أحداثإعلامشخصيات

مصر والصين : الدبلوماسية والوساطة في مواجهة الحرب على إيران

بقلم البروفيسور حسن رجب أستاذ الدراسات الصينية - مدير معهد كونفوشيوس جامعة قناة السويس

لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد صراع عسكري محدود، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لبنية النظام الإقليمي والدولي، وإلى لحظة كاشفة لأدوار القوى المحورية التي لا تقف على هامش التاريخ، بل تصنع توازناته.  وفي هذا السياق، يبرز موقف كل من مصر والصين بوصفه تعبيرًا مركبًا عن تفاعل الجغرافيا مع السياسة، والمصلحة مع المبادئ، والتاريخ الحضاري مع ضرورات الحاضر.

فكلتاهما-مصر في قلب الشرق الأوسط، والصين في قلب آسيا-لا تنظران إلى الحرب باعتبارها مواجهة عابرة، بل باعتبارها تهديدًا مباشرًا لفكرة الاستقرار ذاتها، وللنظام الدولي الذي بات أكثر هشاشة في ظل تصاعد النزاعات الكبرى.
حيث ينطلق الموقف المصري من محدد جيوسياسي واضح: فمصر ليست دولة جوارعادي للأزمة، بل دولة مركزية في بنية الأمن الإقليمي، يتقاطع أمنها القومي مع استقرار الخليج والبحر الأحمر وممرات الملاحة الدولية حيث قناة السويس.
ومن هذا المنظور، تنظر القاهرة إلى الحرب على إيران بوصفها تهديدًا متعدد الأبعاد ويشمل:تهديدًا لأمن الطاقة العالمي، بما ينعكس على الاقتصاد المصري وتهديدًا لحركة الملاحة، خاصة عبر قناة السويس وتهديدًا لتوازنات الإقليم، بما قد يفتح المجال لفوضى ممتدة .
ولذلك، يتسم الموقف المصري بما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية الوقائية”، التي تقوم على:رفض اتساع رقعة الحرب والدعوة إلى التهدئة الفورية ودعم المسارات السياسية والوساطات الدولية.
 حيث لاتتحرك مصر  بمنطق الانخراط في الصراع، بل بمنطق منع الانهيار الإقليمي والحفاظ على ما تبقى من توازنا.وفي سياق هذه المقاربة، لا يقتصر الدور المصري على التحرك المنفرد، بل يمتد إلى تنشيط مسار وساطة متعددة الأطراف، عبر تنسيق دبلوماسي مع قوى إقليمية فاعلة. فالقاهرة تدرك أن تعقيد الأزمة يتجاوز قدرة وسيط واحد، ومن ثم تسعى إلى بناء مظلة سياسية أوسع تجمع بين أطراف تمتلك قنوات اتصال مباشرة مع مختلف الفاعلين في الصراع. ومن خلال هذا التنسيق، تعمل مصر على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، خاصة في القضايا الأكثر حساسية، مثل وقف إطلاق النار، وتبادل الضمانات الأمنية، وتأمين الممرات البحرية، وتهيئة الأرضية لتسوية سياسية لاحقة. وتستفيد هذه الجهود من تنوع أدوار الشركاء؛ وبهذا، تتحول الوساطة المصرية إلى جهد منسق يسعى إلى هندسة مساحة مشتركة للحوار، بما يقلل فجوات الخلاف ويعزز فرص احتواء التصعيد.
إن هذا الموقف لا يعكس حيادًا سلبيًا، بل يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة الإقليم، حيث إن الحروب-كما وفقًا لخبرة مصر التاريخية-نادرًا ما تبقى ضمن حدودها الأولية، بل تمتد لتعيد تشكيل الجغرافيا السياسية برمتها.
وعلى الجانب الآخر، تتحرك الصين من موقع مختلف، لكنه لا يقل حساسية، فبكين، رغم بعدها الجغرافي، ترتبط بالمنطقة عبر شبكة معقدة من المصالح الاستراتيجية، في مقدمتها:أمن إمدادات الطاقة، خاصة عبر مضيق هرمز واستقرار طرق التجارة العالمية وحماية استثمارات مبادرة “الحزام والطريق” .حيث تعتمد الصين مقاربة تقوم على ما يمكن تسميته بـ”الحياد النشط”، أي:تجنب الانخراط العسكري المباشر وتكثيف التحركات الدبلوماسية والحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف.

وهذه المقاربة ليست وليدة اللحظة، بل تعكس امتدادًا لفلسفة استراتيجية عميقة، تعود إلى تراث المفكر الصينى الشهير “سون تزى”، الذي يرى أن أفضل الانتصارات هي تلك التي تتحقق دون قتال.

ومن هنا، يمكن فهم لماذا لا تدعم الصين إيران عسكريًا رغم علاقاتهما الوثيقة؛ فالعقيدة الصينية تقوم على:رفض التحالفات العسكرية الصلبة وتجنب التورط في صراعات مفتوحة واستخدام الاقتصاد والدبلوماسية كأدوات نفوذ.
ورغم اختلاف الموقعين الجغرافيين، يلتقي الدوران المصري والصيني عند نقطة جوهرية: منع تحول الحرب إلى انفجار إقليمي شامل حيث تتحرك مصر من داخل الإقليم، مدفوعة باعتبارات الأمن المباشر وتتحرك الصين من خارجه، مدفوعة باعتبارات الاستقرار العالمي . وهذا التقاطع يمنح الطرفين فرصة للقيام بدور وساطة مؤثر، يقوم على:فتح قنوات اتصال بين الأطراف المتصارعة ودعم المبادرات الدولية لوقف إطلاق النار وإعادة الاعتبار للحلول السياسية.
وقد أثبتت التجربة-كما في الوساطة الصينية بين السعودية وإيران-أن بكين قادرة على لعب دور توافقي، بينما تمتلك القاهرة رصيدًا تاريخيًا في إدارة الأزمات الإقليمية.

وهنا لا يمكن فهم الموقفين المصري والصيني بمعزل عن جذورهما الحضارية.فالصين تستند إلى مفهوم “الانسجام” (Harmony) وفكرة “مجتمع المصير المشترك للبشرية” ومصر، بوصفها إحدى أقدم الحضارات، تقوم رؤيتها على فكرة التوازن والاعتدال ورفض الفوضى وفي هذا السياق، يصبح الموقف من الحرب ليس مجرد حسابات سياسية، بل امتدادًا لرؤية أعمق للعالم، ترى أن الصراعات لا يمكن أن تكون أساسًا لنظام دولي مستقر وأن التعاون هو السبيل الوحيد لضمان الأمن الجماعي وأن القوة الحقيقية تكمن في منع الحروب لا خوضها.
ورغم أهمية الدورين المصري والصيني، فإن قدرتهما على وقف الحرب تظل مرهونة بعدة عوامل: وهى مدى استعداد الأطراف المتحاربة للقبول بالتسوية وطبيعة التوازنات الدولية، خاصة بين واشنطن وبكين وقدرة القوى الإقليمية على دعم مسار التهدئة ومع ذلك، فإن غياب هذا الدور سيعني ترك المنطقة لمنطق القوة العسكرية المنفلتة، وهو ما يحمل مخاطر هائلة على النظام الدولي بأسره.
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس مكانة الدول بما تملكه من قوة فقط، بل بما تستطيع أن تمنعه من انهيار. وهنا تقف مصر والصين أمام اختبار تاريخي:فمصر، باعتبارها ركيزة التوازن في الشرق الأوسط والصين، باعتبارها قوة صاعدة تسعى لإعادة تشكيل النظام الدولي .
وبين الجغرافيا التي تفرض المسؤولية، والحضارة التي تدعو إلى الحكمة، يتشكل موقف مشترك جوهره: منع الحرب من أن تتحول إلى نظام، وإبقاء السياسة حيّة في وجه منطق القوة، ففي عالم يزداد اضطرابًا، قد لا يكون السؤال من ينتصر في الحرب، بل من ينجح في إيقافها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى