يأتي كتاب مصطفى مصطفى جحا الموسوم بـالفولكلور اللبناني في أعمال الأخوين رحباني في لحظة ثقافية لبنانية–مشرقية دقيقة، تتشابك فيها أسئلة الهوية مع رهانات الحداثة، وتتداخل فيها الذاكرة الجماعية مع آليات السوق الثقافي، ويتحوّل فيها التراث من مخزون رمزي حيّ إلى مادة استهلاكية قابلة للتدوير الفني والإعلامي. وإزاء هذا كله، لا يمكن التعامل مع هذا العمل بوصفه مجرّد دراسة تطبيقية لأثر الفولكلور في المسرح الرحباني، بل ينبغي قراءته باعتباره محاولة لإعادة مساءلة موقع التراث الشعبي في بناء الوعي الوطني اللبناني، وفي صياغة صورة الذات الثقافية ضمن فضاء مشرقي مأزوم تاريخيا ومعرفيا.
مصطفى جحا
ينتمي مصطفى جحا إلى ذلك الجيل من الباحثين اللبنانيين الذين تشكّلت حساسيتهم المعرفية في تقاطع ثلاثة مجالات: الأدب الشعبي، والدراسات التراثية، والاهتمام بالتمثّلات الفنية للهوية. وهو في هذا السياق لا يكتب من موقع المؤرّخ المحض، ولا من زاوية الأنثروبولوجي الصارم، بل من أفق مثقف تراثي يسعى إلى إعادة الاعتبار للفولكلور بوصفه بنية رمزية عميقة تختزن أنماط العيش والتخيّل والقول لدى الجماعة. وهذا ما يفسّر منذ الصفحات الأولى انحيازه الواضح إلى الدفاع عن الفولكلور ضد النظرات الاختزالية التي تختصره في كونه بقايا بدائية أو مخلّفات ثقافية غير قادرة على مواكبة العصر.
غير أن هذا الدفاع لا يتمّ عبر بناء جهاز مفاهيمي نقدي متماسك، بقدر ما يُصاغ في شكل سرد معرفي واسع يستعرض تاريخ المصطلح وتحوّلاته في الفكر الغربي، منذ وليام جون تومز مرورا بفريزر وبودكر وهولتكرانس، وصولا إلى المقاربات الأنثروبولوجية الحديثة. ويلاحظ القارئ أنّ المؤلف يفضّل التراكم المعلوماتي على التحليل الإشكالي، إذ يقدّم بانوراما تعريفية للفولكلور، تستعرض اختلاف المدارس حول طبيعته ووظيفته وحدوده، من دون أن يُعمل بشكل كافٍ أدوات المقارنة النقدية بين هذه التصوّرات.
إن هذا الاستعراض ليس بلا دلالة؛ فهو يكشف عن وعي المؤلف بأنّ الفولكلور ليس معطى بسيطا، بل مفهوم إشكالي تشكّل داخل سياقات استعمارية وأكاديمية متشابكة، وأنّ نقله إلى المجال العربي لا يمكن أن يتمّ بصورة بريئة أو مباشرة. لهذا نراه يتوقّف مطوّلا عند الجدل الذي رافق نشأة هذا العلم، بين من اعتبره مدخلا لفهم البنية العميقة للمجتمعات، ومن رأى فيه أداة لتكريس النظرة الاستشراقية إلى الشعوب غير الغربية.
ويبرز البعد المشرقي للكتاب بوصفه خلفية صامتة تحكم اختيارات المؤلف. فلبنان، بما هو فضاء تعدّدي مشحون بالانقسامات الطائفية والسياسية، يمثّل حالة نموذجية لتوتر العلاقة بين التراث والحداثة. والفولكلور هنا ليس مجرّد مادة فنية، بل حقل صراع رمزي حول من يملك حق تمثيل الماضي، ومن يحدّد ملامح الهوية الجمعية.
ومن هذا المنطلق، تغدو أعمال الأخوين رحباني كما يقرؤها جحا، لحظة مفصلية في تاريخ إعادة صياغة الفولكلور اللبناني. فالرحابنة لم يكتفوا بجمع الأغاني الشعبية أو إعادة تقديم الدبكة في قوالب مسرحية، بل قاموا في العمق بعملية “تهذيب جمالي” للتراث، نقلته من فضائه القروي المحلي إلى فضاء وطني أوسع، ومن التعبير الشفهي العفوي إلى الصياغة الفنية المركّبة.
لكن المؤلف لا يتعامل مع هذا التحوّل بوصفه إشكالا فلسفيا يتعلق بعلاقة الفن بالأصل، أو بعلاقة الحداثة بالذاكرة، بل يقدّمه في الغالب باعتباره إنجازا ثقافيا إيجابيا أسهم في إنقاذ الفولكلور من الاندثار. وهنا تحديدا تبدأ أولى مناطق التوتر النقدي في الكتاب: إذ يغيب السؤال حول ما إذا كان هذا “الإنقاذ” قد تمّ على حساب المعنى الأصلي للممارسة الشعبية، أو ما إذا كان قد أعاد تشكيلها وفق منطق المدينة والسوق والجمهور البرجوازي.
فالرحابنة كما يقدّمهم جحا، يظهرون بوصفهم حَمَلة رسالة ثقافية وطنية، استطاعوا أن يحوّلوا الميجانا والدلعونا وأبو الزلف إلى عناصر في مشروع فني متكامل، يزاوج بين الشعر والموسيقى والمسرح. غير أنّ هذا التقديم يميل أحيانا إلى التمجيد، ويغفل تحليل الشروط الاجتماعية والسياسية التي سمحت لهذا المشروع بالنجاح، كما يتجاهل حدوده الطبقية والرمزية.
ويزداد هذا الميل وضوحا حين يتناول المؤلف مسألة الدبكة اللبنانية، حيث يراها وقد انتقلت بفضل الرحابنة، من رقصة قروية مرتبطة بالعمل الجماعي (العونة) إلى عرض مسرحي احترافي ذي طابع تعبيري. صحيح أنّ هذا التحوّل منح الدبكة حضورا عالميا، لكنه في الوقت نفسه فصلها عن سياقها الأصلي، وأعاد إنتاجها ضمن منطق الفرجة.
ويظلّ الكتاب وثيقة مهمّة لفهم كيفية تشكّل “الهوية الفنية اللبنانية” في النصف الثاني من القرن العشرين، خصوصا عبر مهرجانات بعلبك، التي تحوّلت إلى مختبر لإعادة صياغة التراث ضمن إطار حداثي. ويحسب للمؤلف أنّه يربط هذا المسار بالسياق التاريخي للاستقلال، وبمحاولات بناء دولة وطنية تبحث عن رموز جامعة.
غير أنّ هذا الربط يبقى في مستوى الوصف، ولا يرتقي إلى تحليل عميق لبنية الدولة الثقافية، ولا لعلاقة السلطة بالتراث، ولا لكيفية توظيف الفولكلور في إنتاج سردية وطنية رسمية.
وإذا كان المؤلف ينجح في رسم لوحة بانورامية لمسار الفولكلور اللبناني داخل التجربة الرحبانية، فإنه يتوقف عند حدود الوصف التاريخي ولا يغامر كثيرا في مساءلة البنية العميقة لهذا التحوّل. فالفولكلور في جوهره، ليس مجرد مجموعة أغانٍ ورقصات وأهازيج، بل هو نظام رمزي متكامل، يحمل داخله تصوّرات مخصوصة عن الزمن، والمكان، والجسد، والعلاقة بالطبيعة والجماعة. وهذه الأبعاد الأنثروبولوجية لا تحضر في الكتاب إلا حضورا باهتا، إذ يغلب عليه الطابع التوثيقي والجردي، مقابل ضعف الاشتغال على مستويات المعنى.
ويوضحالدكتور مصطفى جحا الرحابنة بوصفهم صانعي “نهضة فولكلورية”، ويضعهم في مقام المؤسسين لمدرسة فنية أعادت الاعتبار للموروث الشعبي، لكنه لا يتساءل بجدية عن طبيعة هذه النهضة: هل نحن أمام إحياء للتراث أم أمام إعادة إنتاج له وفق ذائقة حضرية حديثة؟ وهل ما قُدّم على خشبات المسارح هو الفولكلور نفسه، أم تمثّل جمالي له خضع لعمليات انتقاء وتصفية وتكييف؟.
إن هذا السؤال مركزي، لأنه يمسّ جوهر العلاقة بين الفن والذاكرة. فالفن لا ينقل التراث كما هو، بل يعيد صياغته ضمن منظومة رمزية جديدة. والرحابنة مهما كانت نواياهم، لم يكونوا ناقلين محايدين للموروث، بل كانوا مبدعين أعادوا تركيب المادة الشعبية داخل مشروع فني يحمل رؤيتهم الخاصة للعالم وللبنان.
غير أن المؤلف يتعامل مع هذه العملية بوصفها انتقالا طبيعيا من الشفوي إلى المكتوب، ومن القروي إلى الوطني، دون أن يفكّك آليات هذا الانتقال، ولا شروطه الاجتماعية. فالفولكلور حين يدخل المسرح يفقد عفويته الأولى، ويصبح جزءا من خطاب ثقافي موجّه لجمهور معيّن، يحمل انتظارات وقيما محدّدة. وهذا التحوّل لا يمكن فهمه إلا في ضوء تشكّل الطبقة الوسطى اللبنانية، وصعود بيروت بوصفها مركزا ثقافيا، وبروز المهرجانات كفضاءات لإنتاج الذائقة.
ويزداد هذا الغياب التحليلي وضوحا حين يتناول المؤلف الأغنية الرحبانية. فهو يركّز على مصادر النصوص والألحان، ويبيّن جذورها الشعبية، لكنه لا يطرح سؤال التحوير الدلالي الذي أصاب هذه النصوص حين انتقلت من التداول الشفهي إلى التدوين الفني. فالميجانا على سبيل المثال، لم تعد في المسرح الرحباني تعبيرا عن لحظة جماعية مرتبطة بالعمل أو الفرح القروي، بل تحوّلت إلى عنصر درامي داخل سردية مسرحية لها بناؤها الخاص.
إن الكتاب يميل إلى قراءة الرحابنة بوصفهم “حُماة التراث”، أكثر من كونهم فاعلين في إعادة تشكيله. وهذه النظرة على الرغم من مشروعيتها العاطفية، تفتقر إلى المسافة النقدية الضرورية لفهم التحولات العميقة التي أصابت الفولكلور حين دخل دائرة الإنتاج الفني.
ولا يمكن إنكار القيمة الوثائقية للعمل، إذ يجمع مادة واسعة حول أشكال التعبير الشعبي اللبناني، ويقدّمها في سياق واحد متماسك نسبيا. كما يحسب للمؤلف سعيه إلى ربط الفولكلور بالهوية الوطنية، وإلى إبراز دور الفن في بناء الوعي الجمعي، وهي قضايا تظلّ راهنة في مجتمعات مشرقيّة لم تحسم بعد علاقتها بماضيها.
لكن الإشكال الأساسي يظلّ في غياب الإطار النظري الصارم. فالمؤلف يستعير مفاهيم من الأنثروبولوجيا والفولكلوريات الغربية، لكنه لا يعيد تبيئتها داخل السياق العربي، ولا يناقش مدى صلاحيتها لتفسير التجربة اللبنانية. كما لا يستثمر بما يكفي التراث الفكري العربي في فهم الثقافة الشعبية، من ابن خلدون إلى الدراسات الحديثة في علم الاجتماع الثقافي.
وهنا يظهر الكتاب وكأنه يقف في منطقة وسطى: لا هو دراسة أنثروبولوجية دقيقة، ولا هو تحليل فلسفي للذاكرة والتراث، بل عمل ثقافي موسوعي يمزج بين التوثيق والانطباع، بين السرد والتحليل، دون أن يحسم موقعه المنهجي.
ورغم ذلك، فإن أهم ما يمنحه هذا العمل للقارئ هو إدراكه بأن الفولكلور ليس هامشا في تاريخ لبنان الثقافي، بل عنصرا مركزيا في بناء صورته عن ذاته. فالرحابنةلم يصنعوا مجرد مسرح غنائي، بل أسهموا في صياغة مخيال جماعي، استعاد القرية بوصفها رمزا للبراءة والوحدة، في زمن كانت فيه المدينة تمزّق النسيج الاجتماعي.
ويمكن قراءة الكتاب بوصفه شهادة على لحظة ثقافية مشرقيّة حاولت أن تواجه التفكك السياسي بالعودة إلى الجذور، وأن تصوغ من التراث خطابا للتماسك الوطني. غير أنّ هذه الشهادة تبقى في حاجة إلى قراءة نقدية أعمق تكشف ما تخفيه من توترات، وما تسكته من أسئلة.
ويبرز مصطفى جحا الفولكلور بوصفه “مرآة المجتمع”، وهو توصيف شائع في الأدبيات التراثية، لكنه يبقى توصيفا إشكاليا، لأن المرآة لا تعكس الواقع كما هو، بل تعيد إنتاجه من زاوية معينة. والكتاب في جوهره، لا يعكس الفولكلور اللبناني في تعدديته وتعقيده، بقدر ما يعكس صورة مخصوصة عنه، هي الصورة التي صاغها المشروع الرحباني ثم أعاد المؤلف تثبيتها داخل خطاب أكاديمي شبه احتفائي.
فالهوية التي تتشكّل عبر صفحات الكتاب ليست هوية صراعية أو مركّبة، بل هوية منسجمة، قروية الطابع، رومانسية الملامح، تكاد تخلو من التوترات الطبقية والطائفية والسياسية التي وسمت تاريخ لبنان الحديث. القرية هنا تظهر بوصفها فضاء البراءة الأولى، والمكان الذي تتجسّد فيه القيم الأصيلة: التعاون، البساطة، الانتماء، الصفاء الأخلاقي. وهذه الصورة، على الرغم من حضورها القوي في المخيال الرحباني، ليست معطى تاريخيا بقدر ما هي بناء رمزي يعكس حنين الطبقة الوسطى المدينية إلى عالم متخيّل فقدته.
ومصطفى جحا في عرضه لهذه الصورة، لا يمارس تفكيكا نقديا لها، بل يتبنّاها ضمنيا، ويعيد إنتاجها بوصفها تعبيرا صادقا عن “الروح اللبنانية”. وهنا يبرز سؤال مركزي: أي لبنان نتحدّث عنه؟ لبنان الجبل؟ لبنان الساحل؟ لبنان المدن؟ أم لبنان المتخيّل في المسرح الغنائي؟.
إن اختزال الهوية اللبنانية في نموذج قروي واحد ينطوي على قدر كبير من التبسيط، بل من الإقصاء الرمزي لمكوّنات واسعة من المجتمع. والفولكلور كما يقدّمه الكتاب، يبدو وكأنه ملكية حصرية لثقافة جبلية محدّدة، في حين أن الواقع الشعبي اللبناني أكثر تنوّعا وتعقيدا.
ويزداد هذا الإشكال وضوحا حين يتناول المؤلف الأغنية الرحبانية بوصفها امتدادا مباشرا للأغنية الشعبية. فهو يركّز على الجذور الفولكلورية للألحان والكلمات، لكنه لا يناقش التحولات التي طرأت عليها حين دخلت فضاء الإنتاج الفني الحديث. فالأغنية الشعبية في سياقها الأصلي كانت جزءا من دورة الحياة اليومية: ترافق الحصاد، أو الأعراس، أو العمل الجماعي. أما في المسرح الرحباني، فقد أصبحت عنصرا دراميا يخدم حبكة فنية موجّهة لجمهور يجلس في مقاعد المسرح، لا يشارك في الأداء بل يستهلكه بوصفه عرضا.
هذا التحوّل من المشاركة إلى المشاهدة هو تحوّل أنثروبولوجي عميق، لكنه لا يحظى بالاهتمام اللازم في الكتاب. إذ يظلّ المؤلف أسير تصور يرى في الرحابنة مجرّد ناقلين للتراث، لا فاعلين في إعادة تشكيله.
كما أنّ الكتاب لا يتوقف بما يكفي عند العلاقة بين الفولكلور والسلطة الثقافية. فمهرجانات بعلبك، التي شكّلت المنصة الأساسية لتجربة الرحابنة، لم تكن فضاءً محايدا، بل كانت مشروعا رسميا لبناء صورة ثقافية للبنان في الخارج. والفولكلور الذي قُدّم هناك كان موجّها، إلى حدّ كبير، للعين الغربية، بوصفه دليلا على “أصالة” بلد صغير في الشرق الأوسط.
غير أنّ المؤلف لا يناقش هذا البعد التمثيلي، ولا يسائل كيف تحوّل التراث إلى بطاقة تعريف سياحية–ثقافية، بل يركّز على القيمة الفنية للعروض، متغاضيا عن سياقاتها السياسية.
ويستمر هذا المنحى حين يتناول الدبكة، حيث يبرزها بوصفها رمزا للوحدة الجماعية، دون أن يتساءل عن كيفية إدخالها إلى المسرح، ولا عن التغييرات التي طرأت على إيقاعها ووظيفتها. فالدبكة في أصلها، ممارسة جماعية مفتوحة، أما في العرض المسرحي فقد أصبحت حركة منضبطة تؤدّى من قبل محترفين أمام جمهور سلبي.
وهنا يظهر مرّة أخرى غياب السؤال النقدي حول العلاقة بين الفولكلور والأدائية الحديثة، بين الجسد الشعبي والجسد المسرحي.
إن ما يلفت الانتباه في خطاب مصطفى جحا حول الفولكلور اللبناني هو حضوره داخل أفق أخلاقي–جمالي أكثر منه داخل أفق تحليلي نقدي. فالتراث، كما يتبدّى في صفحات الكتاب، ليس مجالا للصراع الرمزي ولا ساحة لتعدّد التأويلات، بل قيمة إيجابية مكتفية بذاتها، يُفترض الدفاع عنها واستعادتها وحمايتها من الضياع. وهذه النزعة الحِمائية، على الرغم من مشروعيتها في سياق عربي يعاني من تآكل الذاكرة، تحمل في طياتها خطر تحويل الفولكلور إلى أيقونة جامدة، تُنزَع منها ديناميتها التاريخية.
ذلك أنّ الثقافة الشعبية ليست كتلة صمّاء، بل كائن حيّ يتغيّر مع تحوّل أنماط العيش والإنتاج والتواصل. والكتاب في سعيه إلى تثبيت صورة معيّنة للفولكلور، يتجاهل هذا البعد التحولي، ويتعامل مع التراث كما لو كان جوهرا ثابتا يمكن نقله من جيل إلى جيل دون أن يصيبه التحوير.
ويظهر هذا المنحى بوضوح في الطريقة التي يُستحضَر بها الماضي القروي. فالقرية الرحبانية كما يعرضها المؤلف، هي فضاء الانسجام والتكافل، تكاد تخلو من التراتبية الاجتماعية أو من أشكال العنف الرمزي. غير أنّ الدراسات الأنثروبولوجية تُظهر أن القرية التقليدية لم تكن دائما هذا الفردوس المفقود، بل كانت مسرحا لعلاقات سلطة دقيقة، وصراعات على الموارد، وحدود صارمة بين الجنسين والأعمار.
غير أنّ هذا الوجه المركّب للقرية يغيب عن الكتاب، لتحلّ مكانه صورة شاعرية تُستخدم لتغذية خطاب الهوية. وهنا يتحوّل الفولكلور إلى أداة للحنين، لا إلى موضوع للفهم.
كما أنّ المؤلف لا يناقش بما يكفي العلاقة بين الفولكلور والحداثة. فهو يفترض ضمنيا أنّ استحضار التراث في المسرح الغنائي يمثّل شكلا من أشكال المقاومة الثقافية، دون أن يتساءل عمّا إذا كان هذا الاستحضار قد أعاد إنتاج منطق الحداثة نفسها، عبر تحويل الممارسة الشعبية إلى سلعة ثقافية.
فالرحابنة مهما بلغت حساسيتهم التراثية، اشتغلوا داخل منظومة إنتاج حديثة: تسجيلات، حفلات، مهرجانات، جمهور، نقد صحافي. وهذه المنظومة أعادت تعريف قيمة الفولكلور، وربطته بقواعد العرض والطلب، وبمعايير النجاح الفني. غير أنّ هذا التحوّل البنيوي لا يحظى بتحليل وافٍ في الكتاب.
إن جحا يكتب من داخل خطاب ثقافي يسعى إلى التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، دون أن يفكّك التوتر القائم بينهما. فالأصالة عنده تُستدعى بوصفها مخزونا رمزيا، والمعاصرة تُستقبل بوصفها إطارا تقنيا، لكن العلاقة الجدلية بينهما تبقى غير مفكّرة.
ويزداد هذا الغياب النظري وضوحا حين يتناول المؤلف مسألة الهوية الوطنية. فالهوية اللبنانية كما تظهر في الكتاب، تُبنى أساسا عبر عناصر ثقافية مشتركة: الأغنية، الرقص، اللهجة، المشهد القروي. لكن هذا التصوّر يتجاهل البعد السياسي للهوية، ويتغاضى عن حقيقة أنّ لبنان الحديث تشكّل في سياق انتدابي، وأن سرديته الوطنية ظلت موضع نزاع دائم بين طوائف ومناطق ورؤى متباينة.
إن اختزال الهوية في التعبير الفني يحمل في طياته نزعة توحيدية تُخفي التعدّد بدل أن تعترف به. والفولكلور بدل أن يُقرأ بوصفه فضاءً لتنوّع الأصوات، يُقدَّم كقاسم مشترك يُفترض أن يجمع الجميع.
ولا ينبغي إغفال القيمة الثقافية للكتاب. فهو يقدّم مادة غنية حول التجربة الرحبانية، ويتيح للقارئ غير المتخصص الاطلاع على جذور كثير من الأعمال الفنية اللبنانية. كما يسهم في ترسيخ الوعي بأهمية التراث الشعبي في زمن تتسارع فيه وتيرة النسيان.
غير أنّ هذه القيمة التوثيقية لا تعفي العمل من الحاجة إلى مساءلة نقدية. فالكتاب في عمومه، يعكس رؤية مخصوصة للفولكلور، رؤية تميل إلى الاحتفاء أكثر من التحليل، وإلى التثبيت أكثر من التفكيك. وهو بذلك ينتمي إلى تقليد عربي واسع في كتابة التراث، حيث يغلب الهمّ الهويّاتي على الصرامة المنهجية.
ويمثّل الانتقال إلى تحليل المنهج في كتاب مصطفى مصطفى جحا جانبا جد مهم في قراءتنا المتواضعة هاته، لأن الإشكالات التي ظهرت في المستويين التاريخي والمضموني لا يمكن فهمها بمعزل عن طبيعة المقاربة التي يعتمدها المؤلف في تعامله مع المادة الفولكلورية. فكل كتابة عن التراث في منحاه الفني مهما بدت محايدة، تنطوي على اختيارات معرفية ضمنية تحدّد زاوية النظر إلى الموضوع، وتوجّه آليات التفسير.
وأول ما يلفت الانتباه في منهج جحا هو طابعه التوفيقي الهجين. فهو لا يلتزم بمنهج أنثروبولوجي صارم، ولا يعتمد مقاربة تاريخية نقدية بالمعنى الدقيق، بل يجمع بين الوصف والتوثيق والاستشهاد النظري والتحليل الانطباعي. وهذه الهجنة تمنح الكتاب سعة في العرض، لكنها تسلبه في المقابل عمق الإشكالية.
فالمؤلف يبدأ عادة بتقديم تعريفات عامة للفولكلور، مستعينا بمراجع غربية وعربية، ثم ينتقل إلى عرض الأمثلة من التجربة الرحبانية، دون أن يقيم جسورا مفهومية واضحة بين الإطار النظري والمادة التطبيقية. فالتعريفات تبقى في مستوى التقديم المدرسي، في حين تُترك النصوص والأغاني والرقصات لتتكلم عن نفسها، من غير إخضاعها لتحليل بنيوي أو دلالي معمّق.
ويبدو أنّ جحا يتعامل مع الفولكلور بوصفه مادة جاهزة للفهم، لا بوصفه ظاهرة تحتاج إلى تفكيك. فهو يفترض مسبقا أن الموروث الشعبي يحمل قيما إيجابية، وأن مهمة الباحث هي الكشف عنها وإبراز جمالياتها. وهذا الافتراض المسبق ينعكس على مجمل الكتاب، حيث تغيب المسافة النقدية بين الباحث وموضوعه.
من الناحية الإجرائية، يعتمد المؤلف أساسا على مصادر مكتوبة: دواوين الأغاني، نصوص المسرحيات، وبعض الدراسات السابقة حول الرحابنة والفولكلور اللبناني. أما المصادر الشفوية التي تشكّل قلب البحث الفولكلوري، فتظهر حضورا محدودا أو غير موثّق منهجيا. فلا نجد، مثلا، إشارات واضحة إلى مقابلات ميدانية، أو إلى تواريخ جمع الروايات الشعبية، أو إلى السياقات الاجتماعية للأداءات الأصلية.
وهذا الغياب للعمل الميداني يضع الكتاب خارج تقاليد الأنثروبولوجيا الثقافية، ويقرّبه أكثر من الدراسات الأدبية–الثقافية التي تتعامل مع التراث من خلال نصوصه المعاد إنتاجها، لا من خلال ممارساته الحيّة.
كما أنّ المؤلف لا يميّز بوضوح بين “الفولكلور بوصفه ممارسة شعبية” و”الفولكلور بوصفه تمثّلا فنيا”. فهو يتنقّل بين المستويين بسلاسة ظاهرية، لكنها تخفي خلطا منهجيا. فالرقصة كما تؤدّى في ساحة القرية ليست هي نفسها الرقصة كما تُقدَّم على خشبة المسرح، والأغنية في سياقها الطقوسي تختلف جذريا عن الأغنية في سياق العرض الفني. غير أنّ الكتاب يتعامل مع هذه التحولات بوصفها انتقالات طبيعية، لا تحوّلات بنيوية.
ومن مظاهر هذا الخلط أيضا أنّ المؤلف يستعمل مفاهيم مثل “الأصالة” و”الهوية” دون تحديد دقيق لدلالاتها. فالأصالة تُفهم أحيانا بوصفها الوفاء للماضي، وأحيانا بوصفها القدرة على الإبداع انطلاقا من التراث، دون أن يُحسم المعنى. وهذا التذبذب المفهومي ينعكس على التحليل، فيجعل نتائجه أقرب إلى الانطباعات منها إلى الاستنتاجات العلمية.
كما أنّ استدعاء المؤلف للمراجع الغربية في تعريف الفولكلور لا يترافق ولا يتوافق مع نقد سياقاتها المعرفية. فهو يقتبس من فريزر أو غيره دون مساءلة الخلفيات الاستعمارية التي وُلد فيها هذا الحقل، ولا يناقش مدى ملاءمة هذه المفاهيم لدراسة مجتمع مشرقي معاصر. وبذلك يتحوّل الاستشهاد النظري إلى عنصر تزييني، لا إلى أداة تحليل.
إن البنية الحجاجية في كتاب الدكتور مصطفى جحا تقوم في الغالب على منطق الاستشهاد والتراكم، لا على منطق التفكيك وإعادة البناء. فالمؤلف يجمع المعطيات ويعرض النصوصويستحضر الأقوال، ثم يخلص إلى نتائج عامة حول قيمة الفولكلور ودور الرحابنة في إحيائه. غير أنّ هذه النتائج لا تُستنبط من تحليل منهجي صارم، بل تنبثق من مسار سردي يُفترض فيه أن كثافة المادة كافية لإقناع القارئ.
وهنا يبرز أحد أهم حدود المقاربة: غياب السؤال الإشكالي المركزي. فالكتاب لا ينطلق من إشكال واضح يُعاد صياغته عبر الفصول، بل من قناعة مسبقة بأهمية الموضوع، تُدعَّم لاحقا بأمثلة وشواهد. وهذا الأسلوب يجعل العمل أقرب إلى الدراسة التعريفية الموسّعة منه إلى البحث النقدي الذي يبني أطروحته عبر جدل داخلي مع المادة.
كما أنّ المؤلف لا يميّز بوضوح بين مستويات الخطاب: هل هو بصدد كتابة تاريخ للفولكلور؟ أم تحليل لتجربة فنية؟ أم دفاع ثقافي عن التراث؟ هذا التداخل يجعل القارئ يتنقّل بين مقاطع وصفية وأخرى انطباعية وثالثة شبه نظرية، دون خيط ناظم صارم.
ويظهر هذا الارتباك المنهجي أيضا في طريقة التعامل مع النصوص الرحبانية. فالمؤلف يورد مقاطع من الأغاني والمسرحيات، ثم يعلّق عليها تعليقا عاما يبرز بعدها الشعبي أو جماليتها، دون أن يخضعها لتحليل لغوي أو سيميائي دقيق. فلا نجد تفكيكا لبنية الخطاب الشعري، ولا قراءة رمزية للشخصيات المسرحية، ولا تحليلا لتشكيل الفضاء الدرامي. وهذا النقص يجعل النصوص تؤدّي وظيفة توضيحية أكثر منها تحليلية.
أما في ما يتعلّق بالتأويل فإن الدكتور جحا يعتمد تأويلا محافظا، يجنح إلى تثبيت المعاني بدل فتحها. فهو يقرأ الرموز الفولكلورية قراءة مباشرة: الزرع رمز للخصب، القرية رمز للأصالة، الجماعة رمز للوحدة… دون أن يسائل تعدّد الدلالات أو تناقضاتها المحتملة. وهذه القراءة التبسيطية تحرم النصوص من ثرائها الرمزي، وتحوّلها إلى شعارات ثقافية.
ومن مظاهر هذا التأويل المحافظ أيضا أنّ المؤلف يتجنّب الخوض في التوترات الداخلية للتجربة الرحبانية. فلا يتوقّف مثلا عند التحولات التي طرأت على خطاب الرحابنة عبر الزمن، ولا عند اختلاف نبرة الأعمال بين مرحلة وأخرى، ولا عند علاقة هذا التحوّل بالسياق السياسي اللبناني، خصوصا في سنوات الحرب الأهلية. وكأن المشروع الرحباني يُقدَّم بوصفه كتلة واحدة متجانسة، لا مسارا تاريخيا عرف تقلبات وتصدّعات.
كما أنّ الكتاب لا يشتغل على مفهوم “التمثيل” بالمعنى النقدي للكلمة. فالرحابنة يمثّلون القرية ويمثّلون الشعب ويمثّلون التراث، لكن من يتكلّم باسم من؟ وبأي سلطة رمزية؟ هذه الأسئلة، التي تشكّل جوهر الدراسات الثقافية المعاصرة، تبقى غائبة عن أفق المؤلف ومحتويات الكتاب.
وإذا كان جحا يستعمل أحيانا مصطلحات من قبيل “الذاكرة الجماعية” أو “الوجدان الشعبي”، فإنه لا يربطها بإطار نظري محدّد، كأعمال موريس هالبفاكس أو بول ريكور أو غيرهما، بل يوظّفها بوصفها تعابير عامة لا أدوات تحليل.
وبذلك يتّضح أن المنهج المعتمد في الكتاب هو منهج وصفي–احتفائي، يسعى إلى إبراز قيمة التراث أكثر مما يسعى إلى مساءلته. وهذا الخيار المنهجي وإن كان مفهوما في سياق ثقافي يشعر بالتهديد، يحدّ من قدرة العمل على إنتاج معرفة نقدية جديدة.
غير أنّ هذا لا ينفي الجهد الكبير المبذول في جمع المادة وترتيبها، ولا يقلّل من أهمية الكتاب بوصفه مرجعا تعريفيا بالتجربة الرحبانية من زاوية فولكلورية. لكنه يضعه ضمن فئة الأعمال التي تؤسّس للأرشفة الثقافية أكثر مما تؤسّس للتنظير.
وإذا كان تتبّع مسار كتاب مصطفى مصطفى جحا، قد كشفعن غنى مادته التوثيقية وحدود مقاربته المنهجية، فإننا بازاء الانتقال من مستوى التفصيل إلى مستوى التركيب، ومن نقد الأدوات إلى مساءلة الرهان الحضاري الذي يضمره هذا النوع من الكتابة عن الفولكلور. ذلك أنّ السؤال الحقيقي الذي يطرحه الكتاب، وإن لم يصغه المؤلف صراحة، هو: ماذا نفعل بالتراث في زمن الحداثة المأزومة؟ وهل يكفي أن نستحضره فنيا لكي نصون هويتنا الثقافية؟.
إن الفولكلور في السياق اللبناني–المشرقي، ليس مجرد ذاكرة جمالية، بل هو حقل توتّر بين الماضي والحاضر والجماعة والدولةوبين المحلي والعالمي. والرحابنة كما يعرضهم الدكتور جحا، يمثّلون محاولة للإجابة الفنية عن هذا التوتّر: إعادة صياغة الموروث الشعبي بلغة حديثة، قادرة على مخاطبة الداخل والخارج في آن.
غير أنّ هذه الإجابة الفنية مهما بلغت من الرهافة، لا تُغني عن مساءلة فلسفية أعمق لطبيعة العلاقة بين التراث والحداثة. فالتراث ليس مخزونا بريئا نعود إليه كلما ضاقت بنا السبل، بل هو بناء تاريخي تشكّل عبر صراعات اجتماعية وسياسية، ويحمل داخله آثار تلك الصراعات. واستدعاؤه دون تفكيك يعيد إنتاج سلطاته الرمزية.
إن كتاب الدكتور جحا ينتمي إلى نمط من الكتابة الثقافية يسعى إلى المصالحة بين الماضي والحاضر عبر الجمال، لا عبر النقد. فهو يراهن على الفن بوصفه جسرا بين الأزمنة، دون أن يتوقّف بما يكفي عند التصدّعات التي تفصل بينها. وهذه الرؤية، وإن كانت إنسانية في جوهرها، تبقى محدودة الفعالية في سياق مشرقي مثقل بالانقسامات.
فالهوية التي يبنيها الخطاب الرحباني كما يعرضها المؤلف، هي هوية وجدانية تقوم على المشترك العاطفي أكثر مما تقوم على الاعتراف بالاختلاف. وهي هوية تستدعي القرية بوصفها أصلا، وتستبعد المدينة بوصفها فضاءً للصراع. غير أنّ لبنان الحديث هو في جوهره نتاج المدينة بقدر ما هو نتاج القرية، ونتاج التعدّد بقدر ما هو نتاج الانسجام.
ويزداد هذا الإشكال حدّة حين ننظر إلى الفولكلور بوصفه خطابا سياسيا مضمرا. فاختيار عناصر معيّنة من التراث وإبرازها دون غيرها ليس فعلا محايدا. إنّه يعكس رؤية مخصوصة لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع. والكتاب في احتفائه بصورة معيّنة للفولكلور، يشارك ضمنيا في إنتاج سردية ثقافية تفضّل الوحدة المتخيّلة على التعدّد الواقعي.
كما أنّ غياب التحليل الطبقي في العمل يجعل الفولكلور يبدو وكأنه ملك للجميع بالتساوي، في حين أنّ الوصول إلى المسرح واستهلاك العروض الرحبانية، كان في الغالب امتيازا حضريا. وهذه الفجوة بين المنتج الفني وجمهوره الأصلي لا تحظى بأي مساءلة.
إن قيمة الكتاب لا تكمن في قدرته على الإجابة، بل في الأسئلة التي يثيرها ضمنيا. فهو يدفع القارئ إلى التفكير في معنى أن نعيد تقديم تراثنا، وفي حدود الفن بوصفه أداة للتماسك الاجتماعي. كما يذكّرنا بأن الثقافة الشعبية ليست هامشا، بل قلب المشروع الثقافي لأي مجتمع.
غير أنّ هذه الأسئلة تحتاج إلى أفق نظري أوسع مما يتيحه الكتاب. فهي تستدعي حوارا مع فلسفة الذاكرة، ومع نقد الحداثة، ومع دراسات ما بعد الاستعمار، وهي مجالات لا يدخلها المؤلف إلا عرضا.
إن تقويم كتاب الدكتور الفاضل مصطفى مصطفى جحا يقتضي وضعه داخل سياق أوسع من مجرد دراسة عن الرحابنة أو عن الفولكلور اللبناني. فهو ينتمي في العمق، إلى تقليد عربي حديث يسعى إلى ترميم العلاقة المتصدّعة مع الماضي عبر استدعاء التراث في صيغ جمالية ومعرفية مختلفة. وهذا التقليد الذي نشأ في ظل صدمة الحداثة والاستعمار، ظلّ يتأرجح بين نزعتين: نزعة تمجيدية ترى في التراث خلاصا، ونزعة نقدية ترى فيه مادة للفهم وإعادة البناء.
وكتاب جحا يميل بوضوح إلى النزعة الأولى. فهو يكتب بدافع الحماية أكثر مما يكتب بدافع التفكيك، ويحتفي بالموروث أكثر مما يسائله. وهذا الخيار يمنحه حرارة وجدانية واضحة، لكنه يحرمه من الصرامة النظرية التي تتطلّبها الدراسات الثقافية المعاصرة.
فالكتاب لا ينتج مفهوما جديدا للفولكلور، ولا يعيد صياغة أدوات البحث فيه، بل يعيد ترتيب المعطيات المتاحة ضمن خطاب يؤكد قيمة التراث ودور الرحابنة في إحيائه. وهو بهذا المعنى عمل تجميعي–تأليفي، أكثر منه عملا تأسيسيا.
غير أنّ هذه المحدودية لا تلغي أهميته بوصفه وثيقة ثقافية تعكس لحظة معيّنة من الوعي اللبناني بذاته. فهو يكشف عن الحاجة الملحّة إلى بناء سردية جامعة في مجتمع ممزّق، وعن الرهان على الفن بوصفه لغة مشتركة قادرة على تجاوز الانقسامات. كما يبرز الدور الذي لعبه المسرح الغنائي في تشكيل المخيال الجماعي، وفي إعادة تقديم القرية بوصفها رمزا للوحدة.
لكن هذا الرهان الفني، كما يظهر من خلال قراءتنا المتواضعة هذه، يظلّ ناقصا ما لم يُدعَم برؤية فلسفية للهوية، تعترف بالتعدّد وبالاختلاف وبالتاريخ بوصفه مسارا مفتوحا لا مخزونا ثابتا.
إن الفولكلور إذا أُريد له أن يكون عنصرا حيا في الثقافة، لا ينبغي أن يُختزل في صور شاعرية، ولا أن يُجمَّد في عروض مسرحية، بل يجب أن يُقرأ بوصفه ممارسة اجتماعية متحوّلة، تعبّر عن شروط الحياة المادية والرمزية للناس. وهذا ما لم ينجح الكتاب في بلورته بما يكفي.
كما أنّ تجربة الرحابنة على أهميتها، تحتاج إلى قراءة نقدية تفصل بين بعدها الإبداعي ودورها في إنتاج سردية وطنية مثالية. فالفن مهما بلغ من النبل لا يعفي من المساءلة، ولا ينبغي أن يتحوّل إلى مرجعية فوق النقد.
إن كتاب مصطفى جحا يمثّل خطوة ضرورية في مسار توثيق الفولكلور اللبناني، لكنه لا يمثّل نهاية الطريق. فهو يفتح الباب أمام أبحاث أعمق، تتناول التراث الشعبي من زوايا أنثروبولوجية وسيميائية وفلسفية، وتضعه في قلب الأسئلة الكبرى حول الحداثة، والهوية، والذاكرة في المشرق العربي.
ويظلّ هذا العمل شاهدا على لحظة ثقافية تبحث عن ذاتها في مرآة الماضي، وتحاول أن تصوغ من الأغنية والرقصة والمشهد القروي خطابا للانتماء. لكنه في الوقت نفسه يذكّرنا بأن الهوية لا تُبنى بالحنين وحده بل بالنقد، وبالقدرة على مواجهة التاريخ بكل تعقيداته.
ويعد هذا السفر الماتع إضافة قيمة ومتميزة إلى المكتبة النقدية والفنية اللبنانية، حيث يفتح آفاقا واسعة لفهم العمق الثقافي والفني في أعمال الأخوين الرحباني. حيث نجح المؤلف في استثمار منهج علمي دقيق يجمع بين التحليل الأدبي والدراسات الفلكلورية، ليُبرز كيف استلهم الأخوان من التراث الشعبي اللبناني عناصر السرد والغناء والموسيقى، مع الحفاظ على أصالة الهوية اللبنانية في المسرح والغناء. وتميز الكتاب بسلاسة أسلوبه ووضوح عرضه، ما يجعله قريبا من القارئ الأكاديمي والمهتم بالشأن الفني على حد سواء. كما يزخر بالتحليلات الدقيقة والتوثيق الوافي لكل عمل من أعمال الرحباني، مسلطا الضوء على الطرق التي دمجوا فيها الفلكلور مع الإبداع المسرحي الحديث.
إن الدكتور جحا لم يكتفِ بمجرد العرض والوصف، بل قام بقراءة نقدية فاحصة، توضح كيف يُعيد الفنانون صياغة التراث بما يتوافق مع الواقع المعاصر، محافظين على روح الجماعة اللبنانية وتفاصيل الحياة اليومية فيها. وبذلك، يصبح الكتاب مرجعا لا غنى عنه لكل دارس للفلكلور اللبناني والمسرح والموسيقى، ولا يفوتنا أن نُّذكر بمكانة الدكتور مصطفى مصطفى مصطفى جحا العلمية،كأحد الأسماء الرائدة والبارزة في علوم التربية والتعليم وأحد المهتمين بالفلكلور اللبنانيكما أن لهإسهامات في مجالات التربية باللغة السويدية وأيضامقالات في مجلة طريق الحرير اليوم المصرية لمديرها العالم الأنثروبولوجي المقتدر الروائيوالصحفيوالشاعروالناقدالتشكيلي والمترجمالمصريأشرف أبو اليزيد .
وبذلك تُختتم قراءتنا المتواضعة هذه، والتي حاولت أن تنظر إلى الكتاب لا فقط بوصفه دراسة عن الرحابنة، بل بوصفه تعبيرا عن سؤال مشرقي عميق: كيف نصنع معنى للماضي في زمن يتآكل فيه الحاضر؟.