مقال بقلم الدكتور نــور نــدا أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، والأستاذ الزائر بالجامعات الروسية تواجه مصر ظروفًا وطنية استثنائية ضاغطة، حيث تحديات ومخاطر من مختلف الاتجاهات الخارجية والداخلية، يمكن رصدها في النقاط التالية: أولًا: الوضع الدولي والأمني تهديدات القوى الإرهابية المتاجرة بالدين، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، التي مارست في الماضي كافة أشكال التكفير والإرهاب المسلح في سيناء وبعض المناطق الحدودية وبعض المحافظات. مؤامرات وتحالفات إقليمية تقودها جماعة الإخوان المسلمين، وتدعمها دول تحاول، بمشاريعها، إضعاف وإعاقة النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدولة المصرية. محاولات للضغط على الدولة المصرية من خلال الضغط على النظام الحاكم في السودان. البدء في إنشاء سد النهضة في إثيوبيا، في محاولة لمحاصرة مصر مائيًا وخلق معاناة للشعب المصري، والتأثير سلبًا على مشروعات البنية الاقتصادية المصرية. مشروعان إيراني شيعي وتركي سني يحاولان التمدد وامتلاك وجود عسكري على حساب سيادة الدول العربية المستقلة، مما يدفع المنطقة العربية إلى نزاع طائفي مدمر بدلًا من التعاون العربي المشترك. أنظمة غير مستقرة على امتداد الحدود المباشرة في ليبيا وفلسطين والسودان، تتمركز فيها جماعات مسلحة تخطط للنيل من استقرار وسيادة الدولة الوطنية المصرية. انتهاء عصر القيادة الأمريكية الأحادية، وتمرد أوروبي وروسي ضد الهيمنة الأمريكية والتبعية الكاملة لها، وظهور قوى دولية متعددة الأقطاب مثل روسيا والصين والبرازيل والأرجنتين والهند... إلخ، وطرح نظام اقتصادي عالمي جديد (البريكس) بدلًا من نظام بريتون وودز القديم المسيطر عليه من الولايات المتحدة الأمريكية والمراكز الرأسمالية العالمية (البنك وصندوق النقد الدوليان ومنظمة التجارة العالمية). سياسات أمريكية متهورة وغير متزنة لرئيس أمريكي يفتقد المعرفة بأبسط مفاهيم إدارة العلاقات السياسية الدولية، ويعلن انحيازه الكامل للكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة. تهديدات الكيان الصهيوني ومشروعه الدائم لإضعاف الدولة المصرية وضرب مشروعاتها التنموية. أوضاع غير مستقرة في المحيط العربي، ونزاعات مسلحة تستهدف النيل من سيادة الدولة وقواها ومؤسساتها الوطنية في كل من سوريا والعراق واليمن ولبنان. توتر في العلاقات مع بعض الدول الإقليمية والدولية، التي اعتادت في عهد مبارك التأثير على القرار المصري وخضوعه لإرادتها ومشاريعها السياسية والعسكرية في المنطقة. ثانيًا: الميراث الصعب لفترة 41 عامًا من حكم أنور السادات وحسني مبارك تدهور وضعف وفساد وتخلف أجهزة الدولة، وإهمال وضعف خدمات التعليم والصحة والإعلام والغذاء، وشبه انهيار لمرافق البنية الأساسية من كهرباء وطرق وكباري ومحطات طاقة ومياه وصرف صحي. نمط تنمية اقتصادية تابع للغرب، حيث إن نحو 75% من مكونات التصنيع (آلات ومعدات وخامات وبرامج تشغيل وخبراء ومستشارين... إلخ) تأتي من الخارج، بينما لا يتجاوز المكون المحلي 25%. تربص بعض رجال الأعمال المصريين وعدم تعاونهم الكامل، إذ اعتادوا نهب ثروات الوطن وعدم دفع الضرائب والجمارك وحقوق العمال، ورغبتهم في الانقضاض والسيطرة على السلطة والثروة الوطنية من خلال إضعاف مؤسسة الرئاسة ومحاصرة شخص الرئيس والضغط عليه. عودة ظهور وتغلغل وانتشار رجال لجنة سياسات جمال مبارك ومستشاري البنك وصندوق النقد الدوليين في مفاصل ومراكز اتخاذ القرار، ومحاولاتهم المستميتة لإرجاع النظام القديم بكل مساوئه، الذي أسقطه الشعب المصري. ثالثًا: الإنجازات والإخفاقات خلال سنوات الفترة الرئاسية للرئيس عبد الفتاح السيسي أولًا: الإنجازات رفع سقف التوقعات والأحلام الوطنية والقومية إلى مستويات لم تتحقق منذ الستينيات، وإعادة الروح إلى المشروعات العملاقة، وتحقيق مستوى متقدم من الأمن الفردي للمواطن المصري. الاستمرار في تجديد وإنشاء شبكة ضخمة من الطرق والكباري والأنفاق ومحطات الطاقة الكهربائية والنووية ومحطات وشبكات المياه والصرف الصحي، إلى جانب إنشاء مجموعة ضخمة من صوامع الغلال والقمح على أعلى مستوى من الجودة. حفر قناة السويس الجديدة، وإنشاء عاصمة إدارية جديدة، وتطوير وإنشاء عدة مطارات وموانئ بحرية ومنافذ برية بشكل عصري مشرف. محاولات ما زالت غير كافية لإنشاء شبكات حماية اجتماعية للفئات الأكثر فقرًا في مصر (على سبيل المثال برنامج كرامة وكفالة). البدء في إنشاء شبكة من المساكن الشعبية والقرى لمحدودي الدخل مجهزة بالمرافق المختلفة والأثاث في المحافظات المختلفة. البدء في استزراع ملايين الأفدنة الزراعية، وإنشاء مزارع ضخمة للمواشي والأسماك بمحافظات مصر المختلفة، بغرض تحقيق الأمن الغذائي للمواطن المصري. بدء إنشاء محطة الضبعة النووية بالتعاون مع الجانب الروسي وفق أحدث متطلبات تكنولوجيا التشغيل والأمان، والتي لا تخدم فقط هدف توليد الطاقة الكهربائية، بل تضع مصر على الخريطة النووية بما لها من تطبيقات تنموية في مجالات الصناعة والزراعة والطب والهندسة والتعليم... إلخ. إمداد قواتنا المسلحة بأحدث الأسلحة المتنوعة المصدر لمواجهة التحديات المحيطة وحماية الوطن، والعمل على تحقيق أمن الشعب والوطن المصري. مواجهة الإرهاب ومحاصرته وتوجيه ضربات قاضية إلى معظم بؤره الإجرامية بفضل جهود رجال الجيش والشرطة المصرية البواسل. صياغة موقف وطني غير تابع في القضايا الإقليمية والدولية، خاصة في فلسطين وسوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان، والعمل على استعادة دور مصر القيادي في المنطقة. رعاية المصالحة الوطنية الفلسطينية، والعمل على وحدة الصف الفلسطيني، وقيادة موقف عالمي في مجلس الأمن دفاعًا عن القدس ورفضًا لتصريحات الإدارة الأمريكية. دعم الشعب الليبي وقواته المسلحة في مواجهة قوى الإرهاب والتكفير التي تحاول السيطرة على ليبيا بدعم إقليمي، وتعمل على زعزعة الأمن والاستقرار في الجوار الليبي، خاصة في مصر وتونس والجزائر. دعم وحدة وسيادة الدولة اللبنانية، ودعم خياراتها الوطنية، خاصة في قضية حماية الاستقلال الوطني اللبناني. ثانيًا: الإخفاقات أ- غياب العدالة الاجتماعية، وارتفاع شديد في أسعار السلع والخدمات، مما أرهق كاهل الفئات الأضعف، خاصة أصحاب المعاشات وذوي الدخول الثابتة من العمال والفلاحين والموظفين.ب- عدم القيام بمواجهة شاملة لاحتكار التجار، والتعامل الانتقائي والجزئي مع قوى الفساد المنتشرة بأجهزة الدولة، بشكل أقرب إلى الاستعراض الإعلامي فقط.ج- عدم امتلاك مشروعات وخطط واضحة للتعامل مع تخلف وازدواجية وانهيار منظومة التربية والتعليم في المدارس والجامعات معًا (تغلغل مناهج وأساليب تربية ومدارس وجامعات أجنبية تكرس التبعية / مناهج وأساليب تربوية وتعليمية عفا عليها الزمن / أعضاء هيئة تدريس غير معتنى بهم علميًا وماديًا / نظم وإجراءات إدارية عشوائية / أجهزة ومعدات ومبانٍ وقاعات متهالكة / معايير ومؤشرات أداء ونظم جودة غائبة / كوادر وقيادات تعليمية مهملة ومقهورة).د- ضعف وانهيار منظومة الصحة وعدم مطابقتها لأبسط المعايير والمتطلبات المهنية والإنسانية (مناهج علمية ومهنية في كليات الطب / أعضاء هيئة تدريس / عيادات ومستشفيات وأَسِرّة مجهزة / نظم جودة وإجراءات إدارية / أجهزة ومعدات ومبانٍ وقاعات في كليات ومعاهد الطب والتمريض / معايير ومؤشرات أداء وجودة للخدمات الصحية / كوادر وقيادات لإدارة المؤسسات الطبية / كفاءة أجهزة التمريض والكوادر البشرية).هـ- غياب مشروع معلن ومتفق عليه شعبيًا لإعادة بناء أجهزة الدولة المصرية الضعيفة والمتخلفة والفاسدة (الاختيار والتعيين / التدريب / أسس تقييم أداء الأجهزة الحكومية / مؤشرات تقييم أداء الموظفين والقيادات / الأجهزة والمعدات / إعادة الهيكلة التنظيمية للإدارات والأقسام الحكومية / السياسات والقواعد والإجراءات المنظمة / تبسيط الإجراءات / نظم معلومات حديثة ووزارات بلا ورق وخدمات إلكترونية للمواطنين / حوافز ونظم ترقية تعتمد على الجدارة لا الأقدمية / نظم جودة للخدمات الحكومية / الشفافية... إلخ).و- الإصرار على التوجه نحو الغرب ومنظماته التمويلية (البنك وصندوق النقد الدوليان)، رغم تجربة شروطهما وبرامجهما في مصر خلال فترات سابقة، على الرغم من وجود بدائل أخرى أثبتت نجاحها مثل تكتل مجموعة دول البريكس واتفاقيات الصفقات المتكافئة.ز- استمرار تأثير رجال مبارك وابنه جمال (أعضاء لجنة السياسات)، من الموظفين السابقين في منظمات التمويل الدولية والمتأثرين بأفكارها، في مواقع صنع القرار، مما يجعل اختيارات الحكومة وانحيازاتها الاجتماعية بعيدة عن مطالب الشعب المصري التي أعلنها في ثورة 25 يناير وموجتها الثانية في 30 يونيو.ح- ضعف المشاركة المجتمعية (الحريات)، وإضعاف النقابات والأحزاب وإقصاؤها من عملية صنع القرارات الوطنية المهمة.دكتور نــور نــدا