السرد بعد الكارثة: كيف يكتب الأدب العالم المتشظي؟
بقلم: د. حمزة مولخنيف. المملكة المغربية
لم يعد العالم يُكتب كما كان، ولم تعد الحكاية قادرة على أن تسير في خط مستقيم من بداية مطمئنة إلى نهاية مكتملة. ثمة كسرٌ أصاب الزمن نفسه، وترك اللغة تتلمّس طريقها بين الأنقاض، وتعيد مساءلة قدرتها على احتضان التجربة الإنسانية. بعد توالي الكوارث الكبرى، لم يعد السرد مجرّد أداة للتمثيل، بل غدا شكلا من أشكال المكابدة الوجودية، ومحاولة لالتقاط المعنى وهو يتشظّى، ولإنقاذ ما تبقّى من الذاكرة في عالم تتآكل فيه اليقينات.

فالكتابة في أزمنة الانكسار لا تنطلق من أرض صلبة، بل من هوامش الفقد، ومن مناطق الالتباس التي تختلط فيها الصدمة بالتذكر، والخيال بالخراب، والذات بظلالها. الكارثة ليست حدثا طارئا في التاريخ، بل تجربة تعيد تشكيل علاقتنا بالزمن وبالجسد وبالآخر وباللغة ذاتها. ولهذا كما نبّهPaul Ricoeur، فإن الهوية لا تُعطى بوصفها معطى جاهزا، بل تُبنى سرديا عبر التأويل، وحين يتصدّع العالم تتصدّع معه إمكانات الحكي، وتغدو الذات مشروعا هشا، مفتوحا على الفقد وإعادة التركيب.
أمام هذا الوضع، يجد الأدب نفسه مطالبا بابتكار صيغ جديدة للقول، صيغ تعترف بتكسّر الحقيقة، وبثقوب الذاكرة، وبأن الصمت جزء لا ينفصل عن الكلام. لم تعد الكتابة بعد الكارثة سعيا إلى ترميم وهمي لوحدة مفقودة، بل صارت إنصاتا عميقا لتجربة التمزق، وممارسة أخلاقية تحترم تعقيد الألم الإنساني، وتتحاشى تحويل المأساة إلى مشهدية أو استهلاك. يستعيد السرد وعيه المأساوي كما عبّر عنه Albert Camus، لا بوصفه استسلاما للعبث، بل باعتباره مقاومة هادئة له، وإصرارا على صون كرامة المعنى وسط الخراب.
من هذا المنطلق، لا يروم هذا المقال وصف الكارثة في بعدها الوقائعي، بل مساءلة أثرها العميق في بنية السرد، وكيف يكتب الأدب عالما فقد مركزه وصار يعيش على إيقاع التشظي الدائم. إنه محاولة للتفكير في الكتابة بوصفها أثرا، وفي الحكاية بوصفها جهدا لترميم المعنى، وفي اللغة بوصفها بيتا متصدعا لا نملك غيره لنقيم فيه، ولو على نحو مؤقت، بينما نعيد تعلّم الإصغاء إلى ما يقوله الركام.
ولم يعد العالم بعد توالي الكوارث الكبرى في القرن العشرين وما بعده، قابلاً للكتابة بالطريقة نفسها التي كُتب بها من قبل. فالحروب الشاملة والإبادات الجماعية والانهيارات الإيكولوجية، وتفكك المعنى في ظل الرأسمالية الرقمية، لم تُحدث شرخا في الجغرافيا السياسية وحدها، بل أحدثت تصدعا عميقا في البنية الرمزية للوجود الإنساني. لقد دخلت الإنسانية بتعبير فالتر بنيامين، زمن “الخبرة المكسورة”، حيث لم يعد الماضي يُنقل بوصفه حكمة، ولا الحاضر يُعاش بوصفه استمرارية، بل صار الزمن نفسه حطاما متناثرا، يتطلب شكلاً جديدا من القول.
من هنا، يغدو السؤال عن السرد بعد الكارثة سؤالا عن إمكانية المعنى ذاتها. كيف يمكن للأدب أن يكتب عالما فقد تماسكه؟ كيف تُروى التجربة حين تصبح اللغة نفسها موضع شبهة؟ وكيف يتشكّل الخيال حين يغدو الواقع أكثر فظاعة من كل استعارة؟.
ليست الكارثة حدثا عابرا في التاريخ، بل هي، كما يرى جان بودريار، بنية كامنة في صميم الحداثة، تنفجر حين يبلغ النظام أقصى درجات انتظامه. الكارثة ليست فقط ما يقع، بل ما يُكشف: هشاشة الإنسان، خواء الوعود الكبرى، وانكسار السرديات المؤسسة للمعنى. لذلك فإن الأدب بعد الكارثة لا يكتب الوقائع بقدر ما يكتب آثارها، لا يلاحق الحدث بل ارتداداته النفسية والرمزية، ولا يستعيد الماضي بوصفه زمنا مكتملا، بل بوصفه فجوة مفتوحة في الحاضر.
لقد أدرك ثيودور أدورنو مبكرا أن اللغة الأدبية لا يمكن أن تعود بريئة بعد أوشفيتز، وأن كتابة الشعر بعد المحرقة فعل إشكالي أخلاقيا وجماليا. غير أن هذا الحكم لم يكن دعوة إلى الصمت، بل إلى إعادة التفكير في شروط القول. فالصمت ذاته يصبح شكلا من أشكال الكلام، والكتابة تتحول إلى تمرين على الاقتراب من ما لا يُقال. السرد بعد الكارثة لا يسعى إلى ترميم العالم كما كان، بل إلى الإنصات لتصدعاته، وإلى ابتكار أشكال لغوية قادرة على حمل الفقد دون تزيينه.
يتخذ الأدب موقع الشاهد لا بمعنى التوثيق الوقائعي، بل بمعنى الشهادة الوجودية. جورجيو أغامبن يميّز بين من عاش الكارثة ومن شهد عليها، ويؤكد أن الشاهد الحقيقي هو من بقي في منطقة العجز عن الكلام، حيث تصبح الكتابة محاولة لإنقاذ ما تبقى من الإنسان في الإنسان. لذلك نجد أن كثيرا من نصوص ما بعد الكارثة تتحرك في منطقة رمادية بين السرد والتأمل، بين الاعتراف والتشظي وبين الذاكرة والهلوسة.
إن الرواية الحديثة منذ كافكا وبروست وجويس، كانت قد بدأت بالفعل تفكيك الزمن الخطي والذات المتماسكة، غير أن كوارث القرن العشرين دفعت هذا التفكيك إلى مداه الأقصى. لم تعد الشخصية مركز العالم الروائي، بل صارت شظية ضمن شبكة من الأصوات والذكريات والانقطاعات. ولم يعد الراوي عليما، بل مرتبكا، هشا، مشككا في قدرته على الفهم. هنا تتقاطع السرديات الأدبية مع أطروحات بول ريكور حول الهوية السردية: الذات لا تُعطى، بل تُبنى عبر الحكي، وحين يتكسر العالم، تتكسر معه إمكانات بناء الذات.
السرد بعد الكارثة هو سرد ما بعد الطمأنينة. إنه كتابة من داخل الركام، حيث لا تعود الحبكة قوسا مغلقا، بل مسارا متقطعا، مليئا بالفراغات والتلعثمات. لذلك يكثر في هذا الأدب استخدام اليوميات، الشذرات، الرسائل، الأصوات المتعددة، والذاكرة المجروحة. الشكل نفسه يصبح تعبيرا عن الجرح. وكما يقول موريس بلانشو، فإن الكارثة لا تُروى بل تُكتب بوصفها استحالة الرواية.
في أعمال بريمو ليفي وبول تسيلان وشارل رزنيكوف، تتحول اللغة إلى حقل ألغام: كل كلمة محمّلة بتاريخ من العنف، وكل صورة مهددة بالابتذال. لذلك يتجه هؤلاء إلى اقتصاد لغوي صارم، إلى جمل قصيرة، وإلى استعارات جافة، كأن الكتابة تمارس نوعا من الزهد الجمالي، خشية أن تتحول المأساة إلى مشهدية. بول تسيلان، الذي كتب من قلب تجربة الإبادة، كان يرى أن القصيدة يجب أن تمر عبر “ألف ظلام” لتبلغ قارئها، وأن الشعر بعد الكارثة ليس احتفالا بالجمال، بل بحثا عن أثر حياة وسط الرماد.
غير أن الكارثة لم تعد محصورة في الحروب والمجازر. لقد اتسع مفهومها ليشمل الانهيار البيئي والاغتراب الرقمي، وتسليع الذاكرة وتفكك الروابط الاجتماعية. في عالم المنصات، حيث تتجاور صور المآسي مع إعلانات الاستهلاك، يصبح الألم محتوى، والكارثة مادة للتداول السريع. هنا يواجه الأدب تحديا جديدا: كيف يكتب ضد التسطيح؟ كيف يستعيد العمق في زمن السرعة؟ كيف يقاوم اختزال التجربة الإنسانية إلى بيانات؟.
يبدو أن كثيرا من كتاب اليوم يختارون استراتيجية البطء والتأمل والعودة إلى التفاصيل الصغيرة. السرد بعد الكارثة لا يلهث وراء الحدث، بل ينصت إلى ما يتركه خلفه. إنه أدب الأثر لا أدب الضجيج. في روايات مثل أعمال دبليو. جي. زيبالد، تتحول الذاكرة إلى رحلة عبر الصور والوثائق والهواجس، حيث يمتزج الشخصي بالتاريخي، ويغدو السرد نوعا من المشي الحزين عبر أطلال أوروبا. زيبالد لا يروي الحرب مباشرة، بل يلاحق أشباحها في العمارة، في الصور القديمة، في الوجوه العابرة.
هذا الشكل من السرد يعكس وعيا عميقا بأن الكارثة لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تستمر كطيف في الوعي الجمعي. لذلك يصبح الأدب فضاءً لإعادة التفاوض مع الماضي، لا لاستعادته كما كان، بل لفهم كيف يسكن الحاضر. هنا يلتقي الأدب بالتحليل النفسي وبفلسفة الذاكرة وبأنثروبولوجيا الصدمة. فالكتابة ليست مجرد تمثيل، بل فعل علاجي جماعي حيث يكون محاولة لترميم ما تصدع في المخيلة.
ومع ذلك، لا ينبغي فهم السرد بعد الكارثة بوصفه أدب حزن صرف. ففي قلب هذا الركام، تنبثق أيضا أشكال جديدة من الأمل الهش، ومن التضامن الإنساني، ومن إعادة تخييل الممكن. كما يقول إرنست بلوخ، حتى في أحلك الأزمنة يظل مبدأ الأمل يعمل في الخفاء. الأدب لا ينقذ العالم، لكنه يحفظ إمكانية التفكير فيه من جديد. إنه يفتح فجوات في الجدار السميك للواقع، ويتيح للخيال أن يتنفس.
السرد بعد الكارثة هو كتابة على حافة الصمت، لكنه لا يستسلم له. إنه يقيم في التوتر بين العجز والرغبة، بين الفقد والبحث عن معنى. في هذا التوتر تتشكل لغة جديدة، أقل ادعاءً، أكثر تواضعا، وأكثر إنصاتا للهشاشة البشرية. لغة تعرف أن الحقيقة ليست معطى جاهزا، بل مسارا تأويليا، وأن العالم المتشظي لا يُجمع إلا عبر قصص صغيرة، متجاورة، ناقصة، لكنها ضرورية.
هكذا يصبح الأدب مختبرا لإعادة تركيب الإنسان بعد انكساره، ومجالا لتجريب أشكال سردية تتلاءم مع زمن ما بعد اليقين. فالكتابة ليست وصفا للعالم فحسب، بل مشاركة في إعادة صنعه رمزيا. والسرد بعد الكارثة هو هذا الجهد العنيد لقول ما تبقى، ولمنح الصوت لمن صودر صوتهم، ولحراسة المعنى في زمن يتآكل فيه المعنى من كل الجهات.
يتعمق السرد بعد الكارثة حين يمسّ الزمن ذاته، لا بوصفه إطارا محايدا للأحداث، بل بوصفه مادة مجروحة. فالزمن كما يظهر في نصوص ما بعد الصدمة، لا يسير خطيا من ماضٍ إلى حاضر فمستقبل، بل يتكسر إلى طبقات، يعود على نفسه، ويتجمد أحيانا في لحظة واحدة تتكرر بلا نهاية. هنا يستعيد الأدب أطروحات هنري برغسون حول “المدة”، ويقاربها عبر خبرة وجودية جديدة: الماضي لا ينقضي، بل يقيم في الحاضر بوصفه أثرا، والحاضر لا يُعاش كاملا لأنه مثقل بما لم يُحلّ.
تتحول الذاكرة إلى ساحة صراع. ليس لأن الذاكرة مخزنا للصور، بل عملية إعادة بناء مستمرة، مشوبة بالبياضات، بالتشويش، وبما يسميه بول ريكور “النسيان الفاعل”. السرد بعد الكارثة يكتب من داخل هذا التوتر بين التذكر والاستحالة، بين الرغبة في الشهادة والخوف من إعادة فتح الجرح. لذلك تتسم كثير من النصوص بطابع استرجاعي متقطع، حيث يعود السارد إلى لحظات بعينها، يعيد تفكيكها ثم يتركها معلّقة، كأن اللغة نفسها تعجز عن احتواء ما جرى.
هذا ما نلمسه بوضوح في أدب الصدمة، حيث تتخذ الكتابة شكل دوران حول مركز غائب. التجربة لا تُروى دفعة واحدة، بل تتسرب عبر تفاصيل هامشية: رائحة، صورة، حركة جسد. هنا يستعيد الأدب تقاطعه العميق مع التحليل النفسي، خاصة في تصور فرويد للصدمة بوصفها حدثا لا يُستوعب لحظة وقوعه، بل يعود لاحقا في هيئة أعراض. السرد يصبح محاولة متأخرة للفهم، كتابة لما لم يُكتب في حينه.
غير أن ما يميز السرد المعاصر هو أن الكارثة لم تعد حدثا استثنائيا، بل تحولت إلى حالة شبه دائمة. الحروب المتنقلة، الأزمات الاقتصادية، الجائحة، الانهيار البيئي، كلها تصنع إحساسا عاما بالهشاشة المستمرة. يتراجع مفهوم “ما بعد الكارثة” لصالح “العيش داخل الكارثة”. الأدب لم يعد ينتظر نهاية الحدث ليكتب عنه، بل يكتب من داخله في زمن معلّق، بلا أفق واضح للخلاص.
هذا التحول ينعكس على تمثيل الجسد. الجسد في السرد بعد الكارثة ليس مجرد حامل للوعي، بل موقع للجرح، للذاكرة وللانتهاك. إنه الجسد الذي يُراقَب، يُهجَّر، يُستنزف، ويُختزل إلى رقم في منظومات السلطة والبيانات. ميشيل فوكو كان قد أشار إلى أن السلطة الحديثة تمارس فعلها على الأجساد قبل العقول، غير أن الرأسمالية الرقمية ذهبت أبعد من ذلك، إذ حولت الجسد ذاته إلى واجهة، إلى صورة قابلة للتداول، وإلى مصدر بيانات.
في هذا العالم، تتعرض الذات السردية لضغط غير مسبوق. فالفرد يُطلب منه أن يروي نفسه باستمرار، أن ينتج سرديته الخاصة على المنصات، أن يحول حياته إلى محتوى. غير أن هذه السردية الرقمية غالبا ما تكون سطحية، مجتزأة خاضعة لمنطق الإعجاب والخوارزميات. هنا يبرز التناقض الحاد بين السرد الأدبي، بوصفه بحثا عن عمق التجربة، والسرد المنصاتي، بوصفه أداءً سريعا للذات. الأول ينطلق من الجرح، من الصمت، من البطء؛ والثاني من العرض، من التكرار، من الاستهلاك.
السرد بعد الكارثة في صيغته الأدبية العميقة، يقاوم هذا الاختزال. إنه يصر على إعادة الاعتبار للتجربة الداخلية، للزمن الطويل، وللصوت الهامشي. ولذلك نلاحظ عودة قوية إلى الكتابة التأملية، إلى الرواية الفلسفية، وإلى الأشكال الهجينة التي تمزج بين السرد والمقالة والشهادة. هذه الأشكال تعكس وعيا بأن الواقع المعاصر لم يعد قابلا للتمثيل عبر القوالب التقليدية.
ويكتسب هذا كله بعدا خاصا حين نلتفت إلى الأدب العربي المعاصر، الذي يكتب من قلب تواريخ متراكبة من العنف، الاستبداد، المنفى والانكسارات الجماعية. فمثلا منذ الحرب الأهلية اللبنانية، مرورا بالاحتلالات المتعددة، وصولا إلى انتفاضات العقد الأخير وما أعقبها من خيبات، تشكلت كتابة عربية جديدة، مشبعة بالأسئلة الوجودية، وبالوعي بانهيار السرديات الكبرى.
في كثير من هذه النصوص، لا نجد بطولات كبرى ولا نهايات مغلقة، بل شخصيات عادية مهزومة، تبحث عن معنى في تفاصيل الحياة اليومية. السرد يتحول إلى مساحة لالتقاط الهامشي والمنسي: حكايات اللاجئين، أصوات النساء، ذاكرة المدن المدمرة، وحيوات العالقين بين وطنين. هنا يتقاطع الأدب العربي مع تيارات عالمية في كتابة ما بعد الصدمة، لكنه يحتفظ بخصوصيته، المستمدة من تاريخ طويل من القمع والاقتلاع.
تتجلى هذه الخصوصية في العلاقة المعقدة مع المكان. المدينة العربية في السرد المعاصر ليست فضاءً مستقرا، بل كيانا مهددا، ذاكرة معمارية تتآكل، وجغرافيا للحنين والخسارة. الكتابة عن المدينة تصبح كتابة عن فقدانها. كما قال إدوارد سعيد، المنفى ليس مجرد ابتعاد جغرافي، بل حالة وعي. والسرد بعد الكارثة هو في جوهره كتابة من موقع المنفى، حتى حين يكون الكاتب في بلده.
ولا ينغلق هذا الأدب على المأساة وحدها. ثمة محاولات متزايدة لإعادة تخييل المستقبل، ولو بشكل خافت. يظهر ذلك في نزعات يوتوبية صغيرة، في قصص التضامن، في استعادة الذاكرة الثقافية، وفي البحث عن جذور روحية وأخلاقية قادرة على مقاومة العدمية. هنا يلتقي الأدب مع أسئلة الفلسفة الأخلاقية: كيف نعيش بعد أن رأينا ما رأينا؟ كيف نعيد بناء الثقة في الإنسان؟.
السرد بعد الكارثة لا يقدم إجابات جاهزة، لكنه يخلق فضاءً للسؤال. إنه يمارس ما يمكن تسميته بـ”أخلاقيات الحكي”: الامتناع عن التبسيط، احترام تعقيد التجربة، والاعتراف بحدود اللغة. في هذا المعنى يصبح الأدب ممارسة للمسؤولية، لا مجرد فعل جمالي. إنه يذكرنا كما قال ليفيناس، بأن وجه الآخر يسبق كل نظرية، وأن الكتابة الحقة هي تلك التي تبقي هذا الوجه حاضرا.
إن السرد بعد الكارثة ليس مجرد مرحلة تاريخية في تطور الأدب، بل أفق وجودي جديد للكتابة. إنه تعبير عن عالم فقد مركزه، وعن ذات تبحث عن نفسها وسط شظايا المعنى. في هذا العالم المتشظي لم تعد الرواية مرآة للواقع، بل صارت أداة حفر فيه، محاولة لفهم ما تبقى من إنسانيتنا تحت ركام الصور والأحداث.
الكتابة بعد الكارثة لا تسعى إلى استعادة وحدة مفقودة، بل إلى التعايش مع التصدع، إلى تحويل الجرح إلى معرفة، والصمت إلى سؤال. إنها كتابة تدرك أن الحقيقة متعددة، وأن الذاكرة غير مكتملة، وأن الهوية مشروع مفتوح. لذلك تتخلى عن الادعاء بالاكتمال، وتحتفي بالهشاشة بوصفها شرطا للإنصات.
وفي زمن تتسارع فيه الوقائع وتتراكم فيه الأزمات، يبدو الأدب واحدا من آخر الفضاءات التي تسمح بالتوقف، بالتأمل وبإعادة ترتيب العلاقة مع الزمن. إنه يقاوم النسيان السريع، ويمنح الصوت لمن لا صوت لهم، ويذكرنا بأن الكارثة ليست فقط ما يحدث لنا، بل ما يحدث فينا.
السرد بعد الكارثة هو في جوهره، فعل مقاومة رمزية. مقاومة للتسطيح، للعدمية، ولتحويل الألم إلى سلعة. وهو أيضا فعل أمل حذر، لا يؤمن بالخلاص السريع، لكنه يتمسك بإمكانية المعنى، ولو في أصغر صوره. كما كتب ألبير كامو، في مواجهة العبث لا يبقى سوى التمرد، والكتابة أحد أشكاله الأكثر نبلاً.
هكذا يكتب الأدب العالم المتشظي: لا عبر ترميم وهمي لوحدة ضائعة، بل عبر الاعتراف بالكسور، وبناء جسور دقيقة بين الذوات والذكريات والأزمنة. يكتبه بوصفه حكاية غير مكتملة مفتوحة على التأويل وعلى مسؤولية القارئ. وفي هذا الانفتاح تحديدا تكمن قوة السرد بعد الكارثة: أنه لا يمنحنا عالما جاهزا، بل يدعونا إلى المشاركة في إعادة تخييله.




