أحداثأدبإعلامشخصيات

حين يصبح القارئ شريكا في التأليف: تحولات السلطة داخل النص

د. حمزة مولخنيف 

د. حمزة مولخنيف

إذا كان النص في صورته التقليدية يُنظر إليه بوصفه كيانا مكتملا يختزن معناه في داخله، فإن القراءة الحديثة أعادت تعريف العلاقة بين النص والقارئ، فلم يعد الأخير مجرد متلقٍ سلبي يكتفي بفك الشفرة اللغوية واستخراج الدلالة الجاهزة، بل أصبح طرفا فاعلا في إنتاج المعنى. إن النصفي جوهره، ليس معبدا مغلقا تُحظر فيه المداخل إلا على الكهنة، بل فضاءً مفتوحا تتعدد فيه المسارات وتتجاور فيه التأويلات ويُعاد تشكيله مع كل قراءة جديدة. وهكذا تنتقل السلطة داخل النص من مركز واحد يحتكره المؤلف إلى شبكة من العلاقات الدلالية التي يشارك فيها القارئ عبر خبرته الثقافية ورؤيته للعالم. إن هذا التحول لا يعني إلغاء قيمة الكاتب أو تهميش دوره، بل إعادة النظر في طبيعة الإبداع نفسه؛ فالإبداع لا يكتمل إلا حين يجد من يقرأه، وحين تتحول الكلمات من حبر على الورق إلى معانٍ تتنفس في وعي المتلقي. وهنا تتبدى مفارقة عميقة: فالنص الذي يبدو ثابتا هو في الحقيقة كائن متحرك يتجدد بتجدد القراءات، ويعيد تشكيل ذاته كلما لامسه عقل جديد. إن الحديث عن شراكة القارئ في التأليف ليس دعوة إلى الفوضى التأويلية ولا إلى نسب المعنى إلى أهواء القراء، بل هو اعتراف بأن اللغة أوسع من حدود قصد الكاتب، وأن الدلالة تنبثق من الحوار بين النص ومن يقرأه. وفي هذا الحوار تتجلى إنسانية المعرفة؛ فالفهم ليس عملية ميكانيكية، بل تجربة فكرية وروحية تتقاطع فيها الذاكرة والثقافة والخيال. وحين يصبح القارئ شريكا في التأليف، فإننا لا نعيد توزيع السلطة فحسب، بل نعيد تعريف مفهوم النص ذاته، ليغدو مساحة للتفاعل لا مخزنا للمعاني الجاهزة. هذه الرؤية تفتح الباب أمام تأمل جديد في الأدب والفكر، تأمل يرى في القراءة فعلا إبداعيا يوازي الكتابة، وفي القارئ فاعلا يسهم في صنع العالم الرمزي الذي نعيش فيه. وهكذا يتجاوز النص حدود صفحاته ليصبح جزءا من التجربة الإنسانية، مرآة تعكس تنوع الوعي البشري وتعدد طرق فهمه للوجود.

إن سلطة النص ليست كيانا جامدا يفرض معناه على القارئ فرضا مطلقا، بل هي بنية متحركة تتوزع بين الكاتب والنص والقارئ في لعبة معقدة من التأويل والتلقي. لقد ظل الفكر النقدي الكلاسيكي يميل إلى تقديس سلطة المؤلف بوصفه المصدر الأوحد للمعنى، غير أن تحولات النظرية الأدبية الحديثة قلبت هذه المعادلة، فأصبح القارئ شريكا في إنتاج الدلالة، لا مجرد متلقٍ سلبي. وحين يصبح القارئ شريكا في التأليف، فإننا لا نتحدث عن إلغاء سلطة النص، بل عن إعادة توزيعها ضمن فضاء تأويلي مفتوح. إن النص ليس شيئا مكتملا يسلّم معناه جاهزا، بل هو بنية قابلة للتعدد، تتجدد بتعدد القراءات وتباين الخلفيات الثقافية والمعرفية. وهنا تتبدى مفارقة عميقة: فالنص الذي يبدو ثابتا على الورق يتحول إلى كائن حي حين يلامسه القارئ بعقله وخبرته، فيمنحه حياة جديدة ومعنى جديدا.

لقد ذهب بعض النقاد إلى أن النص بعد نشره، ينفصل عن مؤلفه انفصالا شبه تام، فيصبح ملكا للقراء. هذا التصور يجد جذوره في أطروحات النقد البنيوي وما بعد البنيوي، حيث لم يعد المعنى يُختزل في قصد الكاتب، بل في العلاقات الداخلية للنص وفي شبكة التأويلات التي ينسجها المتلقون. إن مقولة “موت المؤلف” التي شاع تداولها في النقد الحديث ليست دعوة إلى إلغاء الكاتب من المشهد، بل هي إشارة إلى أن المعنى لا يقف عند حدود نواياه، بل يتجاوزه إلى فضاء أوسع. فحين يكتب الكاتب نصا فإنه يضع لبنة أولى، غير أن البناء لا يكتمل إلا حين يشرع القراء في استكشافه وتفسيره وإعادة تشكيله وفق تجاربهم. إن النص يشبه مدينة قديمة: شوارعها قائمة، لكن كل زائر يراها بعين مختلفة، فيكتشف فيها ما لا يراه غيره.

جاك دريدا

إن الفيلسوف الفرنسي الذي تأثر به النقد الحديث، أعني به جاك دريدا ، قد أشار إلى أن النص لا يحمل معنى واحدا ثابتا، بل يتضمن اختلافا دائما في الدلالة. فالكلمة ليست علامة تشير إلى شيء محدد فحسب، بل هي جزء من شبكة من العلامات التي تتفاعل فيما بينها. ومن هنا جاءت فكرة التفكيك التي تسعى إلى كشف الطبقات المتعددة للمعنى بدلا من الاكتفاء بالمعنى السطحي. وإذا كان النص قابلا للتفكيك، فإن القارئ يصبح شريكا في هذه العملية؛ فهو لا يكتفي بقراءة المعنى الجاهز، بل يسهم في إنتاجه عبر تأويله وإعادة بنائه. إن القراءة، في سياقنا هذا ليست فعلا سلبيا، بل هي فعل إبداعي يوازي فعل الكتابة.

لقد أشار رولان بارت إلى أن النص الحديث هو فضاء تتقاطع فيه الأصوات المتعددة، فلا يعود صوت المؤلف هو الصوت الوحيد المسيطر. إن النص عنده نسيج من الاقتباسات والتأثيرات والتناصات، بحيث يصبح من الصعب عزله عن السياق الثقافي الذي نشأ فيه. وهذا يعني أن القارئ حين يواجه النص، فإنه يواجه شبكة واسعة من المعاني التي تتجاوز حدود التجربة الفردية للكاتب. ومن هنا تتبدى أهمية القارئ بوصفه فاعلا في عملية إنتاج المعنى. فالنص لا يكتمل إلا حين يتلقاه القارئ ويمنحه تأويلا ينسجم مع خبرته ورؤيته للعالم.

غير أن القول بشراكة القارئ في التأليف لا يعني إلغاء سلطة النص أو تحويله إلى مادة مطواعة تخضع لأهواء القراء. فالنص رغم تعدد قراءاته، يظل يحمل حدودا تحدد إمكانات التأويل. إن المعنى ليس فوضى مطلقة، بل هو حركة ضمن إطار معين. وهنا تتجلى وظيفة النقد الأدبي بوصفه أداة تسعى إلى فهم هذا الإطار وتحديد إمكانات القراءة المشروعة. فليس كل تأويل مقبولا، وليس كل قراءة صحيحة. إن التأويل الذي يتجاهل بنية النص ويفرض عليه معاني لا يحتملها هو تأويل متعسف. ومن هنا تأتي أهمية التوازن بين حرية القارئ في الفهم وبين احترام النص بوصفه كيانا مستقلا.

لقد ذهب أومبيرتو إكو إلى أن النص يحمل ما أسماه “القارئ النموذجي”، أي القارئ الذي يفترضه النص ضمنيا. فهذا القارئ ليس فردا معينا، بل هو مجموعة من الكفاءات والمعارف التي تتيح فهم النص على النحو الذي قصده الكاتب. غير أن هذا لا يمنع من وجود قراءات متعددة، بعضها قريب من قصد النص وبعضها بعيد. إن النص الجيد هو الذي يفتح المجال أمام تعدد القراءات دون أن يفقد هويته. فهو يشبه المرآة التي تعكس صورا مختلفة بحسب زاوية النظر، لكنها تظل مرآة واحدة.

وحين يصبح القارئ شريكا في التأليف، فإن السلطة داخل النص تتحول من سلطة أحادية إلى سلطة موزعة. لم يعد الكاتب هو السيد المطلق للمعنى، ولم يعد النص هو الكيان المغلق، بل أصبح القارئ عنصرا أساسيا في العملية التأويلية. إن هذه التحولات تعكس تطورا في فهمنا لطبيعة اللغة والمعنى. فالكلمات ليست قوالب جامدة، بل هي أدوات للتواصل تحمل إمكانات متعددة. إن المعنى ليس شيئا جاهزا، بل هو نتيجة تفاعل بين النص والقارئ.

لقد أشار خورخي بورخيس في إحدى قصصه إلى أن المكتبة التي تضم جميع الكتب الممكنة ليست سوى متاهة من الاحتمالات. فكل كتاب يحمل إمكانات لا نهائية من المعاني، لكن القارئ هو الذي يختار المسار الذي يسلكه داخل هذه المتاهة. وهذا التصور ينسجم مع فكرة أن القراءة ليست اكتشافا لمعنى واحد، بل هي رحلة استكشافية. فالنص يشبه أرضا خصبة، والقارئ هو الذي يزرع فيها المعاني التي تنبت من تجربته.

إن هذا التحول في فهم العلاقة بين النص والقارئ له آثار عميقة على النظرية الأدبية والفلسفية. فقد كان التصور التقليدي يرى أن المعنى مستقر وثابت، وأن مهمة القارئ هي الكشف عنه. أما التصور الحديث فيرى أن المعنى يتشكل في عملية القراءة نفسها. وهذا يعني أن النص لا يملك معنى واحدا، بل معاني متعددة تتجدد بتجدد القراءات. ومن هنا تأتي أهمية الحوار بين النص والقارئ؛ فالنص يطرح أسئلة والقارئ يحاول الإجابة عنها، وفي هذا الحوار تتولد الدلالة.

لقد ذهب ميخائيل باختين إلى أن اللغة نفسها حوارية بطبيعتها، فهي تتضمن أصواتا متعددة تتفاعل فيما بينها. وهذا يعني أن النص ليس خطابا أحاديا، بل هو فضاء تتقاطع فيه الخطابات. وحين يقرأ القارئ النص، فإنه يدخل في هذا الحوار، فيضيف إليه صوته الخاص. ومن هنا تتجلى شراكة القارئ في التأليف؛ فهو لا يخلق النص من العدم، لكنه يسهم في إغنائه وتوسيع معناه.

غير أن هذا التصور لا يخلو من تحديات. فكيف نميز بين القراءة الإبداعية والقراءة المتعسفة؟ وكيف نحدد حدود التأويل؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست سهلة، لكنها تتطلب فهما عميقا لطبيعة النص. فالنص ليس مطاطا يمكن تمديده إلى ما لا نهاية، بل هو بنية لها قواعدها الداخلية. إن التأويل المشروع هو الذي يحترم هذه القواعد ويستكشف إمكاناتها، لا الذي يتجاهلها.

لقد أشار إيمانويل كانط إلى أن المعرفة الإنسانية تقوم على تفاعل بين الحواس والعقل. فالحواس تزودنا بالمعطيات والعقل ينظمها ويمنحها معنى. ويمكن تطبيق هذا التصور على القراءة؛ فالنص يقدم المعطيات، والقارئ ينظمها ويمنحها دلالة. وهنا تتجلى شراكة القارئ في التأليف؛ فهو ليس مجرد متلقٍ، بل فاعلا في إنتاج المعنى.

إن التحولات التي شهدها النقد الأدبي في القرن العشرين تعكس تغيرا في فهمنا لطبيعة النص. فلم يعد النص كيانا مغلقا، بل أصبح فضاءً مفتوحا للتأويل. وهذا لا يعني أن كل قراءة صحيحة، بل يعني أن النص يحمل إمكانات متعددة للمعنى. وحين يصبح القارئ شريكا في التأليف، فإننا نعيد النظر في مفهوم السلطة داخل النص. فسلطة المعنى لم تعد حكرا على الكاتب، بل أصبحت موزعة بين النص والقارئ.

إن هذا التصور يحمل آثارا عميقة على فهمنا للأدب والثقافة. فالأدب لم يعد مجرد مرآة تعكس الواقع، بل أصبح أداة لإعادة تشكيله. وحين يقرأ القارئ النص فإنه لا يكتفي بفهمه، بل يسهم في إنتاج معنى جديد. وهذا يعني أن الأدب ليس مجرد ترف فكري، بل هو ممارسة إنسانية تعكس تعقيد التجربة البشرية.

إن شراكة القارئ في التأليف لا تعني إلغاء دور الكاتب، بل تعني إعادة تعريف هذا الدور. فالكاتب يضع النص، لكن القارئ يفعله بالقراءة. وتتجلى هنا العلاقة التفاعلية بين الطرفين. فالنص ليس ملكا للكاتب وحده، بل هو فضاء مشترك يلتقي فيه الكاتب والقارئ. وحين يصبح القارئ شريكا في التأليف، فإننا نفتح الباب أمام فهم جديد للأدب بوصفه حوارا مستمرا بين النص ومتلقّيه.

إن تحولات السلطة داخل النص تعكس تطورا في فهمنا للمعنى. فلم يعد المعنى كيانا ثابتا، بل أصبح عملية دينامية تتشكل في فضاء القراءة. وحين يصبح القارئ شريكا في التأليف، فإننا نعترف بدوره في إنتاج الدلالة. وهذا لا يقلل من قيمة النص، بل يثريه ويمنحه حياة جديدة. فالنص الذي لا يُقرأ هو نص ميت، أما النص الذي يقرأه القراء ويعيدون تأويله فهو نص حي يتجدد باستمرار.

إن الحديث عن شراكة القارئ في التأليف لا يكتمل إلا إذا نظرنا إلى التحولات العميقة التي شهدها الفكر النقدي الحديث، حيث لم يعد النص يُنظر إليه بوصفه وعاءً مغلقا للمعنى، بل فضاءً دلاليا متحركا تتعدد فيه التأويلات. لقد كان النقد التقليدي يميل إلى إضفاء قداسة على قصد المؤلف، فالمعنى – في هذا التصور – يكمن فيما أراده الكاتب، لا فيما يستخرجه القارئ. غير أن هذا الفهم تعرض لهزات معرفية مع صعود مدارس نقدية جديدة، جعلت من القارئ فاعلا أساسيا في إنتاج الدلالة. فالنص في جوهره لا يتحدث بصوت واحد، بل يتضمن أصواتا متعددة تتقاطع وتتجادل، بحيث يصبح المعنى نتيجة هذا التفاعل لا انعكاسا مباشرا لنوايا الكاتب.

لقد ذهب هانز جورج غدامير إلى أن الفهم ليس عملية إعادة إنتاج لمقاصد المؤلف، بل هو حوار بين الأفق التاريخي للنص وأفق القارئ. فكل قراءة تحمل معها خلفية ثقافية ومعرفية تشكل طريقة تلقيها للنص. وتتبدى هنا فكرة “اندماج الآفاق”، حيث يلتقي أفق النص بأفق القارئ ليولد معنى جديد. إن هذا التصور يحرر القراءة من أسر النوايا الأصلية، لكنه في الوقت ذاته لا يلغي أهمية النص بوصفه نقطة انطلاق للتأويل. فالقارئ لا يخلق المعنى من العدم، بل يبنيه على أساس ما يقدمه النص من إشارات ودلالات.

غير أن هذا الانفتاح التأويلي يثير سؤالا جوهريا: هل يمكن أن تصبح القراءة فعلا إبداعيا يوازي الكتابة؟ لقد أشار أومبيرتو إكو إلى أن النص يحمل ما أسماه “البنية المفتوحة”، أي أنه يسمح بتعدد القراءات دون أن يفقد تماسكه. فالنص الجيد هو الذي يتيح مسارات مختلفة للفهم، لكنه في الوقت ذاته يضع حدودا تمنع التأويل الفوضوي. إن القارئ في هذا السياق، يشبه العازف الذي يفسر مقطوعة موسيقية؛ فالمقطوعة نفسها ثابتة، لكن الأداء يختلف باختلاف العازف. وهكذا فإن القراءة ليست تكرارا ميكانيكيا للنص، بل تأويلا يضفي عليه نكهة جديدة.

لقد شهد الفكر الفلسفي تحولات مماثلة في فهم العلاقة بين الذات والمعرفة. ففي الفلسفة الكانطيةلم تعد المعرفة انعكاسا مباشرا للواقع، بل نتيجة تفاعل بين المعطيات الحسية وأطر الفهم العقلية. فالعقل لا يتلقى العالم كما هو، بل ينظمه وفق مقولاته. ويمكن تطبيق هذا التصور على القراءة؛ فالنص يقدم معطيات، لكن القارئ هو الذي ينظمها ويمنحها معنى. ومن هنا تتجلى شراكة القارئ في التأليف: فهو لا يضيف كلمات جديدة إلى النص، لكنه يضفي عليه دلالة جديدة.

إن هذا التحول في فهم القراءة له آثار عميقة على مفهوم السلطة داخل النص. فقد كان الكاتب يُنظر إليه بوصفه السيد المطلق للمعنى، غير أن النقد الحديث أعاد توزيع هذه السلطة. فلم يعد النص ملكا للمؤلف وحده، بل أصبح فضاءً مشتركا بينه وبين القارئ. إن المعنى لا ينشأ في ذهن الكاتب فقط، ولا في ذهن القارئ فقط، بل في المسافة التي تربط بينهما. فالنص يشبه الجسر الذي يربط ضفتين؛ لا قيمة له إن لم يعبره أحد.

لقد أشار رولان بارت إلى أن النص الحديث هو نسيج من الاقتباسات والتأثيرات، بحيث يصعب عزله عن شبكة الخطابات التي تحيط به. فكل نص يحمل آثار نصوص سابقة، ويتفاعل مع سياقه الثقافي. إن القارئ حين يقرأ النص فإنه لا يواجه كيانا منفصلا، بل جزءا من حوار ثقافي واسع. وهذا يعني أن القراءة ليست فعلا فرديا محضا، بل نشاطا يشارك فيه التاريخ والثقافة.

إن فكرة شراكة القارئ في التأليف لا تعني إلغاء دور الكاتب، بل إعادة تعريفه. فالكاتب يضع النص، لكن القارئ يفعله بالقراءة. إن النص الذي لا يُقرأ هو نص ميت، أما النص الذي يقرأه الناس ويعيدون تأويله فهو نص حي. وهنا تتبدى مفارقة عميقة: فالكاتب يظن أنه يملك النص، غير أن النص لا يكتمل إلا حين ينتقل إلى أيدي القراء. إن الكتابة تشبه إطلاق رسالة في زجاجة إلى البحر؛ لا يعرف الكاتب إلى من ستصل، ولا كيف سيفهمها المستقبل.

لقد ذهب ميخائيل باختين إلى أن اللغة حوارية بطبيعتها، فهي تتضمن أصواتا متعددة تتفاعل فيما بينها. وهذا يعني أن النص ليس خطابا أحاديا، بل فضاءً تتقاطع فيه الخطابات. وحين يقرأ القارئ النص فإنه يدخل في هذا الحوار، فيضيف إليه صوته الخاص. وهنا تتجلى شراكة القارئ في التأليف؛ فهو لا يخلق النص من العدم، لكنه يسهم في إغنائه. إن القراءة ليست استهلاكا سلبيا للمعنى، بل إنتاجا له.

غير أن هذا التصور يطرح تحديات معرفية وأخلاقية. فإذا كان المعنى متغيرا بتغير القراءات، فكيف نميز بين التأويل المشروع والتأويل المتعسف؟ وهل يمكن أن تصبح القراءة وسيلة لفرض معانٍ لا يحتملها النص؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب العودة إلى بنية النص نفسها. فالنص ليس مطاطا يمكن تمديده إلى ما لا نهاية، بل يحمل حدودا تحدد إمكانات التأويل. إن القراءة المشروعة هي التي تحترم هذه الحدود وتستكشف إمكاناتها، لا التي تتجاهلها.

لقد أشار جاك دريدا إلى أن النص يتضمن اختلافا دائما في الدلالة، بحيث لا يمكن اختزاله في معنى واحد. فالكلمة لا تشير إلى شيء محدد فحسب، بل تتضمن شبكة من العلاقات مع كلمات أخرى. ومن هنا جاءت فكرة التفكيك التي تسعى إلى كشف الطبقات المتعددة للمعنى. غير أن التفكيك لا يعني هدم النص، بل فهمه على نحو أعمق. فالنص ليس كتلة صماء، بل بنية معقدة تتطلب قراءة متأنية.

إن شراكة القارئ في التأليف تعيد تعريف مفهوم الإبداع نفسه. فالإبداع لم يعد مقتصرا على الكاتب، بل أصبح عملية مشتركة تشمل القارئ. حين يقرأ القارئ النص، فإنه يعيد تشكيله في ذهنه، ويمنحه معنى يتناسب مع تجربته. وهذا يعني أن الأدب ليس ملكا للكاتب وحده، بل فضاءً مشتركا للتجربة الإنسانية. إن النص الجيد هو الذي يفتح الباب أمام هذا التفاعل لا الذي يغلقه.

لقد أشار خورخي بورخيس إلى أن المكتبة التي تضم جميع الكتب الممكنة ليست سوى متاهة من الاحتمالات. فكل كتاب يحمل إمكانات لا نهائية من المعاني، لكن القارئ هو الذي يختار المسار الذي يسلكه. وهذا التصور ينسجم مع فكرة أن القراءة رحلة استكشافية. فالنص يشبه أرضا مجهولة، والقارئ هو المستكشف الذي يكتشف معانيها. إن كل قراءة هي مغامرة فكرية، وكل تأويل هو اكتشاف جديد.

غير أن هذا الانفتاح لا يعني غياب المعايير. فليس كل تأويل صحيحا وليس كل قراءة مشروعة. إن النص يضع شروطا للفهم والقارئ مطالب باحترامها. فالتأويل الذي يتجاهل بنية النص ويفرض عليه معاني غريبة هو تأويل متعسف. وهنا تأتي أهمية النقد الأدبي بوصفه أداة لفهم النص وتحديد إمكانات قراءته. فالنقد ليس سلطة قمعية، بل وسيلة لفهم المعنى.

إن تحولات السلطة داخل النص تعكس تطورا في فهمنا للمعرفة. فلم يعد المعنى كيانا ثابتا، بل عملية دينامية تتشكل في فضاء القراءة. وحين يصبح القارئ شريكا في التأليف، فإننا نعترف بدوره في إنتاج الدلالة. وهذا لا يقلل من قيمة النص بل يثريه. فالنص الذي يقرأه الناس ويعيدون تأويله هو نص حي، أما النص الذي يُترك على الرف فهو نص ميت.

إن شراكة القارئ في التأليف تفتح الباب أمام فهم جديد للأدب بوصفه حوارًا مستمرًا بين النص ومتلقّيه. فالأدب ليس خطابًا أحاديًا، بل فضاءً للتفاعل. وحين يقرأ القارئ النص، فإنه لا يكتفي بفهمه، بل يسهم في إنتاج معنى جديد. وهكذا تتحول القراءة إلى فعل إبداعي يوازي الكتابة. إن النص والقارئ شريكان في إنتاج الدلالة، وكل منهما يحتاج إلى الآخر.

تقتضي الرؤية التأملية  العودة إلى الفكرة الجوهرية: أن السلطة داخل النص لم تعد مركزية، بل موزعة. فالمعنى لا يحتكره الكاتب ولا يفرضه النص ولا يخلقه القارئ وحده، بل يتشكل في فضاء تفاعلي. إن النص يشبه نهرا يتغير ماؤه باستمرار، لكن مجراه يبقى واحدا. فكل قراءة تضيف قطرة جديدة إلى هذا النهر، دون أن تلغي تدفقه.

لقد علمنا الفكر الحديث أن المعرفة ليست يقينا مطلقا، بل بحثا مستمرا عن المعنى. والنصوص الأدبية والفلسفية هي جزء من هذا البحث حين نقرأها، فإننا لا نكتشف معاني جاهزة، بل نشارك في إنتاجها. إن القراءة ليست نهاية الرحلة، بل بدايتها. فكل نص يفتح بابا إلى أسئلة جديدة، وكل سؤال يقود إلى أفق جديد. وهكذا يستمر الحوار بين النص والقارئ، حوار لا ينتهي، لكنه يثري فهمنا للعالم والإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى