أدب

حين تتحوّل التجربة إلى معرفة، والوجع إلى حكمة

قراءة في كتاب ما تعلّمته من الحياة للأستاذة رفيقة التعلي

حين تتحوّل التجربة إلى معرفة، والوجع إلى حكمة

 قراءة في كتاب ما تعلّمته من الحياة للأستاذة رفيقة التعلي

د . حمزة مولخنيف. المملكة المغربية


ليس عنوان كتاب ما تعلّمته من الحياة مجرّد عبارة إنشائية تُرضي الذائقة العاطفية للقارئ، بل هو منذ الوهلة الأولى إعلان فلسفي ضمني عن انتقال الذات من طور العيش الخام إلى طور الوعي المُفكِّر، ومن مستوى الوقائع إلى أفق المعنى. فالتعلّم هنا لا يُحال على المدرسة ولا على المنهاج، بل على الحياة ذاتها بوصفها “أعظم معلّم”، كما قال ، حين اعتبر التجربة أصل كل معرفة، وشرط كل تفكير حي.

الكتاب ينتمي إلى ذلك الجنس الكتابي المعلّق بين الاعترافات، والتأملات الوجودية، والحِكَم المستخلصة من الاحتكاك المباشر بالزمن، وبالآخر، وبالذات. إنه نصّ يكتب نفسه من داخل المعاناة اليومية، من صمت الخيبات، ومن تلك اللحظات الصغيرة التي تمرّ غالبا دون أن نلتفت إليها، لكنها تشكّل في العمق البنية الخفية لشخصياتنا.

ما يلفت منذ الصفحات الأولى هو أنّ المؤلِّفة لا تقدّم نفسها باعتبارها واعظة أخلاقية، ولا فيلسوفة تنظِّر من برج عاجي، بل كذات مجروحة تُعيد ترتيب شتاتها عبر الكتابة. وهذا ما يمنح النص صدقيته الوجدانية. فالكتابة هنا ليست ترفا بل ضرورة وجودية، قريبة في روحها مما عبّرتعنه حين قالت: “من يملك سببا للعيش يستطيع تحمّل أي كيف.”

رفيقة التعلي

تقوم بنية الكتاب على مقاطع قصيرة، أشبه بشذرات أو ومضات فكرية، تلتقط لحظات من الحياة ثم تُعيد صياغتها في لغة بسيطة، لكنها محمّلة بدلالات نفسية وأخلاقية عميقة. هذا الاقتصاد في التعبير لا يعني فقرا في المعنى بل على العكس، هو شكل من أشكال الحكمة العملية التي تراكمت عبر الاحتكاك بالألم، بالفقد وبالخيبة. هنا تتجاور مفاهيم التسامح، الصبر، الصدق، الصمت والشفاء الداخلي، في نسيج سردي يُذكّر بأسلوب كتب التأملات الرواقية، كما نجدها عند Marcus Aurelius في كتابه Meditations، حيث تصبح الفلسفة تمرينا يوميا على العيش، لا مجرّد بناء نظري. كما تحضر الروح نفسها، وإن بصيغ مختلفة، عند Seneca في رسائله الأخلاقية، وعند Epictetus في تعاليمه التي تجعل من ضبط النفس وقبول القدر والعمل على الداخل أساسا للحكمة العملية. غير أنّ ما يميّز هذا الكتاب هو أنه لا يستعيد الرواقية بوصفها نسقا مكتملا، بل يلتقط منها جوهرها العلاجي، ويعيد صوغها بلغة معاصرة مشبعة بتجربة الفقد والألم والشفاء.أحد المحاور العميقة التي يشتغل عليها الكتاب، وإن لم تسمِّها المؤلفة بهذا الاسم، هو محور “الجرح الوجودي”. فالذات هنا واعية بأن الحياة لا تُعطي نفسها كاملة، وأن الخسارة جزء من تكوين المعنى. ولا يحاول النص تجميل الألم، لكنه يرفض في الآن ذاته الاستسلام له. وهذا الموقف الوسطي يُحيلنا مباشرة إلى تجربة ، الذي رأى أن الإنسان يستطيع أن يجد معنى حتى في أقصى ظروف العذاب، وأن النجاة الحقيقية ليست جسدية فحسب، بل روحية ومعنوية.

يصبح العفو فعل قوة لا علامة ضعف، ويغدو الصمت حكمة لا هروبا، وتتحوّل الخسارة إلى درس. الكاتبة لا تدّعي امتلاك أجوبة نهائية، بل تشارك القارئ أسئلته المفتوحة. وهي في ذلك أقرب إلى الفيلسوف الوجودي الذي يمشي على الحافة، مثل Albert Camus، حين اعتبر أن مهمة الإنسان ليست القضاء على العبث، بل العيش داخله بكرامة، أو مثل Jean-Paul Sartre، الذي جعل من الحرية الفردية ومسؤولية الاختيار أساس مواجهة الفراغ الوجودي. هنا، تتقاطع حكمة الكاتبة مع الفلسفة: ليس البحث عن حلول جاهزة، بل عن قدرة الإنسان على الصمود، التأمل والتحوّل الداخلي عبر مواجهة الأسئلة دون التهوّل أو التهرب.

كما يتقاطع الكتاب على مستوى العمق النفسي، مع أطروحات حول “الظل” وضرورة مواجهة الجوانب المظلمة في الذات بدل إنكارها. فالمؤلفة تلمّح مرارا إلى أن الشفاء لا يبدأ بالهروب من الجراح بل بالاعتراف بها، والجلوس معها، والإصغاء إلى رسائلها الخفية. وهذا ما يجعل النص قريبا من أدبيات العلاج بالكتابة، حيث تتحوّل اللغة إلى أداة ترميم داخلي.

اللافت أيضا أنّ الكتاب يشتغل على ثنائية القلب والعقل، دون أن يُقيم قطيعة بينهما. فالتجربة تُعلِّم، لكن التأمل يُهذِّب، والعاطفة تحتاج دائما إلى بصيرة تُوجّهها. ويبدو النص كأنه حوار غير مباشر مع تقاليد الحكمة القديمة، حيث لم يكن العقل منفصلا عن الأخلاق، ولا المعرفة عن السلوك.

من الناحية الأسلوبية، تعتمد الكاتبة لغة شفافة، قريبة من اليومي، لكنها مشبعة بروح تأملية واضحة. لا نجد استعارات معقّدة ولا تراكيب متكلّفة، بل جُملاً قصيرة تضرب مباشرة في المعنى، وكأن المؤلفة تراهن على ما يمكن تسميته “بلاغة البساطة”. هذه البساطة ليست فقرا أسلوبيا، بل اختيار جمالي واعٍ، ينسجم مع طبيعة الموضوع: الحياة لا تحتاج إلى زخرفة لغوية كي تكون عميقة.

إن الجزء الأكبر من قوة هذا الكتاب يكمن في كونه لا يفرض على القارئ رؤية جاهزة، بل يفتح له مساحات للتفكير الذاتي. كل مقطع هو دعوة صامتة لإعادة النظر في علاقتنا بالزمن، بالآخرين وبأنفسنا. وهنا تتحقق الوظيفة الفلسفية للنص: ليس في تقديم نظريات، بل في إيقاظ الوعي.

يقدّم ما تعلّمته من الحياة تجربة كتابية تقوم على تحويل المعاناة إلى معرفة، والتجربة إلى حكمة عملية. إنه كتاب لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُعاد إليه في لحظات الانكسار والتأمل، لأنه كُتب من تلك المناطق الهشّة في الإنسان، حيث يلتقي الألم بالأمل، وتولد الأسئلة الكبرى من التفاصيل الصغيرة.

الذات الكاتبة لا تقدّم نفسها باعتبارها “أنا” مكتملة، بل ككائن في طور التشكل المستمر. إنها ذات تتعلّم عبر السقوط، وتفهم عبر الخسارة، وتعيد بناء نفسها بعد كل انكسار. هذا التصور الدينامي للذات يذكّر مباشرة بما قاله عن “الهوية السردية”، حيث لا يكون الإنسان معطى جاهزا، بل قصة تُكتب باستمرار عبر الزمن، وتُعاد صياغتها مع كل تجربة جديدة.

في هذا الكتاب، لا نجد سردا خطيا لمسار حياة، بل شذرات متفرقة تشبه مرايا صغيرة، يرى القارئ فيها انعكاسا لتجاربه الخاصة. وهذا ما يمنح النص طابعه الكوني: فهو لا يحكي قصة فرد بعينه بقدر ما يلامس البنية المشتركة للتجربة الإنسانية. كل مقطع يبدو كأنه يقول للقارئ: هذا حدث لي، لكنه يمكن أن يحدث لك أيضا. هنا تتحقق تلك القرابة العميقة بين الأدب والفلسفة، حيث تتحوّل الخاصية الفردية إلى معنى إنساني عام.

من أبرز الثيمات التي تتكرر بإلحاح في الكتاب ثيمة “القوة الهشة”: تلك القوة التي لا تنبع من الصلابة الظاهرة، بل من القدرة على الاستمرار رغم الانكسار. المؤلف يصرّ بشكل ضمني، على أن الشفاء ليس عودة إلى ما كنّا عليه، بل ولادة جديدة، مختلفة وأكثر وعيا. وهذا التصور قريب جدا من أطروحة حين تقول: “حيث يكمن الخطر، ينمو ما ينقذ أيضا.” فالألم ليس نقيض الحياة، بل أحد شروط تعميقها.

ويظهر ذلك بوضوح في حديثها المتكرر عن الصبر والتسامح ومواجهة الذات. لكنها لا تقدّم هذه القيم بوصفها شعارات أخلاقية، بل كخبرات معيشة، تُنتزع انتزاعا من قلب المعاناة. فالتسامح مثلا، لا يُقدَّم كفضيلة مثالية بل كقرار صعب، يحتاج إلى شجاعة داخلية. وهذا يتقاطع مع تصور التي رأت أن العفو ليس نسيانا، بل فعل حرية، يُحرّر الإنسان من أسر الماضي.

على المستوى النفسي، تكشف الكاتبة وعيا عميقا بتعقيدات الداخل الإنساني. فالمؤلفة لا تتجاهل مناطق الظل، ولا تتظاهر بالقوة الدائمة، بل تعترف بالهشاشة، بالخوف وباللحظات التي يشعر فيها الإنسان بأنه فقد بوصلته. وهذا الاعتراف يمنح النص كثافة علاجية واضحة، قريبة من روح التحليل النفسي الإنساني عند Carl Rogers، الذي كان يؤكد أن النضج الحقيقي يبدأ حين يتصالح الإنسان مع ضعفه بدل إنكاره، ويجد ذاته في مواجهة مشاعره بدلاً من الانغلاق عليها. كما تتقاطع هذه الرؤية مع مقاربات Abraham Maslow حول تحقيق الذات، حيث يصبح الاعتراف بالهشاشة خطوة أساسية نحو النمو النفسي والاكتمال الداخلي، لا علامة على الفشل أو القصور.

كما أن حضور الصمت في الكتاب ليس عابرا. الصمت هنا ليس فراغا بل مساحة تأمل، وشرطا لفهم أعمق للذات والعالم. في كثير من المقاطع يبدو الصمت وكأنه لغة ثانية، أصدق من الكلام. وهذا يذكّرنا بما قالته : “ما لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، ينبغي الصمت حياله.” غير أن صمت هذا الكتاب ليس صمت العجز، بل صمت الحكمة التي تعرف متى تتكلم ومتى تنصت.

يشتغل النص على مفهوم الزمن بطريقة لافتة. الزمن هنا ليس مجرد تعاقب لحظات، بل عنصر فاعل في تشكيل المعنى. الجراح تحتاج وقتا كي تلتئم، والأفكار تحتاج مسافة كي تنضج، والإنسان يحتاج أعواما ليصير ما هو عليه. هذه الرؤية الزمنية تقارب ما ذهب إليه حين ميّزت بين الزمن الفيزيائي والزمن المعاش، معتبرة أن الوعي يعيش في “المدة” لا في الثواني والدقائق.

أسلوبيا، تواصل الكاتبة اعتماد الجملة القصيرة المكثفة، التي تشبه أحيانا الأقوال المأثورة، لكنها تظل متجذّرة في تجربة شخصية واضحة. هذا الأسلوب يمنح النص إيقاعا داخليا هادئا، ويجعل القراءة أقرب إلى جلسة تأمل منها إلى متابعة سرد تقليدي. القارئ لا يندفع من فقرة إلى أخرى بل يتوقف، يعيد القراءة، ويقارن بين ما كُتب وما عاشه هو نفسه.

إن الكتاب ينجح في أداء وظيفة مزدوجة: فهو من جهة شهادة ذاتية على مسار إنساني مليء بالتحولات، ومن جهة أخرى مرآة وجودية، تعكس أسئلة القارئ أكثر مما تقدّم له أجوبة جاهزة. إنه نص يدرّبنا على الإصغاء إلى أنفسنا، وعلى رؤية الحياة بوصفها سلسلة دروس غير مكتوبة، لا تُفهم إلا بعد المرور بها.

يتأكد لنا أن ما تعلّمته من الحياة ليس كتاب نصائح، بل كتابة تأملية تتغذى من الفقد، وتستثمر الألم في بناء معنى أوسع للوجود. إنه يذكّرنا في عمقه، بأن الإنسان لا يُقاس بما يملكه بل بما تجاوزه، وبما تعلّمه من عثراته.

وفي هذا المنعطف من القراءة، يبدأ الكتاب في الكشف عن طبقته الأعمق: تلك التي لا تكتفي بوصف التجربة، بل تُحوّلها إلى رؤية أخلاقية وأنثروبولوجية للإنسان. هنا لا يعود الألم مجرد حادث عابر، ولا تصبح الحكمة خلاصة شخصية فقط، بل يغدو النص محاولة صامتة لإعادة تعريف معنى أن نكون بشرا في عالم هشّ متقلّب ومثقل بالخذلان.

الإنسان الذي يخرج من صفحات هذا الكتاب ليس بطلاً أسطوريا، ولا ذاتا منتصرة على الدوام، بل كائنا قَلِقا، متردّدا، يتعلّم ببطء كيف يسكن جراحه بدل أن يفرّ منها. وهذا التصوير يلتقي بعمق مع تصور للذات بوصفها مشروعا مفتوحا، لا يكتمل إلا عبر المعاناة والاختيار. فالكاتب لا يحتفي باليقين، بل يكتب من داخل الشك ولا يمجّد الاستقرار، بل يعترف بأن القلق هو رفيق الطريق.

يشتغل الكتاب في صمت على ما يمكن تسميته “أخلاق الهشاشة”. فالهشاشة هنا ليست نقصا ينبغي تجاوزه بسرعة، بل شرطا أصيلا للإنسانية. إن الاعتراف بالضعف يصبح مدخلا إلى التعاطف وإلى فهم الآخر، وإلى بناء علاقة أكثر صدقا مع الذات. وهذا ما يذكّرنا مباشرة بفلسفة حول “المواقف الحدّية”: تلك اللحظات التي يواجه فيها الإنسان الموت أو الفقد أو الألم، فينكشف له معنى وجوده دون وسائط.

ويبرز حضور الآخر بوصفه مرآة للذات. فالكتاب لا يقدّم تجربة فردية منغلقة، بل يلمّح باستمرار إلى أن الإنسان لا يُعرَف إلا في علاقته بغيره. الخيبة تأتي غالبا من الناس كما يأتي الشفاء أيضا عبرهم. وهذه الجدلية الدقيقة بين الجرح والعلاقة تجد صداها في فكر Emmanuel Levinas، الذي رأى أن وجه الآخر ليس مجرد مظهر خارجي، بل نداء أخلاقي يحمّلنا مسؤولية لا يمكن التهرّب منها، ومسؤولية تتجاوز الذات لتصبح محورا للتجربة الإنسانية بأسرها. يبرز الكتاب كمساحة للتأمل في العلاقة بالآخر، حيث الألم والتعاطف والصداقة ليست مجرد أحداث، بل أدوات معرفية وأخلاقية تُعيد تشكيل فهم الإنسان لنفسه وللعالم المحيط به.

إن العفو في هذا الكتاب ليس فعلاً عاطفيا لحظيا، بل مسارا طويلا من التفكيك الداخلي. الكاتب يدرك أن الغضب أثقل من الألم، وأن الحقد يستهلك الروح ببطء. لذلك تتحوّل المصالحة مع الماضي إلى شرط للسلام الداخلي. هنا يلتقي النص مع تصور للعلاقة الأصيلة “أنا–أنت”، حيث لا يكون الآخر موضوعا، بل حضورا حيا، ولا تصبح العلاقة امتلاكا بل لقاءً.

يبين الكتاب صورة للكرامة الإنسانية التي لا تقوم على الإنجاز أو الاعتراف الاجتماعي، بل على القدرة على النهوض بعد السقوط. الكرامة هنا داخلية صامتة، لا تحتاج إلى تصفيق. وهذا المعنى يتقاطع بعمق مع الرؤية التي تجعل من احترام الحياة أساسا لكل أخلاق ممكنة، حيث تبدأ الإنسانية الحقة حين نعامل ذواتنا والآخرين برفق، لا بقسوة.

على المستوى النفسي الوجودي، تتجلّى في الكتاب ملامح واضحة لما يسميه شجاعة مواجهة الحقائق الكبرى”: العزلة، الموت، الحرية، والمعنى. الكاتب لا يتحدث عن هذه القضايا نظريا، لكنه يلامسها عبر تفاصيل صغيرة: لحظة خيبة، كلمة قاسية، فراق غير متوقّع. وهذه التفاصيل هي التي تكشف في العمق عن البنية المأساوية للوجود الإنساني.

كما لا تخلو النصوص من تلك النبرة السوداوية الخفيفة التي تذكّر أحيانا بشذرات ، حيث التعب من العالم لا يقود إلى الانتحار الرمزي، بل إلى نوع من الصفاء القاسي الذي يرى الأشياء كما هي بلا أوهام. غير أن الكاتب بخلاف سيوران، يظل متمسّكا بخيط رفيع من الأمل، أمل لا يقوم على التفاؤل الساذج، بل على الإصرار الهادئ على الاستمرار.

ما يميّز هذا الكتاب في هذا المستوى تحديدا هو أنه لا يقترح نموذجا مثاليا للإنسان، بل يرسم ملامح إنسان قابل للكسر، قابل للشفاء وقابل لإعادة البناء. الإنسان هنا ليس جوهرا ثابتا، بل حركة دائمة بين السقوط والنهوض، بين الانغلاق والانفتاح وبين الخوف والشجاعة.

ويتحوّل ما تعلّمته من الحياة إلى نصّ أنثروبولوجي ضمني، يقدّم تعريفا هادئا للإنسان المعاصر: إنسان مرهق، واعٍ؛ مجروح، لكنه قادر على الحب؛ ضائع أحيانا، لكنه لا يكفّ عن البحث عن معنى.

إننا أمام كتابة لا تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تمارس نوعا من التواضع المعرفي، حيث تصبح الحكمة أثرا جانبيا للألم، لا هدفا مُسبقا. وهنا تكمن القيمة الفلسفية العميقة للكتاب: في كونه لا يُعلّم الحياة، بل يتعلّم منها.

يغدو من الضروري التوقّف عند البعد الجمالي للكتاب، لا بوصفه زخرفة لغوية، بل باعتباره جزءا من المعنى ذاته. فاللغة هنا ليست أداة نقل محايدة، وإنما فضاء تتشكّل داخله التجربة، وتُعاد صياغتها في هيئة وعي. إن ما ينجزه هذا النص في جوهره هو تحويل اليومي إلى قابل للتأمل، والهشّ إلى قابل للفهم، والعابر إلى أثر.

الأسلوب كما سبقت الإشارة يقوم على الجملة القصيرة، المكثفة، القريبة من الحكمة أو الشذرة. وهذا الاختيار ليس اعتباطيا، بل ينسجم مع طبيعة التجربة التي يكتب منها المؤلف: تجربة متقطعة، غير خطية، مليئة بالانكسارات الصغيرة. فالحياة لا تُعاش في فصول مرتّبة، بل في لحظات مبعثرة، والكاتب يلتقط هذه اللحظات كما هي، دون محاولة إخضاعها لبناء سردي كلاسيكي.

هنا يمكن استحضار تصور للكتابة بوصفها تمرينا على العيش، لا مشروعا نظريا مغلقا. فكما كتب مونتين “أنا موضوع كتابي”، حيث تبدو مؤلفة ما تعلّمته من الحياة وكأنها تقول الشيء نفسه، ولكن بلغة معاصرة: الذات ليست مركزا للادعاء، بل حقل اختبار للمعنى.

ويشتغل النص على علاقة دقيقة بين الذاكرة والخيال، بين ما وقع فعلا وما يُعاد تشكيله عبر الكتابة. فالتجربة لا تُنقل كما هي، بل تمرّ عبر مصفاة الوعي فتتحوّل إلى صور داخلية ودلالات رمزية. وهذا ما يجعل الكتاب قريبا، في روحه من تأملات حول “شعرية التجربة”، حيث لا يكون الخيال هروبا من الواقع، بل طريقة أعمق لامتلاكه.

اللغة هنا لا تسعى إلى الإبهار البلاغي بل إلى الصدق الوجودي. إنها لغة شفافة لكنها ليست ساذجة؛ بسيطة، لكنها مشحونة بطبقات من الإحساس. وهذا ما يمنح النص قدرة على لمس القارئ دون وساطة، كأنه يخاطبه مباشرة من منطقة إنسانية مشتركة. ففي هذا المستوى، تقترب الكتابة من ما سماه لذة النص”: تلك اللحظة التي لا نقرأ فيها الكلمات فقط، بل نشعر بأن النص يقرأنا أيضا.

أما من حيث موقع الكتاب ضمن أدب الحكمة المعاصر، فأمكننا أن نقول إنه ينتمي إلى تقليد واسع يمتد من الاعترافات الفلسفية القديمة إلى أدبيات التنمية الذاتية الحديثة، لكنه يتميّز عن الكثير من هذا الإنتاج بغياب النبرة الوعظية، وبحضور تجربة حقيقية خلف الكلمات. فالكاتبة لا تقول للقارئ: افعل كذا لتكون سعيدا، بل تشاركه ما عاشته، وتترك له حرية التأويل.

وهنا تكمن إحدى نقاط القوة الأساسية في الكتاب: أنه لا يقدّم وصفات جاهزة، بل يفتح مسارات للتفكير. إنه نصّ يثق بذكاء القارئ، ولا يسعى إلى قيادته من يده. وهذا ما يمنحه قيمة فلسفية تتجاوز سطح النصائح، لتدخل مجال الأسئلة الكبرى: كيف نعيش؟ كيف نتصالح مع خساراتنا؟ كيف نحافظ على إنسانيتنا في عالم قاسٍ؟.

كما أن الكتاب ينجح بهدوء في بناء ما يمكن تسميته “أخلاق العناية بالذات”، حيث تصبح الكتابة نفسها ممارسة علاجية، وتتحوّل القراءة إلى شكل من أشكال المصاحبة الروحية. القارئ لا يخرج من هذه النصوص محمّلا بأفكار مجردة، بل بشعور خفيف بالاتساع الداخلي، وبإحساس أن ما يمرّ به ليس استثناءً.

إن ما تعلّمته من الحياة هو كتاب صغير في حجمه، لكنه واسع في أفقه الدلالي. قوته لا تكمن في تعقيد أطروحاته، بل في صدق تجربته. إنه يكتب من منطقة وسطى بين الفلسفة والأدب وعلم النفس، دون أن يدّعي الانتماء الكامل لأيٍّ منها، وهذا ما يمنحه مرونته الخاصة.

هو نصّ عن الإنسان حين يُجرَّد من أقنعته عن الذات حين تواجه مرآتها، وعن الحياة حين تُرى لا كمسار للنجاح فقط، بل كسلسلة دروس قاسية وضرورية. كتاب يذكّرنا بأن الحكمة لا تُدرَّس بل تُعاش؛ وأن التجربة مهما كانت موجعة، تحمل دائما إمكانية التحوّل.

إنه كتاب يُقرأ ببطء ويُعاد إليه في لحظات التعب، لأنه كُتب من تلك المسافة الدقيقة بين الانكسار والنهوض، حيث تتكوّن أصدق أشكال المعرفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى