
في قلب مصر القرن التاسع عشر، حيث تتشابك أزمات الوباء والسياسة والصراعات الإمبراطورية، تصل شخصية الطبيب الإنجليزي كامل إلى ميناء الإسكندرية، باحثًا عن رائحة الأرض الحقيقية وعن ذاته الممزقة بين الحنين والخسارة. هذه الرحلة الفردية تتحول في رواية الدكتور هشام البواردي، “الروزنامجي” الصادرة عن دار صفصافة في القاهرة، إلى استكشاف عميق للعلاقة بين الإنسان والمكان، بين التاريخ والجسد، وبين المعرفة والخرافة، وبين الحياة والموت.
الرواية تقدم رؤية مركبة لمجتمع مكلوم، حيث يمتزج الواقع بالقوى الخفية، ويصطدم يقين العلم بخرافات الخلاص، في مجتمع ما زال يعيش صراعاته الداخلية بين الحداثة والتقليد، بين السلطة والعدالة الاجتماعية. الطبيب كامل ليس مجرد شخصية عابرة، بل أداة لرصد الانكسارات والآلام في مجتمع متغير، يمتزج فيه الألم الشخصي بالمآسي الجماعية، والفقد الفردي بالخراب العام. البحث الدائم عن ابنته ليزا المفقودة مع والدتها يضفي على الرواية بعدًا إنسانيًا مؤثرًا، فيحول رحلة البحث عن الحقيقة إلى تجربة وجدانية، محاولة لفهم معنى الحياة وسط الضياع والفقدان.
في هذا الإطار، يظهر الروزنامجي، كاتب الضرائب، كشخصية محورية تكشف عن الأبعاد السياسية والاجتماعية للرواية. إنه رجل يعرف كيف تُباع القرى وتُوزع الأحلام، يسجل بصرامة أذواق وأقدار الناس، ويحول الخرائط والتقارير إلى شهادات على العدالة الناقصة، وعلى الانقسامات التي يفرضها التاريخ والسياسة. من خلاله، تصبح الرواية شهادة مزدوجة: على واقع مصر في القرن التاسع عشر، وعلى الأساطير والحكايات التي تعكس الروح الجماعية للشعب، والتي تظل مدفونة في الحجر والجسد والذاكرة، متنقلة بين الحقيقة الموثقة والخرافة الشعبية.
سرد البواردي متقن، محكم البناء، حيث تتداخل الطبقات التاريخية مع الأسطورية، والسياسة مع الروح، والقرية مع الميناء، في نسيج سردي نابض بالحياة. الرواية تقدم نموذجًا للسرد التاريخي المدمج بالخيال الواقعي، فتجعل من الأحداث التاريخية مساحة للتأمل في أسئلة الإنسان الكبرى: العدالة، الخلاص، والمعنى، دون أن تفقد حسها الدرامي أو إيقاعها المشوق. لغة البواردي غنية ودقيقة، تجمع بين الوصف التفصيلي للمكان والأحداث وبين الطابع الرمزي والأسطوري للشخصيات والأحداث، فتخلق تجربة قراءة متعددة الأبعاد، حيث يصبح القارئ مشاركًا في رصد تفاصيل المجتمع المكلوم، وفي فهم القوى الخفية التي تحركه، وفي استكشاف التوتر الدائم بين التاريخ والذاكرة، بين العلم والخرافة، بين الغياب والبحث.
الرواية تمثل أيضًا دراسة دقيقة لطبقات المجتمع في مصر القرن التاسع عشر، من كبار المسؤولين وكتّاب الضرائب، إلى سكان القرى والموانئ، حيث تتقاطع السياسة مع الاقتصاد والوباء مع العادات والتقاليد. المشاهد التي تصف تفشي الأمراض والأوبئة في الموانئ، وصراعات السلطة، تنقل القارئ إلى قلب مجتمع مضطرب، مزيج من الخوف والقلق، من الأمل واليأس، حيث يصبح الإنسان جزءًا من معادلة أكبر من ذاته، بين الموت والنجاة، بين الفقدان والخلاص.
“الروزنامجي” هي أكثر من مجرد رواية تاريخية؛ إنها رحلة في عمق النفس الإنسانية، في صراع الإنسان مع مصيره، وفي البحث عن معنى وسط عالم يختلط فيه المرض بالقدَر، والسلطة بالألم، والحياة بالموت. الدكتور هشام البواردي يقدم نصًا متماسكًا، غنيًا بالرموز والدلالات، ويفتح نافذة للقارئ على مصر القرن التاسع عشر بكل تناقضاتها، ليؤكد مرة أخرى على قدرة الرواية على الجمع بين التاريخ، السياسة، الأسطورة، والمعنى الإنساني العميق.
العمل يقدم إضافة نوعية للأدب المصري المعاصر، ورواية يمكن أن تُقرأ على مستويات متعددة: كحكاية إنسانية، كسرد تاريخي، وكتجربة فلسفية عميقة في البحث عن الذات والمعنى وسط الخراب والجائحة، في زمن يختلط فيه الواقع بالخيال، والآلام الفردية بالمآسي الجماعية، والتاريخ بالأسطورة. “الروزنامجي” بذلك يؤكد أن الأدب يمكن أن يكون مرآة للحقيقة، وأداة لفهم الإنسان ومجتمعه، ونافذة على الزمن الذي عاشه الشعب المصري بكل أوجاعه وآماله.



