جاليري

أحلام مصرية.. واقع باريسي

عبد الرازق عكاشة.. لقاء الثقافتين في ريشة فنان

قبل عقدين، قرأت مقالة في الكويت تايمز، بقلم ديبا باتت، جاء فيها: باريس والقاهرة، عالمان مختلفان يجتمعان في لوحات الفنان عبد الرازق عكاشة، الذي حلَّ مؤخرًا ضيفًا على قاعة بوشهري في الكويتلافتتاح معرضه الفني. استغلت بازار الفرصة للقاء هذا الفنان الذي يحمل بين ريشته حنينًا عميقًا لجذوره المصرية.”

عبد الرازق عكاشة

اللوحة كجسر بين زمنين ومكانين

أول ما يلفت النظر في عبد الرازق عكاشة هو ابتسامته الودودة التي تعكس دفئًا خاصًا في عينيه. يظهر ببساطة في قميص مخطط وجينز،متواضعًا لكنه واثق، يقدم نفسه بلغة فرنسية سلسة. لحسن الحظ، ترافقني ابنتي، التي تتدخل كوسيطة لغوية، لكن أعماله لا تحتاج إلىترجمة، فألوانه، وضربات فرشاته، وخياراته الفنية تحكي الكثير.

يضم معرضه أكثر من 26 لوحة، تفتح نافذة على مخزونه العاطفي وارتباطه بوطنه الأم. في كل لوحة، هناك مشاهد من الحياة اليوميةالمصرية، يتخللها حنين دافئ؛ بيت الطفولة، همسات العائلة، ركوب الترام، أو التواجد وسط حشود السوق في ساحة القرية.

بين الحنين والاغتراب.. عالم منقسم إلى نصفين

رغم أن عبد الرازق عكاشة رسَّخ مكانته بين الفنانين الشباب الصاعدين، إلا أن أعماله تحمل طابعًا شخصيًا عميقًا. فمن خلال فنّه، يتناولمعاناة المهاجرين، وقضية فلسطين، كما يستكشف الفجوة بين عالمين: عالم داخلي متجمد في الزمن، حيث ذكريات مصر الدافئة، وعالمخارجي في فرنسا، حيث يعيش لكنه لا يزال غريبًا عنه.

أحد أكثر العناصر استفزازًا في أعماله هو استخدام خرائط المترو الباريسي كبديل للكانفس، ليخلق بذلك صدامًا بين الهويات المتداخلة. وجوه عربية مغمورة في طبقات الألوان الترابية، شخصيات تجتمع في فضاء ضيق: هل هو مترو باريس أم ترام القاهرة؟ مشاهد لأسرتستمتع بيوم الجمعة بعد الصلاة، أو فرق موسيقية شعبية في وئام قروي، كلها مشاهد تستدعي التأمل.

أسلوبه الفني.. مزج بين الأصالة والمعاصرة

تتميز لوحاته بأسلوب طبقي غني، حيث تتداخل الأبجدية والخطوط مع لمسات الفرشاة الحية. يقول عبد الرازق عكاشة: “استلهمت الكثير منغوستاف كوربيه، وإدوار مانيه، والانطباعيين، لكنه أيضًا قارئ نهم، يقتبس بحماسة من غاندي، ونهرو، وعمر الخيام.

يكرس عبد الرازق عكاشة معظم يومه للرسم، حتى 20 ساعة يوميًا، حيث يلتقط في لوحاته تفاصيل المدن الصغيرة وتعقيد المدن الكبرى. لكنه لا يقتصر على الرسم فقط، فهو أيضًا نحات، ومصور، وكاتب، وناشط إنساني.

رحلة كفاح من الشوارع إلى صالات العرض

وُلد في قرية عرب الرمل بمصر، لكنه أعاد اكتشاف موهبته في باريس، حيث عاش منذ عام 1992. لم تكن رحلته سهلة، إذ قضى أكثر منثلاثة أشهر ينام في الحدائق ويرسم على أرصفة باريس كي يلاحظ أحد موهبته. وذات يوم، نصحه صاحب إحدى القاعات الفنية بحلاقةلحيته وغسل شعره، ثم عرض أعماله، وكانت تلك نقطة التحول في مسيرته.

فن من أجل المجتمع

لم يتوقف عبد الرازق عكاشة عند نجاحه الشخصي، بل أسس مؤسسة لرعاية الأيتام ودعم الفنانين الشباب. يقول: “عليّ أن أرد الجميلللمجتمع من خلال فني. يمكن للفن أن يغير المجتمع، وأسعى لنشر الوعي حول قضايا مثل التعليم، وحقوق المرأة، ومعاناة الفلسطينيين“. كما يحلم بإنشاء متحف في قريته بمصر. (وهو ما تحقق مؤخرا على شاطيء النيل متمثلا بمتحف دارنا)

كانت هذه الزيارة الثانية له إلى الكويت، حيث شارك سابقًا في بينالي الكويت 2006. يقول بحماس: “من الرائع أن أعود إلى هنا مجددًا“. اليوم، يمكنك أن تجد عبد الرازق عكاشة في مرسمه الباريسي، يبحث عن جزء من مصر ليبقيه حيًا في غربته، عبر فرشاته التي تحكي قصةمهاجر يعيش بين عالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى