رافقها الاعلامي طارق العمراوي – تونس
في إطار انفتاحها على قضايا الفكر المعاصر وتحولات الإبداع، تواصل شبكة طريق الحرير اليوم للحوار تنظيم سلسلتها من اللقاءات النوعية التي تستضيف نخبة من الباحثين والمبدعين، لفتح نقاشات عميقة حول تقاطعات الثقافة، الفن، والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، تحتضن الشبكة جلسة حوارية متميزة مع الباحثة والمخرجة السينمائية هالة البرقاوي، في لقاء يواكب التحولات التي يشهدها المشهد السينمائي في عصر الذكاء الاصطناعي.
يدير الحوار الإعلامي التونسي طارق العمراوي، حيث يسعى من خلال هذا اللقاء إلى مقاربة تجربة هالة البرقاوي بوصفها نموذجًا يجمع بين البحث الأكاديمي والممارسة الفنية، ويطرح أسئلة راهنة تتعلق بمستقبل الصورة، وتحولات الكتابة السينمائية، وحدود العلاقة بين الإنسان والتقنية.
تنتمي هالة البرقاوي إلى جيل جديد من الباحثين الذين يشتغلون على تقاطعات الفنون مع الوسائط الرقمية، حيث تتابع مسارها الأكاديمي في مجال الفنون والتصميم والوسائط الفنية، وتجمع في أعمالها بين الحسّ الجمالي والرؤية النقدية. وقد برزت من خلال أعمال سينمائية تعالج قضايا المرأة، خاصة في سياقاتها الاجتماعية والثقافية، إلى جانب اهتمامها بتحليل تمثلاتها داخل الصورة السينمائية.
ينفتح هذا اللقاء على جملة من المحاور الأساسية، من بينها:
- مسار الباحثة والمخرجة بين الأكاديمي والإبداعي
- دخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة السينما ودوافعه
- حدود العلاقة بين الإنسان والخوارزمية
- إشكالية الإلهام البشري والتوليد الآلي
- مستقبل الأفلام المنتَجة بالذكاء الاصطناعي
- واقع السينما التونسية في ظل التحولات الرقمية
- التحديات الأخلاقية والقانونية المرتبطة بهذه التقنيات
- موقع كاتب السيناريو في عصر الذكاء الاصطناعي
كما يتوقف الحوار عند أمثلة دالة من السينما العالمية، مثل فيلم Gemini Man، الذي يعكس التحولات الجذرية في استخدام التكنولوجيا داخل الصورة السينمائية، ويطرح أسئلة جديدة حول الهوية والأداء والتمثيل.
يهدف هذا اللقاء إلى فتح أفق تفكير نقدي حول مستقبل السينما، ليس فقط كصناعة، بل كفضاء لإنتاج المعنى، في زمن تتقاطع فيه الرؤية الفنية مع الإمكانيات الخوارزمية. وهو بذلك يشكّل دعوة لإعادة التفكير في موقع الإنسان داخل العملية الإبداعية، في ظل عالم يتغيّر بوتيرة متسارعة.
شبكة طريق الحرير اليوم للحوار
تواصل طرح الأسئلة الكبرى… وتفتح نوافذ جديدة للفهم
س1: كيف تقدمين الباحثة هالة البرقاوي
ج1:
هالة البرقاوي مخرجة سينمائية وباحثة دكتوراه في مجال الفنون والتصميم والوسائط الفنية بالمعهد العالي للفنون الجميلة بنابل، جامعة قرطاج..
تلقتتكوينها الأكاديمي بعدد من المؤسسات الجامعية التونسية، حيث تحصّلت على شهائد في اختصاص فنون الملتيميديا، من بينها إجازة وماجستير مهني وماجستير بحث بالمعهد العالي لفنون الملتيميديا بجامعة منوبة، مما أتاح لها تكوينًا يجمع بين البعد الفني والتقني والنظري..
تنتمي إلى مخبر البحث العلمي في الثقافات والتكنولوجيات والمقاربات الفلسفية (الفيلاب)ضمن مشروع “الواقع/الافتراضي“، حيث تهتم بدراسة تقاطعات الإبداع مع الوسائط الرقمية، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها الذكاء الاصطناعي وانعكاساته على الممارسة الفنية والسينمائية..
تختص هالة البرقاوي في مجالي الملتيميديا والسينما، وتجمع في مسارها بين البحث الأكاديمي والممارسة الإبداعية، حيث أخرجت عددًا من الأعمال السينمائية، من بينها فيلم”بنت جبل” و”حواء”وتتمحور اشتغالاتها الفنية حول قضايا المرأة، خاصة المرأة الريفية، من خلال تحليل تمثلاتها داخل الصورة السينمائية الوثائقية التونسية، بما يفتح أفقًا للتفكير في العلاقة بين الصورة، الهوية، والواقع الاجتماعي.
وقد شاركت أعمالها في عدد من التظاهرات السينمائية داخل تونس وخارجها، حيث تحصّلت على عدة جوائزمما يعكس حضورها في المشهد السينمائي المعاصر.
تنصبّ اهتماماتها البحثية على تحليل تمثلات المرأة في السينما التونسية، إلى جانب دراسة تحولات الكتابة السينمائية في ظل الذكاء الاصطناعي. وخاصة في سياق التفاعل بين الإنسان والخوارزمية، وما يطرحه ذلك من أسئلة حول مفهوم المؤلف، وطبيعة المعنى، ومستقبل الكتابة السينمائية..
س2 كيف تم استقدام الذّكاء الاصطناعي ولماذا؟
ج2
لم يتمّ استقدام الذّكاء الاصطناعي إلى السينما كطفرة مفاجئة، بل كحصيلة مسار تاريخي بدأ مع الرقمنة وتطوّر المؤثرات البصرية، ثم تعزّز مع ثورة البيانات والتعلّم الآلي. في البداية، اقتصر حضوره على تحسين الصورة ومعالجة اللقطات داخل غرفة ما بعد الإنتاج، لكنه سرعان ما تحوّل إلى أداة تحليل وتوقّع، قادرة على قراءة السيناريوهات، واستشراف تفاعل الجمهور، واقتراح اختيارات جمالية وسردية. ومع تطوّر تقنيات التعلّم العميق، توسّع دوره ليشمل توليد الصور، وإعادة تركيب الوجوه، واستنساخ الأصوات، بل وحتى المساهمة في كتابة النصوص وبناء العوالم السينمائية، هذا التدرّج يكشف أن الذّكاء الاصطناعي لم يدخل السينما من باب واحد، بل تسلّل إليها عبر مختلف مراحل الإنتاج، إلى أن أصبح جزءًا من بنيتها الداخلية.
ويعود هذا الإدماج إلى جملة من الدوافع المتداخلة؛ أولها اقتصادي، حيث تسعى شركات الإنتاج إلى تقليص الكلفة وتسريع زمن الإنجاز دون التضحية بالجودة، خاصة في صناعة تقوم على المنافسة العالية والمخاطرة المالية. وثانيها جمالي وإبداعي، إذ يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانيات غير مسبوقة في خلق الصور والعوالم، مما يفتح أفقًا جديدًا أمام المخيال السينمائي، ويمنح المخرجين أدوات تتجاوز حدود الواقع الفيزيائي. أما الدافع الثالث فهو صناعي–تكنولوجي، مرتبط بتحوّل المنصات الرقمية مثل Netflix وDisney إلى فاعلين رئيسين في الإنتاج، حيث تعتمد هذه الشركات على تحليل البيانات وخوارزميات التوصية لفهم الجمهور وتوجيه المحتوى، مما جعل الذّكاء الاصطناعي عنصرًا استراتيجيًا في صناعة القرار الفني.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار فيلم “رجل الجوزاء” (Gemini Man) كمثال دالّ على هذا التحوّل، حيث لم يقتصر استخدام التكنولوجيا على إزالة الشيخوخة عن الممثل “ويل سميث “ (will Smith)، بل تم خلق نسخة رقمية كاملة منه في شبابه، تُجسّد شخصية قائمة بذاتها داخل السرد. هذه النسخة ليست مجرد استرجاع زمني، بل بناء خوارزمي لهوية بصرية جديدة، تم إنتاجها انطلاقًا من بيانات سابقة وتحليل دقيق للملامح والحركات. بذلك، يصبح الجسد السينمائي قابلاً للاستنساح وإعادة التشكيل، ويتحوّل الأداء من تعبير فردي إلى نتاج تفاعل بين الممثل والتقنية.
ومن هنا، يطرح حضور الذّكاء الاصطناعي إشكاليات نقدية عميقة، تتعلّق بموقع الإنسان داخل العملية الإبداعية: هل ما يزال المخرج هو صاحب الرؤية، أم أصبح موجّهًا ضمن منظومة خوارزمية تقترح وتعدّل وتعيد تشكيل نتيجة شراكة مع أنظمة ذكية تعيد تعريف مفاهيم المؤلّف والخيال والهوية؟
بذلك، لا يمثل الذّكاء الاصطناعي مجرد تطوّر تقني، بل تحوّلاً إبستمولوجيًا يمسّ جوهر الإبداع ذاته، ويؤسس لمرحلة يصبح فيها إنتاج المعنى موزّعًا بين الإنسان والآلة، في سياق يعيد التفكير في سلطة الحكي داخل السينما المعاصرة.

س3: هل للذّكاء الاصطناعي حدود اليوم وغدا وعلينا أن نرسمها كي لا يستوعبنا ويستولى علينا
ج3
في سياق التفكير في الذّكاء الاصطناعي داخل السينما، لا يمكن اختزال المسألة في خوفِِ تبسيطي من “استيلاء” الآلة على الإنسان، بل ينبغي قراءتها كتحوّل عميق في أنماط إنتاج المعنى وتوزيع السلطة داخل الفعل الإبداعي. فالذّكاء الاصطناعي، في وضعه الراهن، يظلّ منظومة خوارزمية لا وعي أو قصدية، محكومة ببيانات يُنتجها البشر ويؤطّرها، وحدودُه التقنية واضحة في اعتماده على ما هو مُتاح من معطيات. غير أنّ خطورته لا تنبع من استقلاله، بل من قابليته لأن يُدمج من منظومات اقتصادية وصناعية قادرة على توجيه الذوق والإنتاج.
ومع تسارع تطوّر هذه التقنيات، وإنتشارها داخل مختلف مراحل الصناعة السينمائية، من الكتابة إلى التوزيع، يبرز تحوّل نوعي يتمثّل في انتقال مركز القرار من الرؤية الفردية إلى منطلق الاحتمال الحسابي. فحين تعتمد منصّات منل “نات فليكس” (Netflix) و” ديزني“ (Disney) على تحليل البيانات لتحديد ما يُنتج وما يُروج، يصبح الإبداع مهدّدًا بأن يُختزل في ما هو قابل للتوقّع والقياس، بدل أن يظلّ مجالاً للمغامرة والتجريب. وهنا يتشكّل ما يمكن تسميته بـ “التحوّل الخوارزمي للذوق”، حيث لا تعكس الأعمال الفنية رؤية مؤلفها فقط، بل أيضًا حسابات غير مرئية تتحكّم في توجيهها.
في هذا المنطلق، فإنّ الحديث عن “حدود” الذّكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُفهم كدعوة إلى تقييد التقنية، بل كضرورة لإرساء إطار نقدي وتنظيمي يحفظ التوازن بين الإبتكار واللإنسان. هذه الحدود ليست تقنية فحسب، بل قانوينة (حماية الحقوق والملكية)، وأخلاقية (الشفافية، عدم التلاعب بالصورة والهوية)، وثقافية (الحفاظ على التعدّد والاختلاف). فالمخاطر الحقيقية لا تكمن في أن “تستولي “الآلة علينا، بل في أن نفقد نحن القدرة على مساءلة الأدوات التي نستخدمها، وأن نُسلم زمام الإبداع لمنطق الخوارزميات دون وعي.
بذلك يصبح رسم هذه الحدود فعلاً واعيًا يهدف إلى إعادة تموضع الإنسان داخل العملية الإبداعية، لا كعنصر مهدَّد، بل كمرجعية أساسية للمعنى. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون امتدادًا للخيال البشري، شرط ألاّ يتحوّل إلى بديل عنه، وأن يبقى الإبداع فضاءًا مفتوحًا للتجربة والاختلاف، لا مجرّد نتيجة داخل معادلة رقمية.
س4: كيف تقدمين اشكالية الالهام البشري والتوليد الآلى
ج4
لم يعد الحديث عن الإبداع اليوم ممكنًا خارج التوتّر القائم بين الإلهام البشري والتوليد الآلي، حيث لم تعد الذات المبدعة تحتكر إنتاج المعنى كما كان يُفترض في التصوّرات الكلاسيكية. فالإلهام، بوصفه فعلاً داخليًا يرتبط بالتجربة، والذاكرة، والحدس، يجد نفسه اليوم في مواجهة أنظمة قادرة على إنتاج نصوص وصور وسرديات كاملة انطلاقًا من تحليل كميّ هائل لمعطيات سابقة. هنا لا يعود السؤال: “هل تستطيع الآلة أن تُبدع؟” بقدر ما يصبح: “ماذا يبقى من الإبداع حين يُعاد تعريفة خوارزميًا؟”
إنّ التوليد الآلي لا ينتج من فراغ، بل يقوم على إعادة تركيب أنماط موجودة، وهو ما يضع مفهوم “الأصالة “ موضوع مساءلة. فهل الإبداع البشري نفسه بعيد عن هذا المنطق، أم أنّه بدوره شكل من أشكال إعادة التشكيل، لمن بوساطة تجربة ذاتية ووعي تاريخي؟ في هذه النقطة تحديدًا، يتلاشى الحدّ الفاصل بين الإنسان والآلة، ليس لأنهما متطابقان، بل لأن كليهما يشتغل على الذاكرة– الإنسان عبر الذاكرة الحيّة، والآلة عبر البيانات.
غير أن الفارق الجوهري يكمن في القصدية: فالإنسان يبدع انطلاقًا من رغبة، من سؤال، من قلق وجودي، بينما تعمل الآلة ضمن الاحتمال والحساب. ومع ذلك، فإنّ هذا الفارق مهدّد بالتلاشي على مستوى التلقّي، حيث يصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين ما هو إنساني وما هو مُولًّد، خاصة في سياق صناعي تحكمه خوارزميات التوقّع، كما هو الحال مع منصّات مثل “نات فليكس” (Netflix) و” ديزني“ (Disney).
من هنا، تتبلور الإشكالية في مستوى أعمق: لسنا أمام صراع بين طرفين، بل أمام إعادة تشكيل لمفهوم الإلهام ذاته. هل يظلّ الإلهام تجربة ذاتية خالصة، أم يصبح نتيجة تفاعل مع أنظمة ذكية تقترح وتوجّه وتعيد صياغة الفكرة؟ وهل المؤلف، في هذا السياق، ما يزال أصل العمل، أم مجرّد وسيط داخل شبكة إنتاجية أوسع؟
بذلك، لا يكمن الرهان في الدفاع عن “ نقاء” الإبداع البشري، بل في فهم هذا التحوّل المركّب، حيث يتحوّل الإلهام من لحظة فردية إلى عملية موزّعة، تتقاطع فيها الذات مع الخوارزمية. وهنا تحديدًا، تتجلّى أزمة “سقوط المؤلف”: ليس باعتباره اختفاءً، بل كتحوّل في موقعه، من مصدر وحيد للمعنى إلى عنصر ضمن منظومة تنتج الإبداع بشكل جماعي، وإن كان هذا “الجماعي” هذه المرّة يشكل الآلة.
وفي ضوء ما سبق، يمكن استدعاء أطروحة “رولان بارت” (Roland Barthes) حول “موت المؤلف” ليس بوصفها نهاية لسلطة الكاتب، بل كبديل لتحوّل أعمق يتجاوز حتى ما تصوّره بارت نفسه. فإن كان هذا الأخير قد نقل مركز إنتاج المعنى من المؤلف إلى القارئ، فإن الذّكاء الاصطناعي اليوم يوسّع هذا الإنزياح ليشمل بنية الإنتاج ذاتها، حيث لم يعد النص نتيجة ذات فردية، ولا حتى مجالاً مفتوحًا للتأويل فقط، بل أصبح نتاج تفاعل معقّد بين الإنسان والآلة.
وهنا، لا يتراجع المؤلف فحسب، بل يُعاد تشكل موقعه داخل منظومة خوارزمية تُسهم في اقتراح الأفكار، وصياغة السرد، وإعادة بناء الصورة.
بذلك، لا نكون أمام “موت المؤلف” كما “صاغه “بارت”، بل أمام تحوّل نوعي نحو “توزّع المؤلف”، حيث تتقاسم الذات المبدعة مع الأنظمة الذكية سلطة إنتاج المعنى، في سياق يعيد تعريف الإبداع بوصفه فعلاً مشتركًا، لا يُختزل في مصدر واحد.
س5: اليوم تم تقديم أفلام بالذّكاء الاصطناعي ما هي نسب النجاح وأفقها
ج5
رغم التطوّر اللافت في توظيف الذّكاء الاصطناعي داخل السينما، فإن الحديث عن “نسبة نجاح” دقيقة يظلّ سابقًا لأوانه، نظرًا لكون هذا المجال ما يزال في طور التجريب والتشكّل. فنجاح هذه الأعمال اليوم يبدو نسبيًا ومتفاوتًا؛ إذ تحقّق بعض التجارب انتشارًا جماهيريًا، خاصة على المنصّات الرقمية، مدفوعًا بفضول المتلقّي تجاه هذه التقنية، غير أنّ هذا الانتشار لا يقابله دائمًا نضج جمالي أو اعتراف نقدي راسخ. كما أنّ الأفلام المنتَجة كليًا بالذّكاء الاصطناعي لم تفرض بعد حضورًا قويًا في دوائر التوزيع التقليدي أو شباك التذاكر، وهو ما يكشف أنّها لا تزال تبحث عن لغتها الخاصة، بين محاكاة النماذج السائدة ومحاولة تجاوزها.
غير أنّ التحوّل الأبرز يتمثّل في ظهور مهرجانات وتظاهرات سينمائية بدأت تخصّص أقسامًا أو برامج كاملة للأفلام المصنوعة أو المدعومة بالذّكاء الاصطناعي، وهو ما يمنح هذه التجارب نوعًا من الشرعية الثقافية والمؤسّساتية. فهذه الفضاءات لا تكتفي بعرض الأعمال، بل تساهم في تأطيرها نقديًا، وفتح نقاشات حول حدود التقنية، وأخلاقياتها، وعلاقتها بمفهوم الإبداع. وبهذا المعنى، تتحوّل المهرجانات إلى مختبرات فكرية وجمالي، تُواكب نشوء شكل سينمائي جديد، وتُسهم في صياغة معاييره وتحديد أفقه.
ومع ذلك، يبقى مستقبل هذه السينما رهين قدرتها على تجاوز منطق “الاستعراض التقني” نحو بناء تجربة فنية متكاملة، قادرة على ملامسة الإنسان لا مجرد إبهاره. فالتحدّي الحقيقي لا يكمن في إثباب أن الذّكاء الاصطناعي قادر على إنتاج الصور، بل في قدرته– عبر توظيف إنساني واعِ–على إنتاج معنى. ومن هنا، فإن أفق هذه التجارب يتحدّد بمدى نجاحها في تحقيق توازن دقيق بين الابتكار الخوارزمي والعمق الإبداعي، بما يحفظ للسينما جوهرها كفنّ، لا كمجرّد منتج تقني قابل للتكرار.
س6: الذّكاء الاصطناعي والسينما التونسية الواقع والتقاطعات
ج6
في السياق التونسي، أرى أنّ الذّكاء الاصطناعي في السينما يطرح نفسه بوصفه مجالاً ناشئًا يتقاطع فيه الطموح الإبداعي مع محدودية الإمكانات. فالواقع يكشف أنّ الصناعة السينمائية في تونس لا تزال تعتمد أساسًا على أدوات وتقنيات تقليدية، مع حضور محتشم للذّكاء الاصطناعي يقتصر غالبًا على مبادرات فردية أو تجارب تجريبية داخل مجالات المونتاج، وتصحيح الصورة، أو توليد بعض العناصر البصرية. ومع ذلك، فإن هذا الحضور يعكس وعيًا متزايدًا لدى الجيل الجديد بأهمية الانخراط في التحوّل الرقمي، واستثماره لخلق بدائل إنتاجية أكثر مرونة وأقل كلفة.
وأعتقد أنّ التقاطعات بين الذّكاء الاصطناعي والسينما التونسية تتجلّى في ثلاثة مستويات: تقنيًا، حيث يمكن لهذه الأدوات أن تساعدنا على تجاوز عوائق الإنتاج؛ وجماليًا، من خلال فتح أفق لتجريب أشكال سردية وبصرية جديدة؛ وفكريًا، عبر طرح أسئلة حول الهوية وموقعنا داخل مشهد عالمي تتحكّم فيه الخوارزميات.
وفي هذا الإطار، أستحضر تجربة زبير الجلاصي، خاصة من خلال اشتغاله على الجانب التأطيري، حيث يُقدم الذّكاء الاصطناعي كأداة مساعدة في الإخراج، لا كبديل عن الرؤية الفنية. وقد سعيتُ شخصيًا، في إطار الإدارة الفنية للدورة العشرين من مهرجان أيام السينما المتوسطية بشنني–قابس، إلى دعم هذا التوجّه من خلال تنظيم ورشة بعنوان “الذكاء الاصطناعي كمساعد مخرج”، والتي شكّلت فضاءً للتفكير العلمي والنقدي في دور هذه التكنولوجيا داخل العملية الإخراجية.
كما أجد أنّ هذا التقاطع يظهر أيضََا على مستوى المضامين، من خلال أفلام مثل “ليلى” و”بين روحين”، حيث تّطرح قضايا الهوية والازدواجية والذاكرة، وهي ثيمات وأفكار ومواضيع رئيسية تتقاطع مع أسئلة العصر الرقمي، حتى وإن لم يُطرح الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل التحديات، مثل نقص التكوين المتخصّص، وضعف البنية التحتية، وغياب سياسات ثقافية واضحة. لذلك، أرى أنّ الرهان الحقيقي لا يكمن في مجرّد تبنّي هذه التكنولوجيا، بل في توضيفها ضمن رؤية نقدية تحافظ على خصوصويتنا، وتُبقي الإنسان في قلب العملية الإبداعية، حتى لا تتحوّل السينما إلى مجرّد منتج خاضع لمنطق الخوارزمية.
س7: ما هي الاشكالية الاخلاقية والقانونية للسينما اليوم مع معطى الذكاء الاصطناعي؟
ج7
اليوم، ومع دخول الذّكاء الاصطناعي إلى مجال السينما، أرى أنّ الإشكالية الأخلاقية والقانوية لم تعد هامشية، بل أصبحت في صميم العملية الإبداعية. أول هذه الإشكالية يتعلّق بحقوق الصورة والهوية، خاصة مع إمكانية استنساخ وجه الممثلين وأصواتهم رقميًا دون حضورهم الفعلي، وهو ما يطرح سؤالاً حول الملكية: هل يملك الفنان جسده الرقمي كما يملك جسده الواقعي؟ أم تصبح صورته مادة قابلة لإعادة الاستخدام خارج إرادته؟
كما تبرز إشكالية الملكية الفكرية، إذ يعتمد الذّكاء الاصطناعي على بيانات وأعمال سابقة في التعلّم، مما يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول حقوق المؤلفين: هل ما تنتجه الخوارزميات يُعد إبداعًا جديدًا، أم إعادة تركيب لأعمال موجودة؟ ومن يتحمّل المسؤولية القانوية في حال حدوث انتهاك أو سرقة فنية؟ وهنا يمكن التذكير بأنّ الإطار الدولي لحماية الملكية الفكرية قد تبلور منذ مؤتمر ستوكهولم سنة 1967، حيث تم تأسيس المنظمة العالمية للملكية الفكرية، التي دخلت اتفاقيتها حيّز التنفيذ سنة 1970، وأصبحت منذ 1974 وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة تُعنى بتنظيم هذه الحقوق عالميًا. غير أنّ هذا الإطار، رغم أهميته، يواجه اليوم تحديات جديدة أمام تسارع تقنيات الذّكاء الاصطناعي.
أمّا في تونس، فقد تم تنظيم هذا المجال بموجب القانون عدد 36 لسنة 1994 المؤرخ في 24 فيفري 1994، والذي خضع لاحقًا إلى تنقيحات جوهرية بمقتضى القانون عدد 33 لسنة 2009 المؤرخ في 23 جوان 2009، وذلك لمواكبة التطورات الرقمية والتغيرات في المشهد الثقافي والفني.
غير أنّ هذه التشريعات، رغم أهميتها، تجد نفسها اليوم أمام واقع تكنولوجي متسارع يفرض إعادة التفكير في مفاهيم المؤلف، والملكية، وحدود الاستخدام.
إلى جانب ذلك، تبرز مسألة الشفافية، حيث قد يجد المتلقي نفسه أمام أعمال لا يعرف إن كانت ناتجة عن تدخل بشري أم توليد آلي، وهو ما يستدعي توضيح حدود استخدام الذّكاء الاصطناعي داخل العمل الفني. كما لا يمكن تجاهل خطر التلاعب بالصورة والواقع، خاصة مع تقنيات مثل “الديب فايك” (Deepfake)، التي قد تُستخدم لإنتاج محتوى مضلّل لتشويه السمعة.
وأخيرًا، تطرح هذه التحوّلات سؤال المسؤولية: من يُحاسَب على العمل الفني في زمن تتداخل فيه قرارات الإنسان مع تدخلات الخوارزميات؟ المخرج؟ الشركة المنتجة؟ أم الجهة المطورة للتقنية؟ من هنا، أرى أنّ التحدّي اليوم لا يكمن في رفض الذّكاء الاصطناعي، بل في تطوير أطر قانونية وأخلاقية أكثر مرونة ونجاعة، قادرة على مواكبة هذه التحوّلات، وضمان حماية الإبداع والإنسان في آن واحد.
س8: هل وممكن يعوض الذّكاء كاتب السيناريو في الاخير
ج8
لا يبدو أنّ الذّكاء الاصطناعي قادر، في المدى القريب، على تعويض كاتب السيناريو بشكل كامل، بقدر ما يسهم في إعادة تشكيل دوره داخل العملية الإبداعية. فهذه التقنيات قادرة على اقتراح أفكار، وبناء حبكات، وتسريع كتابة المسودات، لكنها تظلّ مرتبطة بأنماط سابقة ومعطيات مُخزّنة، ولا تمتلك تجربة إنسانية أو وعيًا سياقيًا يمكّنها من إنتاج معنى عميق أو رؤية أصيلة. فالسيناريو ليس مجرد بناء تقني، بل فعل تأويلي يرتبط بالحسّ، والذاكرة، والسؤال الوجودي، وهي عناصر يصعب اختزالها في منطق خوارزمي. زمع ذلك، فإنّ حضور الذّكاء الاصطناعي سيُحدث تحوّلاً في موقع الكاتب، الذي لم يعد المصدر الوحيد للنص، بل فاعلاً ضمن منظومة تشاركية تتداخل فيها الرؤية البشرية مع إمكانيات الآلة. من هنا، لا يمثّل المستقبل في استبدال كاتب السيناريو، بل في ظهور كاتب جديد يشتغل مع الذّكاء الاصطناعي، دون أن يتخلّى عن جوهر الإبداع بوصفه تجربة إنسانية قبل كل شيء.




