُ الخشبية، الجرارُ الفخارية، الساعةُ القديمة بجانب سريره، الحنفية، المكتبةُ المنزلية… كلّها تفاصيلُ أسهمت في إثراء المتن القصصي لهذه السردية الطريفة. كما اشتغلت الكاتبة على العدد ثلاثة، وهو عددٌ يتكرّر في قصص الأطفال لطابعه الخرافي والأسطوري.

إن نصّ «تِكْ تِكْ تَاكْ» للكاتبة المقتدرة نِهال أحمد الجندي حملته أفكارُها التي أحسنت بسطها وتقديمها في طبقٍ إبداعيٍّ متنوّع، جمع بين متعة الهدوء والسكينة والضجيج المُستحب، وتقدير الأطفال وتحميلهم المسؤولية منذ الصغر، وتدريبهم على الالتزام بالتعليمات، بلغةٍ سلسة راعت مستواهم الحسّي الحركي والمعرفي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى