بسام رضوان الشماع: رحلة المؤرخ بين حضارة مصر القديمة والمعاصرة

بقلم الدكتور حسين عبد البصير

 

إن الحديث عن الدكتور بسام رضوان الشماع لا يمكن أن يكون مجرد سرد للسيرة الذاتية أو تعداد للإنجازات، فهو تجربة معرفية وثقافية متكاملة، قصة إنسان وعالم استطاع أن يجعل من التاريخ المصري القديم والحديث تجربة حية ومؤثرة، تجربة تصل إلى كل قارئ، صغيرًا كان أو كبيرًا، متخصصًا أو هاويًا للتاريخ. الشماع ليس مجرد مؤرخ ينقل الوقائع، بل هو راوٍ للإنسان الذي صنع التاريخ، ومرشد للروح التي تعيش الحضارة، مؤمن أن الماضي لا ينتهي، وأن الحضارة المصرية ليست مجرد آثار صامتة، بل نبض حي يربط بين الزمن والإنسان.

نشأ الشماع في الإسكندرية، المدينة التي حملت بين أبنيتها وأزقتها عبق التاريخ وألوان الحضارات المختلفة، حيث تلقى تعليمه في مدارس فيكتوريا العريقة، التي غرست فيه حب العلم والانفتاح على المعرفة والثقافات. ومن هنا بدأ شغفه بالتاريخ والآثار، شغف لم يكتفِ بالقراءة، بل امتد إلى الفهم الميداني، فاختار الالتحاق بكلية السياحة، قسم الإرشاد السياحي، حيث تعلم كيف يكون التاريخ قريبًا وملموسًا، كيف يمكن أن يصبح كل حجر وآثار كل تمثال قصة يعيشها الناس. هذا الجمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة الميدانية كان الأساس الذي شكل فلسفته فيما بعد: التاريخ ليس مجرد أحداث، بل حياة، والحضارة نتاج الإنسان وبيئته وتجربته المستمرة عبر العصور.

لقد خرج الشماع من حدود مصر، ليصبح محاضرًا عالميًا ومرشدًا ثقافيًا معترفًا به دوليًا. ألقى محاضراته في أهم الجامعات والمتاحف الدولية، مثل جامعة شيكاغو، المتحف المتروبوليتان في نيويورك، المتحف البريطاني بلندن، متحف فيلد بشيكاغو، وجامعة بريتوريا بجنوب أفريقيا، إلى جانب عشرات الجامعات والمراكز الثقافية داخل مصر، منها جامعتي القاهرة وعين شمس. وكان في كل محاضرة قادرًا على تحويل الوقائع التاريخية إلى تجربة سردية حيّة، تجعل الحضور يشعر أنه يشاهد التاريخ ويعيشه، لا مجرد يسمعه أو يقرأ عنه.

يمتلك الشماع رصيدًا ثقافيًا وعلميًا ضخمًا، يزيد عن خمسين مؤلفًا وسلسلة باللغتين العربية والإنجليزية، تناولت الحضارة المصرية القديمة، الآثار، العمارة الإسلامية، والتاريخ للكبار والصغار على حد سواء. ومن أبرز أعماله: موسوعة البسام – تاريخ وآثار، Egypt The Civilization، مصر مستقبل الماضي، وآثارنا في متاحف العالم. وكلها أعمال تتسم بالقدرة على تقديم التاريخ بشكل ملموس وجاذب، مستخدمًا الصور والخرائط والقطع الأثرية، ليشعر القارئ أن التاريخ ليس مجرد حقائق، بل تجربة حية تتنفس من قلب الحضارة نفسها. وقد صدرت أعماله عن مؤسسات نشر مرموقة مثل الهيئة المصرية العامة للكتاب، ودار المعارف، ودار فيرست بوك، ما يعكس حرصه على جودة المحتوى وانتشاره على أوسع نطاق.

ولا يقتصر نشاطه على الكتابة الأكاديمية، بل امتد إلى الإعلام الثقافي، حيث شارك في برامج تلفزيونية وإذاعية محلية ودولية مثل BBC وسكاي نيوز، إضافة إلى قنوات مصرية وعربية، مقدمًا محتوى يجمع بين التاريخ والآثار والعمارة والفن بأسلوب شيق يصل لجميع الفئات. ويعرف عنه أسلوبه العلمي المشوق الذي يحوّل المعلومات المعقدة إلى تجربة ممتعة تجعل القارئ أو المشاهد يشعر بأنه جزء من التاريخ، وأنه يلمس حضارة مصر بأطراف أصابعه.

وقد جاء كتابه الجديد والجليل “أثر يسطر تاريخ بشر” ليكون قمة نتاجه الفكري والعلمي، فهو ليس مجرد كتاب تاريخي، بل رؤية فلسفية للحضارة، وللإنسان الذي يصنعها. في هذا الكتاب، يعيد الشماع قراءة التاريخ من منظور فريد: كل حدث وكل فعل إنساني مهما بدا صغيرًا، كان جزءًا من سلسلة الأحداث التي صنعت الحضارة، وكل إنسان يمكن أن يكون محورًا للتاريخ إذا ما فهمنا أثر أفعاله. يعتمد الكتاب على مزيج متقن من المصادر الأثرية والنصوص التاريخية والبحث الميداني، ويقدم خرائط وصورًا للقطع والمواقع التاريخية، مع سرد متسلسل يجعل القارئ يعيش التاريخ كما عاشه البشر الذين صنعوه.

ويتميز الكتاب بأسلوبه الذي يجعل القارئ شاهدًا ومشاركًا في صناعة التاريخ، لا مجرد متابع؛ إذ يبرز أن كل فعل صغير له أثره، وأن الحضارة ليست نتيجة عبقرية بعض الأبطال التاريخيين فقط، بل نتاج تراكم الأفعال الإنسانية عبر العصور. ويربط الكتاب الماضي بالحاضر، موضحًا أن دروس التاريخ يمكن أن تشكل وعي الإنسان وسلوكه في حياته اليومية، وأن فهم الحضارة المصرية هو مصدر للفخر والوعي بالهوية، ووسيلة لصناعة المستقبل.

لقد نال الدكتور الشماع جوائز دولية وشهادات تقدير، تقديرًا لجهوده في نشر الوعي بالتاريخ المصري والحضارة الإنسانية، ولتميزه في تبسيط علوم المصريات، وتحفيز الشباب على الاهتمام بتراثهم. ويعرف عنه أنه لا يرى التاريخ مجرد مادة للبحث، بل تجربة إنسانية، يظهر فيها الإنسان صانع الحضارة ومحدد مسارها، وهو ما يشكل الرسالة الجوهرية في كتابه “أثر يسطر تاريخ بشر”.

إن الدكتور بسام رضوان الشماع يمثل نموذج المؤرخ العصري الكامل، الذي يجمع بين الدقة العلمية وسلاسة السرد، بين البحث الأكاديمي والخبرة الميدانية، وبين الماضي والحاضر. ومن خلال أعماله وكتبه، وخصوصًا “أثر يسطر تاريخ بشر”، يؤكد أن الحضارة المصرية ليست مجرد ماضٍ عظيم، بل حاضر حي ومستقبل مشرق يمكن أن يستمد منه الإنسان القوة والإلهام، وأن كل فعل صغير يسطره البشر يمكن أن يكتب جزءًا من تاريخ الإنسانية.

باختصار، الدكتور بسام رضوان الشماع ليس مجرد مؤرخ أو كاتب، بل هو مرشد ثقافي وإنساني، استطاع أن يجعل من الماضي المصري العميق حاضرًا حيًا في ذهن القارئ والمشاهد، وفتح نافذة على التاريخ بطريقة مختلفة، يجمع فيها بين العلم والمعرفة والتجربة الإنسانية، ليترك أثرًا دائمًا في قلوب وعقول كل من اهتم بمعرفة حضارة مصر وتاريخها العريق. ويمثل كتابه الجديد والجليل “أثر يسطر تاريخ بشر” نموذجًا حيًا لفلسفته، حيث يقدم التاريخ كتجربة إنسانية وحضارية متكاملة، يمكن للقارئ أن يلمس فيها أثر البشر في صناعة الحضارة، ويستفيد من دروسها في فهم الحاضر واستشراف المستقبل، مؤكدًا دائمًا أن التاريخ حياة، والإنسان أساس الحضارة، وأن كل أثر يسطره البشر يكتب جزءًا من تاريخ البشرية.

  • Related Posts

    Cook for World: Bringing AI Technology to Life with a Touch of ‘Beautiful Heart’

    JAKARTA – Natalia Tjahja, Founder of Maria Monique Last Wish Foundation and Creator of 100 CTFP, has once again introduced a heartwarming humanitarian initiative. After dedicating her life to God,…

    الفنانة التشكيلية منة طارق: الرسوم ليست مجرد زينة للنص

    مع الفنانة التشكيلية منة طارق حاورها : طارق العمراوي   الرسمة الناجحة يمكن أن تكشف إحساس الشخصية، أو تضيف تفصيلة غير موجودة في الكلمات    س1: كيف تقدمين الفنانة التشكيلية منة طارق ؟  أنا منة طارق، فنانة تشكيلية ورسامة كتب أطفال، خريجة كلية التربية الفنية دفعة 2011، وبدأت رحلتي المهنية في مجال الرسم عام 2012. على مدار أكثر من 13 سنة، عملت على عدد كبير من الكتب والمشروعات الموجهة للأطفال واليافعين، بالتعاون مع دور نشر ومنصات مختلفة. أعمل بالرسم اليدوي والرقمي، وأهتم بتصميم الشخصيات ورسم المشاهد وتطوير الهوية البصرية للعمل. بالنسبة لي، رسم قصص الأطفال ليس وظيفة، وإنما وسيلة للتعبير عن نفسي وطريقة لتوصيل كل المشاعر والصفات التي يستطيع الطفل من خلالها   بناء شخصيته وتقويمها   س2: ما أهمية ورشات الرسم والأشغال اليدوية في معارض الكتاب؟ ورش الرسم والأشغال اليدوية تجعل الطفل ينتقل من دور المتلقي إلى دور المشارك والمبدع. الطفل عندما يرسم أو يصنع شيئًا بيده، يكتشف قدراته ويتعلم التعبير عن نفسه بحرية، وهذا يقوي علاقته بالكتاب أكثر. كذلك تفتح له الورش بابًا ليرى الكتاب ليس مجرد كلمات وصور، بل عالمًا يستطيع الدخول إليه والمشاركة في صنعه. وأتمنى أن تكون هذه الورش مستمرة ومتنوعة، وتتيح للأطفال فرصة حقيقية للتجربة والاكتشاف، وليست مجرد نشاط ترفيهي عادي. س3: كيف يتم التعامل بين صاحب النص وصاحب الريشة؟ هل تقرئين النص وتتخيلين المشاهد، أم يوجهك الكاتب، أم أن العمل مشترك؟  في رأيي، البداية الحقيقية تكون من قراءة النص جيدًا وفهم شخصياته ورسائله، وبعدها أبدأ في بناء تصوري البصري الخاص. أنا أحب قراءة النص وتخيل المشاهد والشخصيات والألوان، وأحيانًا تكون الصورة لديّ مختلفة تمامًا عن التصور المتوقع، وأسمع تعليقًا من المؤلف: «أنتِ وصلتِ إلى ما أريد التعبير عنه بالضبط». طبعًا الحوار مع الكاتب مهم، وسماع تعليقاته عن المشاهد وعن أحداث القصة، وكلما كانت علاقة الرسام والكاتب طيبة وفيها تفاهم، كان الكتاب أنجح. ليس تنفيذًا حرفيًا. الكاتب يقدم العالم بالكلمات، والرسام يضيف له لغة بصرية مستقلة، هذا يكمل ذاك. س4: ما تقييمكم للرسومات المصاحبة للنص في قصص الأطفال؟  الرسومات عنصر أساسي في نجاح القصة أو الرواية، لكنها ليست مجرد زينة للنص أو وسيلة لتكرار ما هو مكتوب. الرسمة الناجحة يمكن أن تكشف إحساس الشخصية، أو تضيف تفصيلة غير موجودة في الكلمات، أو تفتح بابًا لخيال الطفل. هناك قصص تكون صامتة أصلًا، والرسمة هي الوسيلة الوحيدة لتوصيل الفكرة والهدف من القصة. أنا أرى أن قوة الكتاب المصور تظهر عندما يكمل النص والصورة بعضهما، وكل واحد منهما يضيف معنى للآخر. ليست مجرد صورة مزينة فقط . س5: هل توجد ملتقيات للفنانين التشكيليين الذين يتعاملون مع أدب الطفل؟ هناك فعاليات ومعارض وورش ومبادرات تجمع رسامي كتب الأطفال، لكن أتمنى أن يكون هناك اهتمام أكبر بملتقيات متخصصة تجمع الرسامين والكتاب والمحررين والناشرين بشكل منتظم. وجود مساحة للحوار وتبادل الخبرات ومناقشة تجارب الرسم والنشر سيساعد على تطوير مستوى الكتاب المصور، سواء للطفل أو لليافعين. س6: ما القصص التي تستهويكِ وتحبين تزويدها برسوماتك: الخيال العلمي أم حكايات التراث والسحرة وغيرها؟   أنا أحب القصص الخيالية والقصص التي تكون أبطالها الحيوانات. أنا أحب رسم الحيوانات جدًا وأستمتع به، وكذلك الشخصيات الخيالية. ومؤخرًا أصبحت أحب كثيرًا القصص الدينية، وأتمنى أن تكون سببًا في قربي من الله، وسببًا في توصيل الدين بطريقة مبسطة ومحببة للأطفال . س7: هل تفكرين في إقامة معارض خاصة للرسومات التي تؤثث القصص المنشورة؟  ستكون فرصة جميلة جدًا إذا استطعت، لأن المعرض سيوضح للناس مراحل تطور العمل، من الاسكتشات الأولى وتصميم الشخصيات حتى الصورة النهائية، ويكشف حجم التفكير والتجريب الذي يمر به الرسام. فهذه المعارض يمكن أن تقرب الجمهور من عالم رسام الكتاب، وتستطيع أن توضح للمؤلف ولدار النشر المجهود الذي يبذله الفنان للخروج بقصة ناجحة. س8: هل تنافسكم المنصات المصورة للقصص؟ كيف تقرئين المشهد وما تصورك له؟   أنا لديّ مشاعر متضاربة، في الحقيقة، ما بين المنصات والقصص الورقية. أنا أحب كثيرًا القصص المطبوعة وإحساس الورق بين الأصابع، ولكن أرى أن الأطفال في هذا الجيل ليسوا جميعًا مرتبطين بالمطبوعات، فنحن يجب أن نحاول لفت نظرهم ونحثهم على القراءة من الأجهزة الذكية، ونحاول حمايتهم من التعفن الذهني. التحدي الحقيقي بالنسبة لنا هو أن نفهم طبيعة الطفل اليوم، ونكسبه ونستفيد من حبه للأجهزة الذكية.     س9: هل رفضتِ يومًا التعامل مع كاتب لأن النص لم يعجبكِ؟ وكيف بررتِ ذلك؟  نعم، كانت من أصعب التجارب، بصراحة، ولكن كانت لديّ قناعة تامة بأنني لو رسمت كتابًا لا أشعر تجاهه بالحب والشغف، فسيكون كتابًا فاشلًا. قرأت الكتاب فعلًا وحاولت أن أرسم ولم أستطع نهائيًا، فرجعت واعتذرت للدار نفسها. شرحت لهم أنني أواجه صعوبة في رسم هذا الكتاب، ووجدت ترحيبًا منهم بصراحتي واحترامًا لطلبي، وأخذت نصًا آخر وكان ناجحًا جدًا، الحمد لله. س10: ما تقييمك للقصص المصورة بلا متن أو كلمات، التي بدأت تتزايد، والتي تتطلب رسومات معبرة وموجهة للطفل القارئ؟   هذا تحدٍّ فني كبير. الرسام لا يقدم مشاهد جميلة فقط، لكنه يبني تسلسلًا للأحداث، ويوجه عين الطفل، ويعبر عن المشاعر والحركة والزمن من خلال رسوماته. ليس أي فنان يستطيع النجاح في هذا الاتجاه. لأنه يجب أن تكون الصور مترابطة، وتسلسل الأحداث مفهومًا، والتفاصيل البصرية مقصودة، من غير أن نفقد مساحة الغموض الممتعة التي تشجع الطفل على التفكير. أنا أرى أن القصة الصامتة ليست قصة ناقصة لأنها بلا كلمات، لكنها شكل مختلف من أشكال السرد، يكون فيه للصورة دور البطولة الكامل، ويؤكد أن الطفل يستطيع القراءة بعينيه وخياله، وليس بالكلمات وحدها.  

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *