
بين الشذرة والوعي:
قراءة فلسفية نقدية في كتاب
شذرات الفكر العميق – بين الوعي والتغيير لرفيقة التعلي
د. حمزة مولخنيف
ليس من اليسير أن يُمسك الكاتب بخيط الوعي في زمن تتكاثر فيه الأصوات، وتتناسل فيه الوصفات الجاهزة للسعادة، وتُختزل فيه التجربة الإنسانية في عبارات تحفيزية سريعة الاستهلاك. لذلك فإن الاقتراب من كتاب شذرات الفكر العميق – بين الوعي والتغيير يفرض منذ البدء سؤال الجنس الأدبي والمعرفي الذي ينتمي إليه: أهو كتاب تنمية ذاتية بالمعنى الشائع؟ أم محاولة تأملية في الوجود الفردي؟ أم شذرات فلسفية تُراكم المعنى عبر الاقتصاد اللغوي وكثافة الإشارة؟.
الكاتبة المغربية الشابة رفيقة التعلي تدخل هذا الحقل بجرأة هادئة، لا تدّعي فيه تأسيس نسق فلسفي، ولا تزعم امتلاك مفاتيح الخلاص، بل تكتفي — بوعي أو بدونه — بأن تضع القارئ أمام مرآة ذاته. وهذه نقطة القوة الأساسية في الكتاب: إنه لا يخاطب العقل بوصفه جهازا منطقيا فقط، بل يستثير الوجدان ويستدعي التجربة الشخصية ويُراهن على ما يمكن تسميته “الوعي العملي”، ذلك الوعي الذي يتشكّل في منطقة التماس بين الفكرة والحياة.

الكتاب مبني على شذرات قصيرة، أشبه بما نجده في تقاليد الكتابة التأملية منذ حكماء الشرق إلى الفلاسفة الحداثيين. والشذرة هنا ليست ضعفا بنيويا، بل اختيارا دلاليا؛ لأنها تعبّر عن قناعة ضمنية بأن الحقيقة لا تُعطى دفعة واحدة، بل تُلتقط على هيئة ومضات. هذا المنحى يذكّرنا بما قاله فريدريش نيتشه حين اعتبر أن الأفكار الكبرى كثيرا ما تولد في شكل شذرات، وأن الفلسفة ليست بناءً هندسيا مغلقا بقدر ما هي مسار مفتوح للتأمل. فالشذرة ليست اختصارا مخلا، بل هي تكثيف للخبرة.
تدور معظم نصوص الكتاب حول ثيمات مركزية: الوعي، التغيير، الصبر، إدارة الذات، التوازن النفسي، قبول الفشل، مقاومة جلد الذات، والانفتاح على التعلم المستمر. وهي موضوعات تبدو مألوفة للوهلة الأولى، لكنها تُقدَّم بلغة شفافة خالية من التعقيد الاصطلاحي، قريبة من الحسّ اليومي. غير أن بساطة اللغة لا تعني فقر الدلالة؛ فخلف هذه العبارات المقتضبة يكمن تصور ضمني للإنسان باعتباره مشروعا مفتوحا، لا كيانا مكتملا.
يلتقي الكتاب — وإن بصورة غير مباشرة — مع أطروحات كارل غوستاف يونغ حول عملية التفرد، حيث يصبح الوعي بالذات رحلة طويلة من المصالحة مع الظلّ الداخلي، ومع مناطق الضعف قبل القوة. كثير من الشذرات تؤكد هذا المعنى حين تدعو القارئ إلى قبول أخطائه، والنظر إلى الفشل بوصفه معبرا للتعلّم، لا وصمة نهائية. هنا تتحول الكتابة إلى ممارسة علاجية ناعمة، لا تقدم تشخيصا سريريا، لكنها تفتح فضاء للتأمل في التجربة النفسية.
ما يلفت في هذا العمل هو رهانه الصريح على الداخل: “التغيير يبدأ من الداخل”، عبارة تتكرر بأشكال مختلفة، وتؤسس لفلسفة قوامها المسؤولية الفردية. هذا الموقف يقارب في عمقه الفكرة الوجودية التي بلورها جان بول سارتر حين اعتبر الإنسان محكوما بالحرية، ومطالبا بأن يصنع ذاته عبر اختياراته. غير أن الكتاب لا يسلك المسار الوجودي الراديكالي، بل يخفف من حدته بلغة تصالحية تُراعي هشاشة القارئ، وتخاطبه بوصفه كائنا يتعثر بقدر ما يتقدم.
من الناحية الأسلوبية، تعتمد الكاتبة جُملاً تقريرية مباشرة، أقرب إلى الوصايا أو الإرشادات، لكنها تتجنب النبرة الوعظية الثقيلة. إنها لا تتكلم من علٍ، بل من داخل التجربة، وهو ما يتضح من الإحالات المتكررة إلى الحياة اليومية، وإلى ضغوط العمل والعلاقات والخوف والقلق. هذه الكتابة لا تزعم الموضوعية الباردة، بل تنطلق من ذات كاتبة تبحث عن اتزانها، وتدعو القارئ إلى البحث عن اتزانه الخاص.
غير أن القراءة النقدية تقتضي الإشارة إلى أن الكتاب رغم صدقه العاطفي، لا يغوص كثيرا في تفكيك المفاهيم التي يستعملها: الوعي، التوازن، النجاح، النمو. فهي تُستعمل غالبا بوصفها بداهات مشتركة، لا موضوعات للتحليل الفلسفي الدقيق. وهذا ما يجعل العمل أقرب إلى أدب التحفيز التأملي منه إلى الكتابة الفلسفية بالمعنى الأكاديمي. ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من قيمة هذا الخيار؛ فليس كل خطاب مطالبا ببناء جهاز مفاهيمي صارم. أحيانا تكون وظيفة النص هي أن يوقظ السؤال، لا أن يُنهيه.
إن شذرات الفكر العميق يشتغل على إعادة تربية الحسّ الوجودي للقارئ: أن يتعلم الإصغاء إلى ذاته، أن يضع حدودا صحية، أن يتصالح مع الزمن وأن يفهم النجاح بوصفه مسارا لا لحظة تتويج. وهذا ما يجعل الكتاب وثيقة صغيرة عن إنسان العصر الرقمي، المرهق المتشظي، الباحث عن معنى وسط فائض المعلومات.
ولعل القيمة الأساسية لهذا العمل تكمن في كونه محاولة صادقة لإعادة الاعتبار إلى البطء، إلى التأمل وإلى الإصغاء الداخلي. ففي عالم يُقاس فيه كل شيء بالإنتاجية، تأتي هذه الشذرات لتقول إن الوعي نفسه يحتاج إلى رعاية، وإن النفس ليست آلة تُصلَح بتعليمات سريعة.
إذا تجاوزنا الانطباع الأولي الذي يتركه كتاب بوصفه مجموعة نصائح حياتية، أمكننا أن نقرأه بوصفه محاولة لبناء “أخلاق يومية” جديدة، قوامها الوعي الذاتي والمسؤولية الفردية، والتصالح مع الهشاشة الإنسانية. فالكاتبة لا تكتب من موقع المُنظّر، بل من موقع الذات التي تتلمس طريقها وسط عالم متسارع، وتعرض تجربتها في صيغة شذرات قصيرة، أشبه برسائل داخلية موجَّهة إلى قارئ يُفترض فيه أنه يعيش القلق نفسه.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره تمرينا على «فلسفة الحياة اليومية»، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة — الصبر، إدارة الوقت، قبول النقد، الاعتراف بالخطأ — إلى موضوعات تأملية عميقة. هذا المنحى يذكّر بما ذهب إليه Pierre Hadot حين اعتبر أن الفلسفة القديمة لم تكن مجرد تنظير ذهني، بل كانت «أسلوب عيش»، أي ممارسة روحية وأخلاقية تروم تهذيب النفس وتربية النظرة إلى العالم.
شذرات رفيقة التعلي تتحرك دون تصريح مباشر، داخل هذا الأفق نفسه: فهي لا تنشد الحقيقة المجردة، بقدر ما تبحث عن كيفية العيش بقدر أوفر من الاتزان، وعن حكمة تتجسد في اليومي، لا في المفاهيم المعزولة.غير أن هذا الاتزان لا يُقدَّم بوصفه حالة مثالية ثابتة، بل بوصفه عملية مستمرة من المراجعة والتعلم. كثير من مقاطع الكتاب تؤكد أن الخطأ جزء من الطريق، وأن الفشل ليس نهاية المسار، بل لحظة تربوية. هنا تتقاطع رؤية الكاتبة مع ما يسميه عالم النفس الإنساني Carl Rogers ب“النمو الشخصي”، حيث يصبح قبول الذات شرطا لتحولها. فالكتاب يدعو القارئ إلى أن يكون لطيفا مع نفسه وأن يتخلى عن جلد الذات المستمر، وأن يرى في التجربة — مهما كانت قاسية — إمكانية للفهم الأعمق.
لكن ما يميز هذا العمل هو إصراره على مركزية الداخل. التغيير في تصور الكاتبة لا يبدأ من الخارج ولا من الظروف، بل من طريقة التفكير، ومن العلاقة التي يقيمها الإنسان مع ذاته. هذه الفكرة تضع الكتاب في تماس غير مباشر مع التراث الرواقي، خصوصا مع تصور الذي يرى أن ما يعذبنا ليس الأحداث نفسها، بل أحكامنا عليها. فالشذرات تحث القارئ على إعادة تأطير تجاربه، وعلى النظر إلى التحديات باعتبارها فرصا للتعلم، لا تهديدات للهوية.
ومع ذلك، فإن قراءتنا تفرض طرح سؤال العمق المفهومي. فالكتاب رغم كثافة موضوعاته، لا يدخل في تحليل جذري لمفاهيم مثل “الوعي” أو “النجاح” أو “التوازن”. هذه المفاهيم تُستعمل في سياق تداولي عام، أقرب إلى الخطاب التحفيزي منه إلى البناء الفلسفي الصارم. وهو ما يجعل النص مفتوحا على جمهور واسع، لكنه في الوقت نفسه يحدّ من قدرته على مساءلة البنى الاجتماعية والثقافية التي تنتج القلق والاغتراب. فالمشكلة تُردّ غالبا إلى الفرد، بينما تُترك شروطها الموضوعية في الظل. إن الكتاب يعبّر عن نزعة معاصرة شائعة: التركيز على إصلاح الذات بدل مساءلة العالم. وهذا ليس مأخذا أخلاقيا بقدر ما هو توصيف لحدود الخطاب. فالقارئ يجد نفسه مدعوا إلى تطوير مهاراته وضبط مشاعره وتحسين علاقاته، لكنه لا يُدعى كثيرا إلى التفكير في البُنى الاقتصادية أو الثقافية التي تُولّد الضغط واللايقين. إنها فلسفة فردانية ناعمة، تُعوّل على التغيير الشخصي بوصفه المدخل الأساسي للتحسن.
على مستوى اللغة، تعتمد الكاتبة أسلوبا مباشرا خاليا من الزخرفة البلاغية الثقيلة. الجملة قصيرة واضحة ومشحونة بنبرة تشجيعية. هذا الأسلوب يخلق نوعا من القرب العاطفي بين النص والقارئ، لكنه أحيانا يقع في التكرار الدلالي، إذ تعود الأفكار نفسها بصيغ مختلفة: الصبر، التفاؤل، المرونة، الاستمرار. غير أن هذا التكرار يمكن قراءته بوصفه إستراتيجية تربوية، تقوم على ترسيخ المعنى عبر الإعادة، كما تفعل النصوص الإرشادية والروحية. ومن اللافت أن الكتاب يمنح مكانة خاصة للزمن: احترام الوقت، الاستمتاع باللحظة الراهنة، عدم الارتهان للماضي، وعدم القلق المفرط بشأن المستقبل. هنا نجد صدى واضحا لفكرة “الآن” التي شدد عليها حين ربط أصالة الوجود بالحضور الواعي في العالم. صحيح أن الكاتبة لا تدخل في تعقيدات الوجودية، لكنها تلتقط الجوهر العملي للفكرة: أن الإنسان لا يعيش إلا في الحاضر، وأن الإفراط في اجترار الماضي أو استباق المستقبل يبدد طاقته النفسية. يكشف الجزء الأوسط من الكتاب عن مشروع أخلاقي بسيط، لكنه صادق: بناء ذات قادرة على التكيف، واعية بحدودها ومتصالحة مع نقصها. إنه خطاب لا يدّعي الثورة على العالم، بل يسعى إلى ترميم الداخل. وقد تكون هذه بالضبط هي وظيفة هذا النوع من الكتابة في زمن هش: أن يمنح القارئ أدوات أولية للبقاء النفسي، وأن يذكّره بأن النمو ليس قفزة مفاجئة، بل تراكم بطيء لخطوات صغيرة. إن شذرات الفكر العميق نص ينتمي إلى أدب العناية بالذات، لكنه مشبع بحسّ إنساني واضح، يبتعد عن الصيغ التجارية الفجة، ويقترب من التأمل الهادئ. إنه لا يقدم أجوبة نهائية، بل يقترح مسارات، ويترك للقارئ حرية أن يصوغ تجربته الخاصة. إن الاقتراب من من زاوية نفسية وأنثروبولوجية يفتح أفقا أعمق لفهم صورة الإنسان التي يقترحها الكتاب. فالشذرات على بساطتها الظاهرة، تبني نموذجا ضمنيا للكائن البشري: إنسان هشّ، قلق، قابل للانكسار، لكنه في الوقت نفسه يمتلك قدرة كامنة على التعافي وإعادة التشكل. الكاتبة تكتب من داخل هذا التوتر: بين الضعف والقوة، بين الخوف والأمل وبين السقوط والنهوض. الإنسان عندها ليس ذاتا مكتفية، بل مشروعا دائم الصيرورة. وهذه الرؤية تضع الكتاب في تماس مع علم النفس الإنساني، حيث لا يُنظر إلى الفرد بوصفه موضوعا للعلاج فقط، بل باعتباره طاقة قابلة للنمو. هنا يبرز التقاطع مع أطروحات حول تحقيق الذات، إذ يصبح الوعي بالاحتياجات الداخلية والبحث عن المعنى، شرطين أساسيين للسلام النفسي. كثير من شذرات الكتاب تدور حول إعادة بناء العلاقة مع الذات: تقبّل الأخطاء، احترام الحدود الشخصية، تجنّب المقارنات السلبية، الاعتراف بالإنجازات الصغيرة. هذه العناصر تشكّل ما يمكن تسميته “أخلاقيات الرعاية الذاتية”، وهي أخلاقيات ظهرت بقوة في الفكر المعاصر بوصفها ردا على ثقافة الاستنزاف والضغط المستمر. فالكتاب لا يدعو إلى البطولة الخارقة، بل إلى التوازن الممكن؛ لا يمجّد القسوة على النفس، بل يراهن على اللطف الداخلي. ومن زاوية التحليل النفسي، يمكن فهم وقراءة هذه الدعوة إلى التصالح مع الذات بوصفها محاولة لتخفيف وطأة “الأنا الأعلى” الصارم، ذلك الصوت الداخلي الذي لا يكفّ عن إصدار الأحكام. تلتقي الشذرات مع رؤية سيغموند فرويدحين اعتبر أن كثيرا من معاناة الإنسان نابعة من صراعه الداخلي بين الرغبات والمعايير. غير أن الكتاب لا يغوص في هذه البنية النظرية، بل يكتفي بتقديم بدائل عملية: الهدوء، الصبر، إعادة ترتيب الأولويات. لكن الأهم من ذلك هو أن النص يعيد تعريف النجاح. النجاح هنا ليس تراكم إنجازات خارجية، بل حالة انسجام داخلي. هذه النقلة من الخارج إلى الداخل تعبّر عن تحوّل ثقافي أوسع، حيث لم يعد الإنسان الحديث يكتفي بالمكانة الاجتماعية أو المكاسب المادية، بل صار يبحث عن معنى شخصي لتجربته. وهذا ما يجعل الكتاب وثيقة دالة على روح زمنه: زمن الفرد الباحث عن ذاته وسط عالم شديد السيولة. أنثروبولوجيا، يقدم الكتاب صورة للإنسان المعاصر بوصفه كائنا يعيش تحت ضغط التغير السريع: علاقات هشة، توقعات عالية، مستقبل غامض. لذلك تتكرر في الشذرات مفردات مثل “المرونة”، “التكيف”، “الاستمرار”، وكأن النص يدرّب القارئ على مهارات البقاء النفسي. هنا نستحضر مفهوم “المرونة النفسية” كما تناوله علماء النفس المعاصرون، أي القدرة على امتصاص الصدمات وإعادة تنظيم الحياة بعد الأزمات. الكتاب بهذا المعنى، ليس مجرد مجموعة نصائح، بل خطاب مقاومة ناعمة ضد الانهيار الداخلي.
غير أن هذا التركيز على الفرد يطرح إشكالا نقديا مشروعا: إلى أي حد يمكن تحميل الذات وحدها مسؤولية التوازن، في عالم تنتج فيه البُنى الاقتصادية والثقافية قدرا هائلا من القلق؟ فالكتاب يميل إلى معالجة الأعراض أكثر من تفكيك الأسباب. القارئ مدعوّ إلى تحسين ذاته، لكن لا يُسأل كثيرا عن الشروط الاجتماعية التي تُنهك هذه الذات. وهذا ما يجعل العمل رغم عمقه الإنساني يتحرك داخل أفق فرداني، ينسجم مع منطق العصر النيوليبرالي الذي يُحمّل الفرد عبء الخلاص. ولا ينبغي إغفال القيمة العلاجية لهذا الخطاب. فالكثير من القراء لا يبحثون عن تحليل بنيوي للمجتمع بقدر ما يبحثون عن كلمات تعينهم على الاستمرار. والكاتبة تنجح إلى حد بعيد في أداء هذا الدور. لغتها المباشرة ونبرتها الدافئة، تمنح القارئ شعورا بالمرافقة، كأن النص يقول لك: لست وحدك في هذا التعب. ومن الجوانب اللافتة أيضا حضور الزمن بوصفه عنصرا نفسيا مركزيا: التركيز على اللحظة الراهنة والتحرر من أسر الماضي وعدم الارتهان لقلق المستقبل. هذه الرؤية تلتقي مع مقاربات التأمل المعاصر، ومع أطروحات العلاج المعرفي السلوكي التي تؤكد أهمية الوعي بالحاضر. لكن الكاتبة تصوغ ذلك بلغة وجدانية لا تقنية، ما يجعل الفكرة أقرب إلى القلب منها إلى المختبر. إن شذرات الفكر العميق يقدّم أنثروبولوجيا مصغّرة للإنسان الباحث عن الطمأنينة. إنه يرسم ملامح ذات تتعلم ببطء كيف تحب نفسها وكيف تضع حدودها وكيف تمشي في الحياة بخطوات أقل قسوة. وهذه الصورة رغم بساطتها، تحمل قيمة رمزية كبيرة في زمن يتغذّى على التسريع والإرهاق. الكتاب لا يعد بالخلاص ولا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يقترح ممارسة يومية للوعي: أن تصغي، أن تتروّى، أن تعترف بضعفك، وأن ترى في كل تجربة فرصة للفهم. وهذه الممارسة، في حد ذاتها، فعل مقاومة هادئة ضد التفكك الداخلي. إن الكتاب لا يُقاس بقيمته من زاوية البناء النظري الصارم، بل من زاوية أثره الوجداني والمعرفي في القارئ. إنه نصّ لا يطمح إلى تأسيس مدرسة فلسفية، ولا يدّعي إنتاج مفاهيم جديدة، بل يسعى — في تواضع واضح — إلى مرافقة الإنسان في هشاشته اليومية، وتذكيره بأن الوعي ليس فكرة مجرّدة، بل ممارسة مستمرة. الكاتبة تنتمي إلى جيل يكتب من داخل القلق المعاصر، جيل لم يعد يثق كثيرا في الأنساق الكبرى ولا في السرديات الشاملة، بل يبحث عن خلاصات صغيرة قابلة للعيش. ومن هنا تأتي صيغة “الشذرة” بوصفها الشكل الأنسب للتعبير: جملة قصيرة، فكرة مركزة، وموقف أخلاقي مباشر. هذا الاختيار الأسلوبي يعكس تحوّلا عميقا في الذائقة الثقافية، حيث لم يعد القارئ يميل إلى المطوّلات النظرية بقدر ما يبحث عن إشارات سريعة، لكنها صادقة. ومن منظور نقدي تركيبي، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه يقع في منطقة وسطى بين أدب التنمية الذاتية والتأمل الفلسفي. فهو يستعير من الأول لغته التحفيزية، ومن الثاني روحه التأملية، دون أن ينغمس كليا في أيٍّ منهما. وهذه “المنطقة الرمادية” هي في الآن ذاته مصدر قوته وحدّه. قوته لأنه يخاطب جمهورا واسعا، وحدّه لأنه لا يخوض في مساءلة جذرية للمفاهيم التي يستعملها. إن القيمة الإنسانية للنصوص لا يمكن إنكارها. فالكتاب يشتغل على إعادة الاعتبار لما هو بسيط ومهمل: الإصغاء للنفس، احترام الوقت، قبول النقص، الاحتفاء بالإنجازات الصغيرة، والتعامل مع الفشل بوصفه جزءا من التجربة. هذه القيم على بساطتها، تمثل نواة أخلاقية يمكن أن تؤسس لوعي جديد، أقل عنفا مع الذات وأكثر رحمة بالآخر. في هذا السياق، يحضر — ولو بصورة غير مباشرة — صدى المقولة الشهيرة: “الحرية هي فهم الضرورة”. فالكتاب يدعو القارئ إلى أن يفهم شروطه النفسية، وأن يتعامل معها بوعي، بدل أن يكون أسيرا لانفعالاته. كما نجد تقاطعا مع رؤية حين ربط بين الصحة النفسية والقدرة على الحب والعمل والمعنى، إذ إن الشذرات تعيد باستمرار التأكيد على أهمية العلاقات الإنسانية والعمل الواعي والامتنان للحياة. غير أن هذه القراءة تفرض الإشارة إلى أن الكتاب يتحرك داخل أفق فرداني واضح. فمعظم الحلول المقترحة تظل محصورة في دائرة الذات: غيّر تفكيرك، نظّم وقتك، تقبّل أخطاءك، كن مرنا. وهي نصائح ثمينة على المستوى الشخصي، لكنها لا تفتح نقاشا حول الشروط الاجتماعية التي تُنتج القلق والاغتراب: اقتصاد السرعة، هشاشة العمل، تآكل الروابط الجماعية. بهذا المعنى ينسجم النص مع روح عصر يُحمّل الفرد مسؤولية التكيّف، بدل مساءلة البُنى التي تُرهقه.
لكن هل يُطلب من كتاب كهذا أن يقوم بما تقوم به السوسيولوجيا أو الفلسفة النقدية؟ ليس بالضرورة. فلكل خطاب مجاله ووظيفته. وظيفة هذا العمل هي ملامسة الجرح الداخلي، لا تشريح الجسد الاجتماعي. وهو في ذلك ينجح إلى حدّ معتبر، لأنه يمنح القارئ لغة للتعبير عن تعبه، وأدوات أولية لترميم ذاته. ومن الناحية الأدبية يظل الأسلوب مباشرا خاليا من التعقيد البلاغي، لكنه مشحون بصدق التجربة. قد يقع أحيانا في التكرار، وقد تبدو بعض الشذرات متقاربة في المعنى، غير أن هذا التكرار نفسه يعكس طبيعة الكتاب كدليل مرافق، لا كنصّ يُقرأ مرة واحدة ثم يُطوى. إنه أقرب إلى رفيق يومي، يعود إليه القارئ في لحظات الإنهاك أو الشك. إن شذرات الفكر العميق – بين الوعي والتغيير محاولة جادّة لإعادة وصل الإنسان بذاته في زمن الانفصال. إنه كتاب لا يَعِد بالتحوّل السريع، بل يدعو إلى التغيير البطيء، المتراكم، الذي يبدأ من الداخل وينعكس — تدريجيا — على الخارج. وهذا في حد ذاته موقف فلسفي، حتى وإن لم يُصَغ بلغة المفاهيم.
القيمة الحقيقية لهذا العمل تكمن في كونه يفتح نافذة صغيرة على الوعي، ويذكّر بأن الحياة ليست سباقا دائما، بل مسارا يحتاج إلى توقّف وتأمل. إنه ينتمي إلى تلك الكتابات التي لا تغيّر العالم دفعة واحدة، لكنها قد تغيّر قارئا واحدا في لحظة صدق، وذلك — في ميزان الثقافة — ليس أمرا هيّنا.

إن شذرات الفكر العميق يشتغل على إعادة تربية الحسّ الوجودي للقارئ: أن يتعلم الإصغاء إلى ذاته، أن يضع حدودا صحية، أن يتصالح مع الزمن وأن يفهم النجاح بوصفه مسارا لا لحظة تتويج. وهذا ما يجعل الكتاب وثيقة صغيرة عن إنسان العصر الرقمي، المرهق المتشظي، الباحث عن معنى وسط فائض المعلومات


